أطباء علم النفس يناشدون الأمهات العودة لحدوتة قبل النوم

بقلم: انتصار سليمان
على بساط الريح

الأم هي المدرسة الأولى للطفل من خلالها يتعلم ويستكشف الحياة من حوله، وفي الماضي كانت الأمهات والجدات يجمعن الأطفال كل مساء ليحكن لهم حدوتة قبل النوم، وتخطف الحدوتة الطفل فلا يستطيع البعد عنها أو الفكاك منها.
وهي في ذات الوقت تحقق له قدرا هائلا من الاحتياجات؛ تسكنه قصورا، وتطير به إلى الفضاء، وتجعله يأخذ موقفا تجاه الشر والأشرار ويظل هذا الموقف معه طوال عمره .
هذه الحدوتة علمت الأجيال السابقة المبادئ والأخلاق، وسعت مداركهم، نمت خيالهم، جعلت منهم العالم والمفكر والطبيب البارع.
ومع تقدم التكنولوجيا وزيادة سرعة الحياة تخلت الأم عن حدوتة قبل النوم، واكتفت بما يراه الأطفال في التليفزيون من برامج، وكرتون، والعاب الفيديو جيم، وأخيرا الكمبيوتر وعالم الإنترنت.
وقد اعتبر البعض أن هذا التقدم مطلوب وفي صالح الطفل، الا أن التجارب أثبتت أن وسائل التكنولوجيا الحديثة أكسبت الأطفال العنف والعدوانية، كما نقلت إليهم أمراض العصر مثل الاكتئاب والضغط العصبي، مما جعل أطباء علم النفس في العالم يناشدون الأمهات ألى ضرورة العودة لحدوتة قبل النوم التي ترويها الأم بصوتها الحنون إلى طفلها، بدلا من الاعتماد على ما تعرضه برامج التليفزيون وأشرطة الفيديو.
فوجود الأم إلى جوار سرير ابنها قبل نومه يزيد من ترابط الطفل بأمه، ويجنبه أي نوع من المخاوف أو الإحساس بالضيق، ويمنع أي أحلام مفزعة أو كوابيس أثناء النوم.
ويشير الدكتور يسري عبد المحسن أستاذ الطب النفسي بكلية طب القاهرة أن لحدوتة قبل النوم أهمية خاصة للطفل الذي يعيش بخياله أكثر من واقعه، فهو يسرح كثيرا ويتأمل ويتصور الأشياء ويضيف إلى ما هو واقعي ملموس شيئا من الخيال، حسب ما يتراءى له وفقا لحالته المعنوية وأحاسيسه الوجدانية، كطفل يحلم أثناء يقظته ويتعامل مع اللعبة وكأنها حقيقة، فقد يكلمها ويأمرها ويحركها وقد يضربها في محاولة لتطويعها لأرادته ورغباته.
وهذا التلاعب بالخيال هو سمة من سمات الطفولة وله أهمية في إثراء فكر الطفل وتنمية موهبته نحو التعبير عن نفسه.
ويؤكد الدكتور يسري عبد المحسن إن الاستفادة من الحكايات والقصص تغرس المبادئ والقصص الأخلاقية السليمة في الطفل بتصوير أبطال لهم صفات كالصدق والأمانة والشجاعة أمر مطلوب ومرغوب. ويجب أن يعلم الطفل أن هذه القصص وأبطالها من عالم الخيال حتى يسيطر الطفل على واقعة وتذكيره دائما أن هناك فرقا بين الواقع والخيال، واستخدم الحكايات الشيقة والمسلية يجذب انتباه الطفل ويبعده عن التمادي في الشقاوة أو أي فعل خاطئ يشرع في عمله، ويمكن للأم امتصاص طاقته وأبعاده عن ثورته بواسطة الحكايات.
والحدوتة تعني للطفل الكثير فهي تلك الكلمة المطبوعة على الورق وكذلك الصورة بالنسبة للطفل فهي تنقل لتطبع على صفحة عقولهم ووجدانهم ومشاعرهم وقد تبقي على مدى العمر كله.
أن الطفل له حساسية شديدة تجاه الكلمة سواء المسموعة أو المقروءة أو المرئية، وذلك نتيجة حب الاستطلاع والرغبة الشديدة في الاكتشاف والبحث عن المجهول لتنمية حواسه الادراكية ولكي يتواصل مع البيئة المحيطة. وكذلك فان له قدرة عالية على التقاط الأشياء واستشعار كل ما يثير انتباهه أو يلفت نظره.
لذلك فان وقع الكلمة بأي شكل ينفذ بسرعة إلى وجدانه ويرسخ بعمق في ذاكرته, وبالتالي يؤثر على سلوكياته ويغير من تكوينه النفسي ويساعده بقوة في تنمية مواهبه وقدراته وفي توسيع دائرة علاقاته الاجتماعية، والطفل الشديد وسريع التغير والتقلب الفكري والوجداني وهو دائما في حالة من التقلبات والذبذبة في عواطفه وفكره الذي لم يتبلور بعد، بل ولم يصل إلى درجة النضج الكامل ومن هنا فان وقع الكلمة عليه لها فعل السحر ويتفاعل بها ومعها أن الكلمة المقدمة للطفل تحتاج إلى جهد الانتقاء والإخراج وطريقة العرض أكثر مما يحتاجه الشخص البالغ.
وتؤكد فايقة محمد (مدرسة رياض اطفال) ان لحدوتة قبل النوم بالذات أهمية خاصة لأنها تظل راسخة في ذاكرة الطفل ويصعب عليه نسيانها لأنها تختمر في عقله وتثبت في مركز الذاكرة في مخه أثناء النوم. فعلى الأم محاولة الالتزام باختيار النهايات السعيدة لحد وته قبل النوم والابتعاد عن قصص العنف أو روايات أبطالها حيوانات خرافية قد ينطبع شكلها في ذاكرة الطفل فيتسرب الخوف لقلب الصغير ويسبب له الأرق. ويظهر ذلك على وجه الطفل في اليوم التالي حيث يظل الطفل قلق ومضطرب يخشى الجلوس وحدة، بل ويحكي لاصدقائه القصة مضافا اليها ما صوره خياله فيسبب ذعر بين الاطفال لا يمحوه غير حدوتة اخرى من امة تصلح بها ما ثبت في خيالة من صور مخيفة وافكار مفزعة.
وينصح د. احمد حسن استاذ علم نفس التربوي – جامعة عين شمس كل أم بتثقف نفسها بمزيد من القصص بقراءة الكتب خاصة كتب التربية الحديثة، والقصص الدينية، والتراث حتى تكون في حالة استعداد دائم لحدوته قبل النوم، لتساعد صغيرها على الدخول في نوم هادئ وعميق مع قصة مفيدة مسلية ومشوقة. كما يجب عليها أن تختار للطفل الحدوتة ولا تقدم بطريقة عشوائية، حيث أن الهدف من الحدوتة أساسا يعتبر تربويا وليست الحدوتة للتسلية كما يبدو للكثيرين ولكن فيها التجربة والمعلومة وغير ذلك من الأساليب التربوية التي تساهم في تنشئة وترشيد سلوكياته. انتصار سليمان – محررة مصرية