أطفال حسب الطلب: موضة جديدة في اميركا!

لندن
ولد او بنت.. حسبما يختار الوالدين!

ساهم النجاح الكبير في تحديد الخريطة الوراثية للإنسان، أو يعرف بالجينوم، والذي يعتبر أهم إنجازات القرن العشرين، في إحداث ثورة تكنولوجية كبيرة في بحور الطب والعلم وما يتعلق بصحة الإنسان عبر أجيال عديدة.
فقد ساعد الجينوم، الذي يعرّف بأنه القائمة الكاملة من الجينات الوراثية المشفّرة اللازمة لتكوين الكائن الحي، في ظهور تطورات طبية عديدة في مجال علاج الأمراض الوراثية والخبيثة أو الوقاية منها وحتى اختيار جنس المولود وإنتاج أطفال من مواصفات خاصة حسب الطلب عبر التعديل الوراثي للأجنة.
وأوضح العلماء أن مجموعتان كاملتان من الجينوم البشري هما الكروموسومات تتواجدان في نواة كل خلية جسمية عدا خلايا التكاثر (أي الحيوانات المنوية في الذكور والبويضات في الإناث) حيث توجد مجموعة واحدة من الجينوم وذلك لاستقبال المكمل لها من خلية التكاثر الأخرى وكريات الدم الحمراء التي لا تحوي أي مجموعة جينية.
وفسّر هؤلاء أن كل كروموسوم يتألف من ستين إلى ثمانين ألف جين، وكل جين يتكون من أربعة قواعد نيتروجينية هي الأدنين والسايتوسين والجوانين والثايمين التي تترتب في سلاسل طويلة من السكر والفوسفات مكونة جزيئات الحمض النووي DNA أو المادة الوراثية.
وأشار خبراء الوراثة إلى أن عدد الجينات في البشر يتراوح ما بين 30 - 40 ألف جين وهو عدد يقل عن التقديرات السابقة التي تراوحت بين 60 - 100 ألف جين ويختلف الحمض النووي بين إنسان وآخر بنسبة 0.2 في المائة فقط. وتحدد هذه الجينات النوع والصفات الوراثية والسلوكية أيضا وتكون بحد ذاتها سوية وليست مسؤولة عن المرض، ولكنها في تشكلها وتفاعلها قد تؤدي إلى ظهور المرض.
واكتشف العلماء أن سبب إصابة الإنسان بالأمراض الوراثية يرجع إلى إصابته بالعدوى منذ بداية تكوينه داخل رحم الأم بواسطة خلايا سلالية وجينات وراثية مصابة تنتقل إليه من الأم أو الأب والتي يتضاعف نموها بعد عام من الولادة.
وقد تمكن الباحثون في جامعة برينستون البريطانية من استخلاص جينات علاجية لها القدرة على علاج الخلل في الخلايا الوراثية المسؤولة عن انتقال مرض السكري ومرض النسيان (الزهايمر) وأمراض الحبل الشوكي بما يكفي لزيادة مناعة الإنسان ضد الإصابة بهذه الأمراض أو انتقالها للأجنة حيث نجحوا في استخلاص 283 جينا مسؤولين عن إصابة الخلايا بالأمراض الوراثية كما اكتشفوا وسيلة لتثبيط الجينات الحاملة للمرض ووقف نشاطها ونموها تماما.

خلفيات الهندسة الوراثية

وجاءت الهندسة الوراثية كمحصلة طبيعية لثورتين علميتين هما: ثورة اكتشاف أسرار المادة الوراثية (DNA)، وثورة اكتشاف إنزيمات التحديد التي تقوم بقصها في مواقع محددة.
وبدأت الثورة الأولى عندما اكتشف العلماء أن الحمض النووي (DNA)، هو المادة الوراثية ثم اكتشاف تركيبه الكيميائي الذي يتألف من شريطين متكاملين يأخذان شكل الحلزون بحيث تلتقي نقاط معينة في هذين الشريطين كل منها بالأخرى ويحمل كل شريط المعلومات الكاملة اللازمة للتحكم في بناء البروتينات اللازمة لتوجيه المعلومات الحيوية التي يؤدي مجموع تفاعلها في النهاية إلى تكوين الكائن الحي وقيامه بوظائفه الحيوية المختلفة.
ثم تبع ذلك اكتشاف أسرار الشيفرة الوراثية وهى تتابع القواعد النيتروجينية في كلمات وجمل تقوم بتخزين المعلومات الوراثية في لوح محفوظ مسؤول عن حياة الكائن الحي من الإنبات حتى الممات وهي الجينات وفك رموزها. وبذلك يمكن قراءة شيفرة كل جين والتعرف عليها ثم تخليقها مخبريا أو الحصول عليها من استخلاص حمض DNA من أي كائن حي أو حتى الفيروسات ثم إعادة ترتيبها في شيفرات أخرى بعمليات الجراحة الوراثية.
وقد سمحت التطورات الحديثة في التكنولوجيا الحيوية الجديدة التي صممت خصيصا للكشف عن الأمراض الوراثية في المرحلة الجنينية، للآباء بانتقاء الصفات الجسدية والشكلية لأطفالهم وإنجاب ما يسمى بأطفال التفصيل أو الإنسان الكامل بعد أن مهد العلم السبيل للوصول إلى الكمال الجسدي بالطلب وليس بالطبيعة.
فبعد أن كان إنتاج مخلوقات بشرية معدلة وراثيا ذات صفات فريدة ومرغوبة أحد قصص الخيال العلمي والأفلام الهوليودية، فقد أصبح حقيقة أقرب إلى الواقعية بعد أن ساعدت الوسائل التكنولوجية الحديثة المستخدمة أصلا في الكشف عن الأمراض، في اختيار الأطفال وفقا للرغبات الشخصية المفضلة لدى الآباء, بدءا من لون الشعر والعيون والشكل الخارجي للجسم والوجه، وحتى القدرات الدماغية والمهارات العقلية والبدنية.
وأشار العلماء إلى أن هذه التكنولوجيا ليست جديدة، فقبل عدة سنوات تم استخدام ما يعرف بالتحليل الجنيني أو التشخيص الوراثي قبل زرع الجنين في الرحم, لتحديد الأجنة المريضة وغير الطبيعية عند الأزواج الحاملين للأمراض الوراثية مثل التليف الكييسي ومرض نزف الدم. أما الآن، فقد أصبح عدد قليل من أطباء الخصوبة في الولايات المتحدة يستخدمونها بشكل يسمح للآباء باختيار جنس المولود المرغوب إنجابه لأغراض اجتماعية مثل تحقيق التوازن الأسري.

مشكلات اخلاقية

وقال الخبراء في مركز الخصوبة والطب الإنجابي الأمريكي إن استخدام مثل هذه التقنيات يقدم فوائدا كبيرة للأشخاص الذين يحملون أمراضا وراثية، ولكنها تسبب ضررا كبيرا وتثير جدلا أخلاقيا واسعا، إذا ما استخدمت للحصول على أطفال بمواصفات معينة كلون الشعر والعيون أو صفات جسدية أخرى بدلا من استخدامها لمنع مرض أو إعاقة.
وأشار العلماء إلى أن المشكلات الأخلاقية تكمن في إنتاج عدد من الأجنة ثم اختيار المناسب منها وفقا لجنس معين أو صفات خاصة كما أن الهندسة الوراثية للأجنة البشرية قد تسبب ولادة عدد كبير من الأطفال المشوهين للحصول على طفل واحد كامل الصفات أو خارق.
ومع ذلك يتوقع الأطباء أن يصبح اختيار جنس المولود مقبولاً في جميع أنحاء العالم بعد عشرين سنة من الآن وأن تلقى هذه الطريقة قبولاً واسعاً في الشرق الأوسط والشرق الأقصى نظراً للتقاليد الاجتماعية والدينية والمادية التي تعطي الأولوية للرجل في الحفاظ على صيرورة الأسرة أي بمعنى آخر نسل الرجل.
وقد اكتشفت طريقة تحديد الجنس على يد الدكتور وينستون رئيس قسم عيادة الإخصاب في مستشفى هامر سميث بغرب لندن وسُمح بتداولها في بريطانيا في حالات محددة جداً مثل حمل الأبوين لأمراض وراثية يمكن أن تنتقل إلى أطفالهم بالمورثات الجنسية المحمولة على الكروموسوم الجنسي (X)، أو السادس والأربعين الذي يحدد إذا كان المولود أنثى أو ذكر وخصوصا تلك التي تصيب الذكور تحديداً أو الإناث تحديداً.
ويشير وينستون إلى أن تحديد الجنس ما زال في طور التجربة أي أنه يمكن أن يؤذي الجنين ويجب عدم أجراءه إلا في الحالات الضرورية في حين أكد الدكتور بيتر برنزدين مدير مركز بورينهيل للإخصاب في بريطانيا أن مركزه يتلقى كل شهر مجموعة من الرسائل التي تطلب مولودا من جنس محدد مشيرا إلى عدم إمكانية إجراء ذلك بسبب صرامة القوانين في بريطانيا وعدم السماح بممارسة هذه الطريقة.
وقال إن التركيز لابد أن يكون على البحث العلمي وكيفية الاستفادة من هذه التقنية في تفادي الأمراض الوراثية خاصة عند الآباء الذين يحملون مورثات مرضية أما اجتماعياً فقد يكون هذا الإجراء منافياً للأخلاق.
وكشف العلماء في مؤتمر الجمعية الأوروبية للتناسل البشري وعلم الأجنة الذي انعقد في لوزان عن أن ما يقرب من 200 من الأزواج، قد حصلوا على أطفال تم اختيار نوعية جنسهم حسب مبررات اجتماعية محضة مقابل ألفي دولار فقط.
وقد تحقق ذلك من خلال آلية معقدة لتحديد نوع الجنس في السائل المنوي لآبائهم التي تزيد من احتمال الحمل في نوعية جنس حسب الرغبة تصل إلى 92 في المائة للإناث و72 في المائة للذكور.
وأكد العلماء أن معدلات النجاح في هذه العملية التي تحدد وتفصل السائل المنوي الذي يحمل كروموسومات الذكورة والأنوثة، كانت أعلى بشكل ملموس عما تم إنجازه بالتقنية السابقة التي كانت تغير حوالي 50 في المائة بالكاد من احتمالية تحديد جنس الطفل في الأحوال الطبيعية.
من جانبه شكك لورد وينستون، الذي يعتبر عميد تقنية اختيار جنس المولود، في سلامة هذا النهج. وقال أن مثل هؤلاء الأطفال معرضين للضرر من الناحية الجينية لأن تحديد كروموسوماتهم تم من خلال ما يسمى بالفلوروكروم، الذي يسبب ضررا جينيا على المدى البعيد.

تحديد جنس المولود بالفي دولار فقط

وقد لفتت مجموعة من الإعلانات نشرت في عدد من الصحف الأمريكية تحت عنوان "اختر جنس المولود بألفي دولار فقط" على طريقة "اختر سيارتك المفضلة" .. أو "اختاري عطرك المفضل من متاجرنا" أنظار واهتمام الرأي العام الأمريكي والأوساط الطبية طوال الفترة الماضية وأثارت ضجة كبيرة .. ففي مقابل اعتراضات المحافظين والرافضين للتدخل في خلق الله ومشيئته كانت هناك طوابير طويلة من الأزواج يرغبون في تحديد نوع أطفالهم.
وقد لاحظ معهد العلوم الجينية وتقنية أطفال الأنابيب في ولاية فرجينيا، الذي أعلن عن تقديم الخدمة انه في الوقت الذي كان يتوقع فيه أن يكون الطلب مرتفعا على الذكور، جاءت النتائج معاكسة تماما وكانت الغالبية تطلب الإناث.
وكان أطباء مختصون في ولاية فرجينيا الأميركية قد ابتكروا تقنية تتيح إنجاب البنات فقط وذلك لتجنب الأمراض الوراثية التي تصيب الذكور تحديدا، كمرض نزف الدم واعتلال التروية العضلية.
وقد أثبتت هذه التقنية في اختيار جنس المولود التي تعرف باسم "مايكروسورت" فعاليتها حين مكنت 90 في المائة من الأزواج الذين خضعوا لها من إنجاب بنات فقط وساعدت الأزواج الراغبين في الإنجاب في تفادي انتقال الأمراض الوراثية المرتبطة بالمورث الجنسي (X), والراغبين أيضا في إنجاب البنات لتحقيق التوازن الأسري.
وبالفعل أدت هذه التقنية التي تعتمد على مبدأ أن الكروموسوم الجنسي (X) الأنثوي أكبر حجما من الكروموسوم الذكري (Y) مما يعني أن الحيوان المنوي الذي يحوي هذا الكروموسوم يكون أثقل إلى إنجاب 187 طفلا عن طريق تقنيات الإخصاب والتلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب.
ومن المعروف أن الحيوان المنوي عند الرجل هو الذي يحدد جنس المولود، فأنوية أي خلية داخلية أو خارجية في الأنثى تحمل صفات مميزة على الكروموسومات الجنسية من نوع ( XX ), أما في الذكور فإن هذه الكروموسومات تكون من نوع (XY), لذلك فان الحيوان المنوي هو الذي يحدد جنس الجنين بعد عملية تلقيح البويضة. فلو صدف وأن تلقحت البويضة بمني يحمل الصفات (X) فإن الجنين يحمل كروموسومات من نوع (XX), أي واحد من الأم والآخر من الأب، فيكون المولود في هذه الحالة أنثى. أما إذا كان التلقيح بواسطة مني يحمل كروموسومات من نوع (Y) فسيرث الجنين كروموسوم (X) من أمه وكروموسوم (Y) من أبيه وسيحمل كروموسومات من نوع (XY) ويكون ذكراً.
وأوضح الأطباء أن إنجاب المرأة للمولود الذكر أو الأنثى يتوقف على أي من الكروموسومين (XY) الموجودين في الحيوانات المنوية عند الرجل حيث يتمتع كل من هذين الكروموسومين بصفات معينةً كما هو معروف علميا حيث يكون المني الحامل للكروموسوم الذكري (Y) أخف وأكثر قوة وأسرع حركة من الحيوان المنوي الذي يحمل الكروموسوم الأنثوي (X)، لكنه أقصر عمراً من الكروموسوم الأنثوي الذي يتصف ببطء الحركة ولكنه يعيش أياماً أطول من الحيوانات المنوية التي تمثل الكروموسوم المذكر. (قدس.برس)