أصوات من مصر القديمة

تأليف: ر. ب. باركنسون
الملك خنزر تمصر كليا

ترجمة: بدر الرفاعي طيب أن تتحدث إلى المستقبل، وسينصت. بالرغم من هذه الكلمات من حكمة بتاح حوتب، فإن أصوات المصريين القدماء لا يمكن استعادتها. فكل ما تبقى عبارة عن نسخ بلغة غير مفهومة على الوجه الأكمل، على قطع من البردي والحجر: إنها ليست أصواتا، بل كلمات مكتوبة، تحكمها قواعد تختلف كل الاختلاف عن قواعد الحديث.
وتتطلع النصوص إلى بث الحياة في "ما يخرج من الفم"، لكن الكتابة والحديث لم تكن أبدا كذلك. ولا أمل في أن نشهد هذه الكلمات المتحجرة ونمسك بصدى من معناها إلا إذا تحقق هذا.
وهذه المختارات لا تغطي العصر الإمبراطوري لفراعنة الدولة الحديثة وإنما هي مستمدة من العالم الأقل إثارة للمملكة الوسطى، من الأسرة العاشرة إلى الثالثة عشرة. وعلى الرغم من أن آثاره لم تسيطر أبدا على مشهد مصر، كانت هذه الفترة عهدا للثقافة الفنية والأدبية الرفيعة، رأى فيه المصريون اللاحقون عصرا ذهبيا. إنه العهد الأقدم الذي نستمد منه الدليل على مجموعة كاملة من اللغة المكتوبة، يمكن أن تخاطبنا بصورة أكثر شخصية من الاصطناعات الأركيولوجية الموضوعية.
ولا يمكن الوثوق تماما في النصوص كدليل تاريخي؛ لأنها منحازة أيديولوجيا، وجزئية أو دعائية، لكن ذاتيتها تتمتع بحيوية إدراك الفكرة.
وكما لاحظ إ. م. فورستر عن الإسكندرية، فـ "لا يمكن علاج الماضي" بمثل هذا الإحساس الملح "إلا عبر الأدب". المشهد التاريخي حوالي عام 2130 ق.م، أفسح السجل الأثري للمملكة القديمة السبيل أمام "عصر مظلم" غير معلوم المدة على وجه التحديد. ومن الصعب الربط بين التجليات والسجلات المحلية لتقديم إطار تاريخي؛ فتنوعها وقلة جودتها تشهد على تفكك السلطة المركزية. فقد تواصل دفن سلسلة من الملوك في ممفيس، لكنهم ظلوا يمارسون حكمهم من هراكليوبوليس.
والترتيب الزمني لـ "أسرة خيتي" هذه (التي تعرف الآن بالأسرتين التاسعة والعاشرة) غير مؤكد، وكذلك مدة حكمها؛ فلم تترك الكثير من الآثار الأركيولوجية.
وفي العواصم الإقليمية، ازدهرت سلسلة من الحكام الإقليميين، وفي الجنوب، في طيبة، أسست سلسلة من هؤلاء أسرة من الملوك عُرفت باسم إنتف (الأسرة الحادية عشرة).
والعلاقة بين جماعات السلطة المتعددة غير معروفة، لكن يبدو أن حكم هراكليوبوليس لعموم مصر كان محدودا في أفضل الأحوال.
ويشير الحكام المحليون إلى معارك بين الأقاليم، لكن مع حلول حكم واح عنخ إنتف (الثاني) كان بإمكان البيت الحاكم في طيبة إعلان حقه في الأراضي الممتدة من أبيدوس إلى إلفنتاين. وهناك تسجيل باق عن أحد الصراعات الحدودية في أبيدوس، الذي ربما كان مع الملك خيتي، يرد في "تعاليم مري كا رع".
وبعد نخت نب تب نف إنتف (الثالث) جاء منتحوتب (الثاني)، الذي ظهر في عامه التاسع والثلاثين من الحكم ملكا على بلد موحد. على أن طبيعة هذه الوحدة مشكوك فيها. فليس من دليل على أن هراكليوبوليس قد تعرضت للحصار العسكري، وهناك بعض الدلائل على استمرارية الإدارة، وما يوحي بالتوصل إلى اتفاق سلام. وتظل آثار الأسرة الحادية عشرة مركزة في الجزء الجنوبي من البلاد.
وقد تأسست الأسرة الثانية عشرة على يد أمنمحات الأول، الذي كان وزيرا لآخر سلالة منتحوتب، واعتبر بداية لعهد جديد. وانتقلت العاصمة إلى موقع جديد قريب من ممفيس يدعى إتج ـ تاوي، وتشهد الإصلاحات الإدارية وأعمال التحصينات على وحدة الدولة، بالرغم مما اعترض العملية من اضطراب.
واتخذت الثروة المفاجئة من الأدب من النضال ضد الفوضى موضوعا أساسيا. وقد جرى تبني السنوات العشر الأخيرة من حكم الأمير سنوسرت كمرجع لضمان الانتقال السلمي للسلطة.
ومن بين هذه المرجعية هناك سجلات عن حملات إلى النوبة، وليبيا والشمال الشرقي. وربما كان حكمه المنفرد كسنوسرت الأول، الذي تأتى خلاله تدعيم الدولة لثماره، أهم عهود الأسرة. فقد تميز ببرنامج للبناء الشامل، وتمجيد السلالة الملكية ومحاكاة المجد الغابر.
وقد حكم أمنمحات الثاني خمسة وثلاثين عاما، لكن تقويم العصر التالي، عصر سنوسرت الثاني، غير موثوق به وهناك خلاف على مدته. ويدعم فكرة قصر العهد قلة حجم الأدلة المتاحة على أنشطة الدولة مثل التحجير، بالرغم من الشواهد الجلية لسنوسرت في غرب آسيا.
ويمثل هذا الدليل مدى نفوذ مصر غير المباشر أكثر من أي بناء للإمبراطورية؛ سياسة نشطة تواصلت في النوبة. على أن الأهمية الرئيسية للعهد بالنسبة لعلماء المصريات تتمثل في العثور على المجموعة الجنائزية الملكية والاستقرار في اللاهون.
ومع مجىء سنوسرت الثالث، ينقطع تعاقب تسلسل الأسماء، ليشير إلى تعقيدات في تتابع الأسر. وتتركز آثار أنشطة البناء في الجنوب، وكانت أبرز إنجازاته في النوبة، التي تمثلت في حملات مسجلة خلال السنوات الثامنة والعاشرة والسادسة عشرة والتاسعة عشرة من حكمه.
وتعينت الحدود عند سمنا، وربما أتاح تدهور الثقافة المحلية اختراق الجنوب لاحقا. وقد تأله سنوسرت الثالث في النوبة وظل راعيها خلال الدولة الحديثة، ويمكن تتبع أصداء أعماله الحربية عند المؤرخين والجغرافيين اليونانيين.
وتظهر التماثيل الجانبية الملكية الملك في صور مختلفة، ليس كمثال وحسب وإنما أيضا كتجسيد للشراسة العدوانية، وهو نموذج استمر مع الفن العظيم على عهد أمنمحات الثالث. ففي ظل حكم هذا الملك، بلغت عظمة المقابر التي بناها الحكام المحليون الذروة ثم توقفت، وهذا يوحي للبعض بأنه كان هناك إصلاح إدارى كبير، و"قوة إقطاعية" متحكمة.
لكن غياب المقابر قد لا تكون علامة على القضاء على الأسر وإنما على نقل رفاتهم إلى المقبرة الملكية، والباب مفتوح أمام تفسيرات أخرى.
على أن هذه العهود قد قامت على ما يبدو بإعادة تنظيم واسع للإدارة، وبلغت الدولة خلالها أعلى درجات المركزية. وتقدم نوعية التماثيل المحلية دليلا أكثر تجسيدا على قدرة الحكام المحليين على إنجاز أعمال مهيبة. كما تميز منتصف حكم الأسرة الثانية عشرة بزيادة عدد النصب الجنائزية الخاصة (المقابر الجوفاء) في مدن الموتى بأبيدوس، وهو ما يوحي بتغير طفيف في البنية الاجتماعية، مع ظهور "نخبة فرعية" محدودة ـ أدنى من النخبة العليا ـ لكنها ثرية بما يتيح لها ترك آثار لها.
ويشير التبني التدريجي لبعض نصوص المقابر الخاصة في أواخر الدولة القديمة إلى "دمقرطة" نراها في مجال الدين، كان مسموحا فيها الاتصال الأوسع بالإله.
وعند هذه النقطة، استولى الموظفون من الدرجات الأدنى على مقبرة ليشت الملكية الأصلية.
على أن المرحلة تميزت برؤية توجيهية للمجتمع، وظل الفرد خاضعا لإدارة صارمة، تفرض واجبات العمل وتطارد الهاربين، كما تشير الوثائق الباقية، ولها مظهرها العسكري الجلي.
وكانت هذه الملامح، شأن تقسيم المجتمع إلى نخبة صغيرة وأخرى عامة، سمة عامة لكل التاريخ المصري، وتتميز المرحلة ببروز بيروقراطية تسعى إلى نظام مثالي يقوم بصورة واضحة، بسبب طبيعته القمعية، على اعتبارات أخلاقية.
وبعد أمنمحات الثالث، يظهر بيت إتج تاوي علامات على أزمة وراثة. بالرغم من استمرار الازدهار الذي عرفته البلاد. وربما لم يكن الملك التالي، أمنمحات الرابع، ابنه الوريث وبعد عصر قصير تولت، بصورة استثنائية، الملكة سبك نفرو، التي ربما كانت زوجته وابنة أمنمحات الثالث.
وتميز قائمة ملوك المملكة الجديدة (قائمة تورين) بوضوح بين الأسرتين 12، و13. وقد حكم حوالي 70 ملكا على مدى السنوات المائة والخمسين التالية. ويبدو أن الأسرة الملكية القديمة قد زالت، بالرغم من الإحساس القوي بالاستمرارية: بقيت العاصمة في إتج ـ تاوي، وتردد أسماء عدد من الحكام صدى أسماء ملوك الأسرة 12.
وتشمل القائمة ملوكا من أسرة سبك حوتب (بالرغم من أنها لم تحل مباشرة). واستمرت السيطرة على النوبة السفلى، وليس هناك ما يشير إلى تفكك البلاد سياسيا. لكن عهود الحكم القصيرة تعاصرت مع تدهور الإنتاج الفني للورش الملكية.
وتعد أسرة الوزير انخو من أكثر الأسر التي خلفت آثارا، ويبدو أنه كان هناك تكاثر في كل الدرجات البيروقراطية، ويمكننا أن نرى في زيادة الألقاب العسكرية دليلا آخر على افتقاد الأمان.
وباستثناء منطقة الكاب، لم تستفد أسر الحكام المحليين من أي ضعف ملكي، ومن الواضح أن البلاد خضعت لسيطرة سلطة مركزية. ويبدو أن عهد الأسرة الثالثة عشرة كان عهدا لعدالة توزيع الثروة واقتسام الرخاء، ربما بسبب انخفاض منسوب النيل؛ تعددت الآثار الخاصة الباقية لكنها تكشف عن تدهور حاد في الجودة، ربما بسبب انهيار الورش الملكية.
واسم الملك خنزر Khendjer عرض لظاهرة متزايدة: إنه من أصل أجنبي، لكن هرمه في سقارة يبين أنه قد تمصر كليا.
وقد تزايد تسرب الأجانب إلى شرق الدلتا في ظل قاعدة قوة ثقافية هناك، وفي حوالي عام 1640 ق. م انقسمت البلاد بين "حكام البلاد الأجنبية" (الهكسوس) في الشمال ودولة طيبة في الجنوب. وسقطت الوحدة الأثرية لثقافة المملكة الوسطى في عصر مظلم نال لعنة الفراعنة اللاحقين. * كتاب "أصوات من مصر القديمة" صدر مؤخرا عن دار سنابل للكتاب بالقاهرة.