أضواء على الوصايا العشر لأمل دنقل

بقلم: أحمد فضل شبلول

.. فنظر "كليب" حواليه وتحسر، وذرف دمعة وتعبَّر، ورأى عبدا واقفا فقال له: أريد منك يا عبد الخير، قبل أن تسلبني، أن تسحبني إلى هذه البلاطة القريبة من هذا الغدير، لأكتب وصيتي إلى أخي الأمير سالم الزير، فأوصيه بأولادي وفلذة كبدي ..
فسحبه العبد إلى قرب البلاطة، والرمح غارس في ظهره، والدم يقطر من جنبه .. فغمس "كليب" إصبعه في الدم، وخطَّ على البلاطة وأنشأ يقول .. (1)
لا تصالحْ !
.. ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك،
ثم أثبت جوهرتين مكانهما ..
هل ترى ..؟
هل أشياء لا تشترى ..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك ،
حسُّكما ـ فجأةً ـ بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق .. حين تعانقُهُ،
الصمتُ ـ مبتسمين ـ لتأنيب أمكما ..
وكأنكما
ما تزالان طفلين !
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي ـ بين عينيك ـ ماءً ؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ ..
تلبس ـ فوق دمائي ـ ثيابا مطرَّزَةً بالقصب ؟
إنها الحربُ !
قد تثقل القلبَ ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ ..
ولا تتوخَّ الهرب !
(2)
لا تصالح على الدم .. حتى بدم !
لا تصالح ! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك ؟!
أعيناه عينا أخيك ؟!
وهل تتساوى يدٌ .. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثكلك ؟
سيقولون :
جئناك كي تحقن الدم ..
جئناك . كن ـ يا أمير ـ الحكم
سيقولون :
ها نحن أبناء عم.
قل لهم : إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسا ،
وأخا ،
وأبا ،
ومَلِك !
(3)
لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر ..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل ـ في سنوات الصبا ـ
بثياب الحداد
كنتُ ، إن عدتُ :
تعدو على دَرَجِ القصر ،
تمسك ساقيَّ عند نزولي ..
فأرفعها ـ وهي ضاحكةٌ ـ
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن .. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر :
من كلمات أبيها ،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها ـ ذات يوم ـ أخٌ !
من أبٍ يتبسَّم في عرسها ..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها ..
وإذا زارها .. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا ..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة ..
لا تصالح !
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقا .. فجأةً ،
وهي تجلس فوق الرماد ؟!
(4)
لا تصالح
ولو توجوَّك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ ..؟
وكيف تصير المليكَ ..
على أوجهِ البهجة المستعارة ؟
كيف تنظر في يد من صافحوك ..
فلا تبصر الدم ..
في كل كف ؟
إن سهما أتاني من الخلف ..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم ـ الآن ـ صار وساما وشارة
لا تصالح ،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك : سيفٌ
وسيفك : زيفٌ
إذا لم تزنْ ـ بذؤابته ـ لحظاتِ الشرف
واستطبت ـ الترف
(5)
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
" .. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."
عندما يملأ الحق قلبك :
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس ؟
كيف تنظر في عيني امرأة ..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟
كيف تصبح فارسها في الغرام ؟
كيف ترجو غدا .. لوليد ينام
ـ كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر ـ بين يديك ـ بقلب مُنكَّس ؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وأروِ قلبك بالدم ..
واروِ التراب المقدَّس ..
وارو أسلافَكَ الراقدين ..
إلى أن تردَّ عليك العظام !
(6)
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي ـ لمن قصدوك ـ القبول
سيقولون :
ها أنت تطلب ثأرا يطول
فخذ ـ الآن ـ ما تستطيع :
قليلا من الحق ..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك ،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدا ..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً ،
يوقد النار شاملةً ،
يطلب الثأرَ ،
يستولد الحقَّ ،
من أضلع المستحيل

لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع ..
إذا ما توالت عليها الفصول ..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة !

(7)
لا تصالحْ ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ ..
كنت أغفر لو أنني متُّ ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ .
لم أكن غازيا ،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدا لثمار الكروم
أرضَ بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه" !
كان يمشي معي ..
ثم صافحني ..
ثم سار قليلا
ولكنه في الغصون اختبأ !
فجأةً :
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين ..
واهتزَّ قلبي ـ كفقاعة ـ وانفثأ !
وتحاملتُ ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ : ابن عمي الزنيم
واقفا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم ،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
(8)
لا تصالحُ ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة :
النجوم .. لميقاتها
والطيور .. لأصواتها
والرمال .. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة :
الصبا ـ بهجة الأهل ـ صوتُ الحصان ـ التعرف بالضيف ـ همهمة القلب حين يرى برعما في الحديقة يذوي ـ الصلاة لكي ينزل المطر الموسمي ـ مراوغة القلب حين يرى طائر الموت وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني : ليس ربا
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني .. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني .. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة

لا تصالح
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة !
(9)
لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كلُّ الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
هؤلاء الذين يحبون طعم الثريد
وامتطاء العبيد
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم ،
وسيوفهم العربية ، قد نسيتْ سنوات الشموخ
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك .. المسوخ !
(10)
لا تصالحْ
لا تصالحْ نوفمبر "تشرين الثاني" 1976

***
من أحدث الدواوين التي ظهرت قبيل ظهور الطبعة الكاملة لأعمال الشاعر الراحل أمل دنقل، ديوان "أقوال جديدة عن حرب البسوس" الذي قامت بطبعه مكتبة المستقبل العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة والذي ضم بين دفتيه قصيدتين فقط هما مقتل كليب "الوصايا العشر" التي اشتهرت بـ (لا تصالح) ومراثي اليمامة.
وقد اكتسبت قصيدة مقتل كليب أو "لا تصالح" المكتوبة في نوفمبر "تشرين الثاني 1976" شهرتها قبل اتفاقيات كامب ديفيد وبعدها، وعلى وجه التحديد بعد توقيع اتفاقيات فضّ الاشتباك بعد حرب العاشر من رمضان ـ السادس من أكتوبر 1973 ـ المجيدة.
لذا فإننا نرى أن الفعل "لا تصالح" تكرر عشرين مرة في المقاطع العشرة أو الوصايا العشر لهذه القصيدة.
تكرر هذا الفعل مرتين في كل وصية، عدا الوصية الخامسة التي تكرر فيها ثلاث، لذا فإننا نراه يجيّء مرة واحدة في الوصية السابعة في أول سطر فقط، بينما احتوت الوصية العاشرة أو الأخيرة على هذا الفعل فقط مكررا مرتين.
وكأن الشاعر مع نهاية القصيدة يريد أن يؤكد تأكيدا نهائيا على هذا الفعل الذي كان محور القصيدة منذ أول حروفها وحتى نهايتها.
والمتأمل لتكرار هذا الفعل المسبوق بـ "لا" الناهية سيكتشف أن الشاعر استخدمه بكل أبعاد أو طاقات فعل الأمر الموجود في لغتنا العربية، فهو يستخدمه مرة بغرض التوسل، ومرة بغرض الأمر الفعلي أو الحقيقي، ومرة بغرض الرجاء أو النصح، ومرة تحس أن الشاعر مجرد طفل صغير يتوسل لأخيه الكبير أو لأبيه، أو يستعطفه كي لا يقدم على هذا الأمر الجلل وهو الصلح مع العدو، ومرة تحس أنه هو الكبير والمدرك للأمور كلها، أو هو الراوي العليم الذي لديه حاسة الرؤية المستقبلية، لذا فإنه يملك الأمر والنهي في قوله "لا تصالح"، ومرة تحس أنه ند لمن يأمره وبأنه يتساوى معه في الرتبة أو في المقام لذا فإنه يقدم الرأي الواثق، ومرة تحس أنه رجل عجوز خبر العراك وخبر النفوس البشرية لذا فإنه يقدم نصيحته للطرف الآخر بأن لا يصالح.
والشاعر في استخدامه في كل مرة لهذا الفعل "لا تصالح" يأتي بمبررات عدم الصلح حتى تكون مسألة الإقناع أكثر إفادة وأكثر تأثيرا على الطرف الآخر.
-1-
في المقطع الأول أو في الوصية الأولى يأتي الشاعر بصورة منطقية يقبلها كل إنسان عاقل، هذه الصورة عبارة عن معادلة رياضية طرفها الأول يقول: أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما .. ..
وطرفها الثاني يقول: هل ترى ؟؟؟؟ وهو لا يذكر لنا النتيجة المترتبة على هذه المعادلة أو إجابة هذا السؤال ـ ولكننا نعرفها من خلال خبرتنا بالحياة، ومن خلال تعاملنا مع البشر ومع الأحياء، تلك النتيجة ـ أو الإجابة ـ التي ستكون بالنفي قطعا ـ لأن الجوهرة التي ستثبت مكان العين لن تعطينا الرؤية على الإطلاق رغم قيمتها المادية الكبيرة.
إنه بهذه المعادلة التي ترك لنا مهمة استخراج نتيجتها، يضع الطرف الآخر الذي يقول له "لا تصالح" أمام حالة منطقية عقلانية بحتة لعله يعي ما سوف يترتب من آثار على هذا الصلح.
وكأن الشاعر يعرف أن الطرف الآخر لن يستجيب له أو لن يعي نتيجة المعادلة أو إجابة السؤال الذي طرحه على هيئة معادلة، لذا فإنه يلجأ إلى وسيلة أخرى للتأثير وهي الرجوع إلى الوراء (فلاش باك) حيث الذكريات، إنه يذكِّر الطرف الآخر بأيام الطفولة. ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك
حسكما ـ فجأة ـ بالرجولة،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق .. حين تعانقه
الصمت .. مبتسمين ـ لتأنيب أمكما ..
وكأنكما
ما تزالان طفلين !
لعل هذا الطرف يتذكر أحلى أيام العمر، أيام الطفولة والصدق، لعله يتذكر ويتراجع عن قراره الذي اتخذه بشأن الصلح مع العدو، وحينما يحس أيضا أن ليست هناك استجابة، يلجأ إلى استخدام طريقة أخرى للتأثير، وهي طريقة ربما تكون أيضا عقلانية، ولكنها تمس وترا من نوع آخر، وهي الاستهانة بهذا الطرف الذي يعتقد أنه وصي على الأبناء: إنك إن مت :
للبيت رب
وللطفل أب
ثم يلجأ لوسيلة أخرى، هي استثارة النخوة العربية عن طريق استخدام همزة السؤال "أتنسى".
ثم ينهي الشاعر هذه الوصية الأولى بسطور أشبه ما تكون بالتحذير لهذا الطرف أو لهذا (الآخر) الذي لا يريد أن ينصت إليه رغم كل التوسلات، ورغم كل الأساليب التي لجأ إليها في السطور السابقة بهدف التأثير: إنها الحرب !
قد تثقل القلبَ .. ..
لكن خلفك عارَ العرب
لا تصالح .. ..
ولا تتوخ الهرب !
ويتضح منذ البداية أن الشاعر يستخدم تفعيلة بحر المتدارك "فاعلن" الخماسية، وأحيانا يستخدم مخبونها فعِلن (بتحريك العين) وهي التفعيلة التي أكثر الشاعر من استخدامها في مراحله الشعرية الأخيرة، وديوانه أوراق الغرفة (8) خير شاهد على ذلك.
-2-
المقطع الثاني أو الوصية الثانية، وقعت في عشرين سطرا استخدم فيها الشاعر الفعل "لا تصالح" كما ذكرنا من قبل مرتين في السطرين الأول والثاني فقط: لا تصالح على الدم .. حتى بدم !
لا تصالح ولو قيل رأس برأس،
وهنا يلجأ الشاعر إلى صيغة السؤال، تلك الصيغة التي استخدمها أربع مرات تمثلت في السطور: أقلب الغريب كقلب أخيك ؟؟؟
أعيناه عينا أخيك ؟؟!
وهل تتساوى يد .. سيفها كان لك
بيد سيفها أثكلك ؟؟؟
وصيغة السؤال هنا ـ أيضا ـ تفيد الاستنكار، خاصة أن ثلاثة أسئلة من الأسئلة الأربعة بدأت بالهمزة.
إن السؤال هنا يحمل في طياته إجابته، ويحس بأن مثل هذه الأسئلة السابقة تلقي بظلال من التوبيخ فضلا عن الاستنكار.
وإذا كان الشاعر في وصيته الأولى استخدم ذكريات الطفولة ـ عن طريق التركيز على الماضي كنوع من أنواع التأثير ـ فإنه في وصيته الثانية يستخدم الصيغة المستقبلية عن طريق تكرار "سيقولون" مرتين. سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم
جئناكْ .. كن ـ يا أمير ـ الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم
وهذا نوع جديد من التأثير، أي أنه يقول للآخر إنه أعلم منه بالعدو وبخباياه النفسية وبطواياه وبطرائقه في التعامل وبمنطقه في الإقناع، فلا يغرنك هذا كله، لأنه ما هو إلا أساليب وحيل مكشوفة ومعروفة ومفهومة.
وهنا يبرز فعلا أمر جديدان غير "لا تصالح" وهما: قل لهم ـ اغرس، في قوله: قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيف في جبهة الصحراء ..
إلى أن يجيبَ العدم
وبقدر ما تفيد أفعال الأمر في النصح والإرشاد، بقدر ما تدلنا على أن الشاعر كان أكثر حكمة وأكثر إدراكا وأكثر فهما لما يجري من حولنا ويتعلق بمصيرنا. ومن الصور الشعرية البارزة جدا في هذا المقطع قول الشاعر: واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيبَ العدم
وهي من الصور الشعرية التي من الممكن أن يقال عنها إنها "مستحيلة" لأن العدم من المستحيل أن يجيب، ومن هنا يظل السيف مغروسا في جبهة الصحراء استعدادا للنزال والحرب التي ستظل إلى أن يجيب العدم.
واعتقد أن سر بروز هذه الصورة في هذا المقطع، أنه جاء مفرغا من أية صورة شعرية عدا هذه الصورة الجميلة المستحيلة.
-3-
الوصية الثالثة وقعت في تسعة وعشرين سطرا رجع الشاعر خلالها مرتين إلى استدعاء صور وذكريات للطفولة ربما يستطيع التأثير بهذه الطريقة على الآخر، وذلك في قوله: وتذكرْ .. .. .. .. ..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن
الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنت أخيك "اليمامة"
زهرة تتسربل ـ في سنوات الصبا ـ
بثياب الحداد
كنت، إن عدتُ:
تعدو على درج القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي .. ..
فأرفعها ـ وهي ضاحكة ـ ..
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن صامتة
حرمتها يد الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداء الثياب الجديدة
من أن يكون لها ـ ذات يوم ـ أخ
من أب يتبسَّم في عرسها
وتعود إليه إذا الزوج أغضبها
وإذا زارها .. يتسابق أحفاده نحو أحضانه ،
لينالوا الهدايا .. ..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلم)
ويشدّوا العمامة
ولأول مرة يستخدم الشاعر فعل الأمر (تذكر) صراحة في القصيدة والمعطوف على الفعل لا تصالح .. وهنا نلاحظ أن الشاعر يستخدم (إذا) التي تفيد عدم التأكد من وقوع هذا الأمر، وأنه ما زال في شك من أمر الآخر.
-4-
في الوصية الرابعة يعود الشاعر مرة أخرى لاستخدام صيغة السؤال ثلاث مرات في قوله. كيف تخطو على جثة ابن أبيك ؟
وكيف تصير المليك .. .. ..
على أوجه البهجة المستعارة ؟
كيف تنظر في يد من صافحوك .. ..
فلا تبصر الدم .. .. ..
في كل كف .. .. ؟
إن هذه الأسئلة تفيد الاستنكار وتؤكد على استحالة أن يحدث مثل هذا، وبمثل هذه الكيفية، التي جاء ذكرها في الأسئلة، لذا نرى الشاعر يبدأ أسئلته الثلاثة بـ "كيف".
في هذه الوصية يلاحظ كثرة استخدام القافية، وكثرة تنوعها:
-5-
في الوصية الخامسة، يستخدم الشاعر "لا تصالح" ثلاث مرات في السطر الأول ـ السطر السابع ـ السطر السادس عشر، في حين أنه تكونت هذه الوصية من واحد وعشرين سطرا.
وهو يستخدم الصيغة (ولو قال ـ ولو قيل) مرتين في هذا المقطع في قوله: لا تصالح

ولو قال من مال عند الصدام

".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام إن الغائب يصبح حاضرا في هذا الجزء من الوصية لأننا سنعرف ـ أو أننا نعرف بالفعل ـ من هو الذي يمكن أن يقول ما بنا طاقة لامتشاق الحسام، ومن الذي يداعبنا بكلمات عن السلام أو بكلمات من السلام.
ويلاحظ أن الشاعر يعود إلى استخدام صيغة التساؤل في هذه الوصية بالإضافة إلى صيغة الأمر، فعلى حين تجد أن الشاعر يستخدم التساؤل خمس مرات في قوله:
1ـ كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنس ؟
2ـ كيف تنظر في عيني امرأة أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟
3ـ كيف تصبح فارسها في الغرام ؟
4ـ كيف ترجو غدا .. لوليد ينام ؟
5ـ كيف تحلم أو تتغنى بمستقبل لغلام وهو يكبر بين يديك ـ بقلب منكس؟
بالإضافة إلى ذلك، نجد أنه يستخدم الأمر في الكلمات لا تقتسم، ارو (تكررت ثلاث مرات) خلافا لأمر لا تصالح الذي تكرر ثلاث مرات أيضا، أي أن الشاعر استخدم صيغة الأمر سبع مرات في هذه الوصية.
وربما يكون هذا الجزء هو أكثر الأجزاء استخداما لصيغة التساؤل وفعل الأمر معا، إن التساؤلات السابقة التي تفيد الاستنكار والتعجب تفيد أيضا معرفة الشاعر لخصوصية الشخصية التي يخاطبها، بل ومعرفة الخصائص النفسية، وهنا يلاحظ على هذه التساؤلات:
إن الشاعر يستخدم الصيغة التي تبدأ بـ "كيف" التي ربما تفيد التعجب، ولكن طرحها خمس مرات على هذا النحو يدل على أن الشاعر يريد الوصول إلى الكيفية التي يفكر بها هذا الآخر الذي يخاطبه أو يوجه إليه التساؤلات، إنه يريد أن يتخطى الطريقة التي يفكر بها الآخر نظريا إلى الطريقة العملية، عن طريق تكرار هذه الصيغة التي بدأت بـ "كيف"، وربما أنه يستنكر على هذا الآخر أن يفعل مثل هذه الأفعال، فإنه بطريقة غير مباشرة يقول لنا إنه عرف أو يعرف خصائص شخصيته، بل إنه في التساؤل: كيف تنظر في عيني امرأة
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟
يضع الآخر في مواجهة مع النفس، وتكون المواجهة عنيفة جدا أو أعنف ما يكون لأنه يطعنه في رجولته، ويطعنه فيما يتعارف عليه الرجل الشرقي من حمايته للضعيف وللمرأة، خاصة إذا كان هذا التساؤل على هذا النحو، إنه يأتي كصفعة قوية لعلَّ الآخر يفيق من غفوته ويعمل بنصيحة الشاعر في قوله "لا تصالح" التي هي سر كتابة هذه الوصايا، أيضا يأتي التساؤل الثاني: كيف تصبح فارسها في الغرام ؟؟؟ مؤكدا على هذا المعنى.
وإذا كان الشاعر قد لجأ إلى ما أسميناه بالصورة الشعرية المستحيلة في قوله: واغرس السيف في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
وذلك في الوصية الثانية، فإنه يلجأ مرة أخرى إلى مثل هذه الصورة الشعرية المستحيلة في هذه الوصية الخامسة في قوله ـ في نهايتها: واروِ قلبك بالدم .. ..
واروِ التراب المقدس .. ..
واروِ أسلافك الراقدين .. ..
إلى أن ترد عليك العظام !
وتكمن الاستحالة في هذه الصورة في السطر الأخير "إلى أن ترد عليك العظام"، وكما قلنا إنه من المستحيل أن يجيب العدم في الوصية الثانية، فأننا نؤكد أيضا على استحالة أن ترد العظام، ومن هنا يظل الآخر عاكفا على ارواء قلبه بالدم وعاكفا على ارواء التراب المقدس ـ من هذا الدم ـ، وعاكفا على ارواء الأسلاف الراقدين إلى أن ترد عليه العظام، أي إلى أن تحدث معجزة وترد العظام أو إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
-6-
الوصية السادسة تتكون من خمسة وعشرين سطرا، وهنا نلاحظ أن الشاعر يلجأ إلى الحكمة في قوله: إنه الثأر
تبهت شعلته في الضلوع .. ..
إذا ما توالت عليه الفصول
وتأتي الحكمة من نفس بيئة القصيدة، ومن نفس البناء المعماري والبناء النفسي الذي اعتمدت عليه القصيدة كلها.
ويلاحظ أيضا أن صيغ التساؤل التي تكررت في الوصايا السابقة تنعدم في هذه الوصية، وأن فعل الأمر الذي تعودنا على أن نراه في الوصايا السابقة ينخفض عدده ليصبح فعلا واحدا هو "خذ" في قوله: فخذ ـ الآن ـ ما تستطيع -7-
أما في الوصية السابعة فإن الشاعر يستخدم الفعل "لا تصالح" مرة واحدة فقط في السطر الأول من الوصية، وهنا يلجأ مرة أخرى إلى أسلوب النصيحة في قوله: لا تصالح، ولو حذرتك النجوم ويلاحظ استخدامه لصورة من حياة الأقدمين في قراءاتهم للنجوم واستشارتهم للكهان، وهذه الوصية تتكون من 23 سطرا، كما يلاحظ أيضا على هذه الوصية أنه وإن بدأت بالفعل لا تصالح، إلا أن عنصر الحكي أو القص واضح فيها: لم يصح قاتلي بي: انتبه
كان يمشي معي
ثم صافحني
ثم سار قليلا
ولكنه في الغصون اختبأ
فجأة
ثقبتني قشعريرة بين ضلعين ..
واهتز قلبي كفقاعة ـ وانفثأ !
وتحاملت حتى احتملت على ساعدي
فرأيت: ابن عمي الزنيم
واقفا يتشفى بوجهٍ لئيم
لم يكن في يدي حربة
أو سلاح قديم
لم يكن غير غيظي الذي يتشكى الظمأ
ويلاحظ في هذه الوصية أن الفعل الماضي نسبته قد ارتفعت كثيرا، لأن هذا الفعل يتناسب مع عملية الحكي أو القص أو السرد.
-8-
الوصية الثامنة تتكون من 23 سطرا، استخدم الشاعر فيها الفعل "لا تصالح" مرتين كعادته، كما أتى بكلمة "الصلح" مرة واحدة منفردة في قوله: فما الصلح إلا معاهدة بين ندين وهو في هذه الوصية ينصح الآخر بأن لا يصالح حتى تستقيم الأشياء وتستقر ويعود كل شيء إلى موضعه الطبيعي، ذلك أن كل شيء تحطم في لحظة عابرة، كل شيء تحطم في نزوة فاجرة: لا تصالح
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة
النجوم .. .. .. .. . لميقاتها
والطيور .. .. .. .. لأصواتها
والرمال .. .. .. .. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة
إن الأشياء التي تحطمت في لحظة عابرة وفي نزوة فاجرة هي:
1ـ الصبا
2ـ بهجة الأهل
3ـ صوت الحصان
4ـ التعرف بالضيف
5ـ همهمة القلب حين يرى برعما في الحديقة يذوي
6ـ الصلاة لكي ينزل المطر الموسمي
7ـ مراوغة القلب حين يرى طائر الموت وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة.
إنه عالم من الطفولة والبهجة والأصالة والكرم والحب والنقاء والطهر قد افتقدناه فكيف تأتي عملية المصالحة وكل هذه الأشياء غائبة عنا، إن الموجود حاليا في عالمنا هو نقيض هذه الأشياء الموجود هو (الشيخوخة ـ الحزن ـ الخديعة والمكر والقشور ـ الشح والتقتير ـ الكراهية والنجاسة ـ والبغضاء والشحناء ..).
كيف تأتي مسألة الصلح والطرف الآخر (العدو) الذي سأتصالح معه ليس أنبل وليس أمهر مني، بل أنه محض لص كيف يسرقني ويسلبني وأذهب إليه وأتفاوض معه من أجل الصلح. لا تصالح
فما الصلح إلا معاهدة بين ندين ..
(في شرف القلب)
لا تنتّقص والذي اغتالني محض لص
سرق الأرض من بين عيني
والصمت يطلق ضحكته الساخرة !
-9-
تتكون الوصية التاسعة من 11 سطرا استخدم الشاعر فيها الفعل "لا تصالح" مرتين في السطر الأول والسطر الثامن، وهنا يستخدم هذا الفعل بغرض التحذير: لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
إنه يحذره من أبناء قبيلته فربما يجد هذا التصالح هوى في نفوسهم، لذا فإن الشاعر يكشف له الحقيقة في هذه الوصية لأن مثل هؤلاء ما هم إلا رجال ملأتهم الشروخ، ويلاحظ استخدام أداة "التي" التي تعود على المؤنث، وقوله ملأتها، وليس ملأتهم، وهو لو قال (الرجال الذين ملأتهم شروخ) لما حدث شيء في الوزن. هؤلاء الذين يحبون طعم الثريد
وامتطاء العبيد
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
إن الشاعر يلجأ إلى أسلوب جديد في هذه الوصية يعزف عليه، وهو أسلوب الترغيب والمدح فربما يستطيع عن هذا الطريق التأثير على الآخر، إنه يقول له: لا تصالح
أنت فارس هذا الزمان الوحيد
وسواك .. .. .. المسوخ
إنها المرة الأولى التي يستخدم فيها الشاعر هذا الأسلوب في الإقناع والتأثير وربما يكون قد لجأ إليه لإحساسه بأنه استنفد كل وسائله من النصح والإرشاد والأمر والاستعطاف والرجاء والتوسل .. الخ، لذا فإنه يلجأ أخيرا إلى أسلوب المدح فربما يستطيع الوصول إلى منطقة نفسية لم يطرقها من قبل عن طريق المدح والثناء على غرار ما كان يفعل شعراؤنا الأقدمون.
-10-
أما في الوصية الأخيرة فإن الشاعر مع إسدال الستار على كل وصاياه لا يملك إلا أن يكرر الفعل "لا تصالح" مرتين: لا تصالح
لا تصالح
ليؤكد على أهمية هذا الفعل المحوري الذي جاءت من أجله كل القصيدة، إنه لا يملك إلا ترديد لا تصالح مرتين بكل ما في هذا الفعل من طاقة وتأثير وإيحاء ومقدرة على الفعل سبق للشاعر أن نثرها في كل الوصايا السابقة، لذا فإنه لا يستطيع أن يقول في النهاية شيئا أكثر من: لا تصالح
لا تصالح
أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية