أطفال في الثورة..طفولة خارجها!

بقلم: سناء مبارك
أنا الشهيد السابق، والتالي

لا تزال الكتابات المعنية بالأطفال ترسم في تلافيف رأسي خيالاتٍ أشبه ببطائق بريدية لطيفة مملؤةً بالألوان الزاهية والكلمات المرحة، أتمنى لو باستطاعتي بعد كل هذه السنوات أن استشعر مجدداً تغريدة "ريمي البندلي" ذات طفولة "إحنا الربيع إحنا..ورد الربيع إحنا..إحنا فراشات صغار..عم ترقص بين الأزهار..الخ".

تتذكرون ريمي البندلي ؟..لم تعد تغني ريمي؛ ربما لنفس الأسباب التي لن يكون فيها هذا المقال بأي حال شبيهاً بالبطاقة البريدية الموسومة في خيالي أعلاه.

لو صحّ لأطفال اليمن أن يبعثوا ببرقياتٍ إلى العالم، أكيدةٌ أنا أن أجمح الخيالات (بما فيها "التنقيبات" خاصتي أدناه) لن تصل إلى تصوّر ما يمكن أن يقولوه وصفاً لأفعال الكبار التي أكلتْ من طفولتهم وشربت.

برقية (1 )..أيها العالم: الفقر قميصٌ من نار!

ما لم يبتسم القدر لهذا الطفل يوماً ما؛ فالأصل أن الفقر والطفل اليمني توأمان متطابقان، يولدان معاً، يكبران معاً وغالباً يموتان معاً.

ومن لم يحالفه الحظ ليكون من بين الـ 35 بالمائة من أطفال الأسر متوسطة الحال في اليمن (الفقراء بالمقاييس العالمية) فالأصل أنه سيكون من بين الـ65 بالمائة من أطفال العائلات الغارقة تحت جسر الفقر المدقع..الحديث هنا عن بلدٍ أكثر من نصف سكانه ما دون سن الـ18.

يقول تقريرٌ حديثٌ لليونسيف نشر قبل أشهر معدودة فقط أن حوالي 45% من الأطفال اليمنيين يعانون من سوء التغذية؛ 17% منهم يعانون من سوء التغذية الحاد بينما يعاني 28% من سوء تغذية متوسط الحدة..ترتفع هذه النسبة لتشمل 3 أطفال من بين كل 4 في بعض المناطق الريفية..تذيّل اليونسف التقرير بعبارة صادمة تفك أزرار هذا القميص عن جسد المأساة الضخم، ورد فيها: "يتساوى معدل سوء التغذية الذي أوردته الدراسة مع المعدل الذي أورده مسح آخر جرى في جنوب السودان في بداية هذا العام وجذب اهتماماً إعلامياً لاكتشافه “أكثر الأماكن جوعاً على وجه الأرض".

يعلق جيرت كابيليري ممثل صندوق الطفولة التابع للأمم المتحدة "اليونسيف" على هذه الإحصاءات بقوله "أنت تغامر بخلق مجموعة متزايدة من الصغار الذين سيتمردون ويتسمون بعنف بالغ وعواقب ذلك لن تكون مهمة بالنسبة لليمن فقط وإنما للمنطقة العربية وللعالم ككل".

بالطبع ليس لـدى كابيليري كرامات استراق السمع، لكن الرجل الذي عمل في اليمن طويلاً يعلم أكثر من غيره أن هؤلاء الجوعى المسلوبي الطفولة هم أنفسهم من يشكلون حوالي 20 بالمائة من إجمالي نسبة العمالة في اليمن معظمهم يتم ضخهم من الأرياف إلى المدن بلا مأوى للتشغّل في مهن تعرضهم لكوارث ليس أقلّها التحرّش الجنسي.

وربما أراد السيد جيرت أن يلفت انتباه المهتمين إلى أن "بروليتاريا "من نوع جديد تتخلّق في اليمن، اسمها هذه المرة "بروليتاريا الأطفال"..لا أعلم إن كان كارل ماركس سيعوّل عليها كثيراً في تنظيراته الشهيرة عن هذه الطبقات التي أقتنع بها وآمن أنها ستحرر المجتمعات وتبني الاشتراكية بشكل أممي، لكن حدسي يخبرني أنه لم يكن ليفعل أبداً؛ ببساطة لأنها ليست إلا شكلاً آخر أكثر تراخياً من "البروليتاريا الرثة" التي يرى المفكرون الشيوعيون أنفسهم أنها متخلفة الوعي ومن الصعب إكسابها الوعي البروليتاري المناضل.

• من السهل جداً أن تحشد هؤلاء في ميدان السبعين كل جمعة مقابل حفنة ريالات تشتري بها تصفيرهم وتصفيقهم، لكن سيكون من المستحيل أن تكتسب شرعيتك منهم.

• ومن السهل جداً أيضاً أن تحوّلهم ـ باسم الثورة والتغيير ـ إلى قطع صلصال سهلة التشكيل في أيادي الأحزاب وثقلها السياسي والفكري، لكن سيصعب علينا تماماً أن نجدهم عندما نحتاج فكراً ثورياً مستقلاً قائماً بذاته قادراً على صناعة القرارات وتحريك الدفة إلى الأمام دون الحاجة الى وصايات من أي نوع.

برقية (2 )..أيها العالم: عرائس الموت، نُغتصب بمباركة جماعية!

مرةً أخرى؛ كشف تقريرٌ صدر مؤخراً عن مركز دراسات وأبحاث النوع الإجتماعي بجامعة صنعاء أن نحو 52% من الفتيات اليمنيات تزوجن دون سن الخامسة عشرة خلال العامين الماضيين..70% منهم في المناطق الريفية..في بعض هذه الحالات قد لا يتجاوز عمر الفتاة المتزوجة سبع أو ثمان سنوات لا بل قد تتسع الفجوة العمرية بين الزوجين لتستوعب أكثر من 50 سنةً أرضية.

لم تترك منظمات العمل المدني والحقوقي والإنساني باباً إلاّ وطرقته في محاولات يائسة لإنقاذ هذه الطفولة المنتهكة باسم العُرف والدين، ومثلهم فعل المعنيون من الأطباء في محاولةٍ لاستخلاص قانون يحدد سن الزواج أو بالأحرى إعادة إحياءٍ لمادةٍ شملها قانون الأحوال الشخصية لعام 1992 الذي يحدد سن الزواج للفتيات اليمنيات بـ 15 عاماً كحدٍ أدنى، القانون الذي ظل سارياً حتى 1998 ليتم سحب المادة بعدها بموجب تعديل لا نعلم يصب في مصلحة مَن أو ماذا.

و إذا علمنا أن من يلتحون بالتغيير ودولة الكرامات والحقوق والإنسانية اليوم هم أنفسهم من التحوا يوماً بحرب شعواء ضد كل الأصوات المنادية بالحياة لفتياتٍ سلبتْ الأعراف والتقاليد البائدة والتزمت المقيت كل كرامتهن وطفولتهن:

• فعن أي شرعية يتحدث الراعي مثلاً ومجلس نوابه الذي شرّع البلد للنهب والنصب والفساد ومضى في طريق التشريع لعمليات الإغتصاب المقونن تحت غطاء الدين الذي بالتأكيد أنه بريء تماماً مما من شأنه أن يترك ثلثي نساء اليمن يرزحن تحت وطأة الصدمة النفسية، الاكتئاب والأمية، فهؤلاء الصغيرات يتركن الدراسة للزواج الذي لم تكن قد عرفت هذه العروس كيف تتهجأ كلمته من الأساس؟

• وعن أي تغيير يتحدث الزنداني مثلاً وهيئة "الفضيلة "التي تركت البلد تتهاوى في رذائل اقتصادية وسياسية وإنسانية وتفرّغت تماماً كل هذا الوقت لحجب قوانين كان من شأنها أن تحفظ حياة خمسة الآف فتاة تقضي سنوياً في اليمن بسبب الحمل المبكر للقاصرات؟ تحتل اليمن المرتبة الأولى في العالم هنا بالمناسبة.

أما الأول فقامت ضده وضد من يمثله هذه الثورة؛ فهل يعقل أن نترك الثاني يقودها ؟

برقية (3)..أيها العالم: لاشيء يمكن إبداعه من اللاشيء!

لا يوجد مركز حكومي واحد متخصص في رعاية الأطفال الموهوبين في اليمن، لا ملاعب، لا مسارح، لا نوادي، لا مكتبات ولا حتى أي توجه جاد في المدارس لضخ الحس الإبداعي لدى الأطفال..في معظم البيوت اليمنية توجد فقط مراكز متخصصة لرعاية مجالس القات والتفرطة.

طبعاً قد يعتقد البعض أنه من البذخ التحدث عن الإبداع الطفولي في بلد يصدّر سنوياً 50 الفاً من فلذات كبده وخامات تنميته إلى الجارة السعودية ليتم الاتجار بهم بغرض العمالة، التسوّل، خدمات المنازل وسرقة الأعضاء..كريمةٌ هي جارتنا دائماً وأبداً.

لا شك أن هذا الحديث يعدً قشّة في كومة المآسي التي يعاني منها الطفل اليمني، لكن المواهب التي التي تفجرت في ميادين التغيير مع الأيام الأولى لثورة الاعتصامات الشعبية السلمية جعلتنا نعيد النظر في كم الطاقات المكبوتة ومدى أهميتها في إعادة هيكلة جيل يمكنه أن يذيب جليد الماضي بكل بؤسه.

أخيراً وجد أطفال الشوارع بيوتاً، فقد تحوّلت الإعتصامات إلى بيوتهم التي يزاحمهم فيها ملايين الحالمين بالمستقبل الأفضل، عشق الأطفال الثورة وسقوها من فيض إبداعاتهم، لكن ما إن تحوّل المشهد عن سلميته وقدسية أهدافه حتى عادت هذه الفراشات الى شرانقها وامتلأت بعدها الشاشات بالعويل.

• في القنوات الرسمية: أطفال يسردون قصصاً خطيرة عن اعتداءات حدثت لهم داخل المدارس تكشّف بطلانها فيما بعد..طفل معصوب الكاحل تولول والدته بأن المشترك ضربوه، ليجيب هو بكل براءة بعد سؤاله عما حدث: هاه؟ كنت ألعب فوقعت !..طفل يحكي عن محاولة قطع لسانه من قبل المعارضة بعدما أطلق عباراته المؤيدة للنظام..الخ

كلمة في سر النظام: الحق لا يحتاج الكذب في شيء..والشرعية لا تحتاج الاحتيال في شيء..والطفولة لا تحتاجكم في شيء..

• في قنوات المعارضة: طفلة فقدت أباها تبكيه بألم يحق لها أن تتعامل معه بهدوء بعيداً عن فزع مواجهة الحشود..طفل فقد عينيه، تحاصره العدسات ولا يتاح له حتى أن يبكيهما..أطفال يضعون عصابات على رؤسهم كتب عليها عبارة "أنا الشهيد القادم" يتم ترويجها بشكل كبير جدا..أم أمام طفلها ـ الذي لم تراعَ أقل حقوقه في اخفاء هويته أو تغطية وجهة ـ تروي تفاصيل ما قالت إنه اغتصاب من قبل جنود النظام..طفل شهيد هنا..طفلة شهيدة هناك..الخ

كلمة في سر المعارضة: بامكان الثورة أن تنجح وتكون أكثر تأثيراً دون الحاجة لأن ترتدي جلباب الثأر النفسي هذا، بإمكانها أن تنجح دون أن نكرّس في نفسيات هؤلاء الأطفال أنّ أفضل ما يمكنهم فعله هو "الموت"..

نقطة نظام: آن الأوان لأن يدرك الجميع أنّ قوام الطفولة أطرى من أن تتحمل مسامير السياسة الصدئة التي يصر البعض على دقّها في أرواح أطفالنا؛ ليعلقوا عليها لوحات كتب عليها بالخط العريض: للكبار فقط!

سناء مبارك