أصوات عمانية تطالب ببنية متينة للإنسان العماني

مسقط: من د. حسين شحادة
هدف التنمية ووسيلتها

طالب عدد من المواطنين والباحثين بضرورة تطوير جانب التنمية البشرية، وضخ الكثير من الأموال وتطبيق الاستراتيجيات الكفيلة بالوصول إلى بنية متينة للإنسان العماني، وذلك يقتضي خططاً طويلة المدى، والتضحية بنسبةٍ كبيرة من الموارد المالية المخصصة لقطاعات التنمية الأخرى، خصوصاً وأن أعمال البنية الأساسية قد شارفت على الانتهاء في جميع المجالات، فبعد أربعين عاماً من بناء الدولة العصرية، آن الأوان للتفرغ التام للنهوض بقطاعات الشباب والفكر، وبناء كوادر حقيقية متخصصة ونابغة.

د. جوخة الحسنية المتخصصة في برامج إعداد "القادة" ترى ضرورة إفساح المجال للتنفيس عن الرؤى وما يختلج بالنفوس للمساهمة في صياغةٍ جديدة لمرحلة البناء العملي الجاد، وتقول أيضاً: "إن حرية الرأي وإعطاء مساحة واسعة مفتوحة للشعب لإبداء آرائهم ومقترحاتهم؛ سيثري أفكار القائمين على وضع الخطط التنموية الخاصة بتنمية الموارد البشرية".

وأضافت "أقترح زيادة الاهتمام ببرامج وخطط التعليم؛ لتحسين مخرجات التعليم العام، فهو أداة التغيير، والوسيلة المهمة لمواجهة التغيرات، إضافة إلى إبراز دور التنمية المستدامة من خلال المشروعات الصغيرة؛ لحل مشكلة البطالة، مع التركيز على قانون العمل، وأهداف العمال وطموحاتهم. وقبل كل شيء: إيجاد فكر علمي عملي واضح المعالم يمكن تنفيذه على أرض الواقع؛ من خلال أشخاص مؤمنين بقياداته وتنظيمه".

أما الكاتب زاهر بن حارث المحروقي فيركز على جانب تطوير برامج التعليم كثيراً، فهو الحل الأنسب لبناء جيل واع ومتمكن، فيقول "منذ نعومة أضفارنا ونحن نسمع شعار (الإنسان هدف التنمية ووسيلته) وقد رافقنا هذا الشعار طوال حياتنا، والواقع يثبت فعلا أن الإنسان هو وسيلة التنمية، أما عن كون أنه الهدف، فالمسألة فيها نظر وتختلف من دولة إلى أخرى، ونحن في السلطنة عشنا فترة النهضة التي عمت الكثير من القطاعات وربما عمت الإنسان العماني نفسه".

لكنه اردف قائلا "هل فعلا أن بناء الإنسان العماني سار جنبا إلى جنب مع بناء الجسور والعمارات؟ للإجابة عن ذلك ربما نقول صحيح أن الإنسان العماني نال تعليما منذ بداية عصر النهضة الحديثة وربما يكون هذا هو الإنجاز الأكبر -بغض النظر عن نوعية التعليم وكيفيته- إلا أني أرى أن ما ناله الإنسان العماني في سبيل بنائه لا يرقى إلى المستوى المطلوب أو المأمول، لأننا ببساطة من غير الدخول في الفلسفات أو المطولات الكلامية يمكن أن نتساءل أين الإنسان العماني في المحافل العالمية؟ ولماذا لم نسمع عن عماني يشار إليه بالبنان ولماذا غاب الإنسان العماني ذكرا أو أنثى عن الجوائر الإقليمية والعربية والدولية؟ وما الذي ينقصه لتحقيقه ذلك؟ ولماذا لا نرى الإنسان العماني في الفضائيات العربية والعالمية"؟

ويؤكد المحروقي ان المتتبع لسيرة العمانيين عبر التاريخ يجد نماذج كبيرة ومشرفة في المجالات كافة السياسية والأدبية والدينية والثقافية، ويجد صفحات ناصعة من النبوغ في كل هذه المجالات في وقت كان غيرنا في سبات عميق!، فالعمانيون كانوا السباقين في التدوين وفي التأليف وفي السياسة وفي السفر، بل إن الكثيرين منهم نالوا الشهادات العليا قبل أن يرى غيرهم النور ويعلم ما معنى مدرسة نظامية وكان منهم الرواد في كثير من الأمور".

ويضيف "يكفي أن يكون العمانيون هم من أسس أول مطبعة تطبع الكتب وهي المكتبة السلطانية في زنجبار. لقد تظافرت العديد من الأمور لتقزيم الإنسان العماني منها الإنعزال عن العالم لفترة طويلة ومنها المأساة التي وقعت على الدولة العمانية في شرق أفريقيا والتي منها انطلق الرواد الأوائل خاصة في مجال العلوم الحديثة والدراسات العليا".

ويستطرد هذا الكاتب العماني قائلا "ما الذي يمنع أن يفوز إنسان عماني بجائزة نوبل للآداب أو للعلوم أو للسلام؟ ما الذي يمنع الإنسان العماني أن يصنع السيارة أو الطيارة أو حتى إبرة؟!. لكي يتحقق ذلك لا بد من تأهيل هذا الإنسان تأهيلا صحيحا بوجود خطط تنموية، وتطوير مناهج التعليم بحيث تنتج علماء وليس حفظة للعلم فقط، مع وجود التربية الصحيحة في البيت والمدرسة والمسجد والإعلام، ثم التدريب الجيد على رأس العمل وزرع مفهوم قيمة العمل وقيمة الإنتاج مع تعويد الجيل على قيمة العطاء بدلا من تعويده على الأخذ فقط".

ويتابع المحروقي "لكي نبني الإنسان العماني بناء سليما يتواكب مع بناء العمارات والجسور لا بد أولا وقبل كل شيء من التركيز على الأخلاق الحميدة، لأن الجيل الذي يفقد الأخلاق سيفقد كل شيء وسيكون مستعدا ليبيع أي شيء حتى وإن كان هذا الشيء هو وطن بحجم عمان بتاريخها وأصالتها وحضارتها، ويأتي بعد التركيز على بناء الأخلاق الإهتمام بالنوابغ والمبدعين والمجيدين وأن يكون لدينا هدف نسعى لتحقيقه ولن يتم ذلك بين يوم وليلة، فحتى ننشئ جيلا جيدا مبدعا لا بد أن نخطط لأكثر من 50 سنة قادمة وهي ليست بالمسألة الصعبة أبدا إذا توافرت الإرادة وإذا توافرت الرغبة في تحقيق ذلك".

يؤكد المحروقي على "أن الانسان هو صانع الحضارات وهو السبب الأساسي لرقي الدول والمجتمعات وتقدمها، ولا يمكن أن نقول إن الدول والمجتمعات التي حققت تقدما في مجال بناء الإنسان هي أفضل منا في شيء، بل نستطيع أن نقول أن أجدادنا كانوا مبدعين وحققوا إنجازات أقرب إلى المعجزات ويجب أن يرث هذا الجيل ذلك التراث وذلك الإبداع الإنساني الراقي، وقد تساءل يوما ما صحفي زائر لعمان: هل صحيح أن هذا الشعب هو حفيد أولئك العظماء الذين تحدوا الصعاب وأقاموا أعظم إمبراطورية".

أما رئيسة قسم الفيديو والصوت بجامعة السلطان قابوس خولة بنت سلطان الحوسنية فتتبنى فكرة أن يطور الفرد نفسه، وأن يشتغل على تطوير ذاته دون انتظار الآخر، مع التركيز على تنمية البحث العلمي ودعمه وتطويره، قائلةً "إن سلاح الثقافة والمعرفة والعلم هو أقوى سلاح يمكن أن تحمله البشرية لأن كل هذه المعطيات تغذي العقل والروح، ومتى ما كان العقل مستقبلاً وقادراً على التفكير بالشكل والطريقة الصحيحة وقادراً على التحليل وأخذ النافع وترك الضار فيمكن القول حينها بأن مستقبل البلد في أمان وماضٍ نحو التغيير الإيجابي والتطوير المثمر".

وتضيف الحوسنية "ان تحصن الفرد بالعلم والمعرفة والثقافة يجب أن يأتي من قناعة ذاتية بالدرجة الأولى فمهما توافرت هذه الوسائل والمصادر ولم يكن للفرد الرغبة في تلقيها فتكون عديمة الفائدة أي يجب على الفرد نفسه أن يسعى ويبحث ويستقبل ليغذي فكره وعقله بالقراءة والإطلاع وتخصيص الوقت الكافي والإنسحاب تدريجياً من الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي الذي يدمنه الكثيرون من شباب الجيل الحالي والتي هي أيضاً مصدر لكن هي مصدر لاستقاء ثقافة الآخر التي تنطبق مع ثقافة الداخل لذل يجب الانتباه والتفريق بين الإطلاع والاستقاء للاستفادة".

وتتابع قائلة "كما يجب التركيز على موضوع البحث العلمي، فهو ذو أهمية كبيرة لبناء العقول واكتشاف مكنونات العلم، لذا يجب أن تخصص لهذه البحوث ميزانية معينة تطرح ضمن الموازنة السنوية وأن يكون التركيز على تمويل البحوث الشبابية وتوفير البيئة المناسبة لهم ليس فقط في المؤسسات التعليمية بل بإنشاء مراكز خاصة تعنى بالبحث العلمي في كل محافظات السلطنة، وأن يتم استقطاب الشباب إليها على أن يتم الأخذ بهذه البحوث وتنفيذها على أرض الواقع وتطويرها ليستفاد منها وبالتالي تبني هذه العقول ليستفاد منها مستقبلاً".

في حين يؤكد نبهان الحنشي على ضرورة توفير التعليم الجيد، قائلاً "لعل السؤال الذي يطرح نفسه وبقوّة: ما هو نصيب العمانيّ من التعليم الجيّد؟ ولعل ما نشهده من نتائج للتعليم الحالي، واستقدام الدولة لخبرات دولية، هو ما يزيد الأمر تعقيدا لأن الوقت اليوم هو ليس في مدى توفر الخدمة، بل في مدى جوّدة توفير الخدمة؟ وهذا يعتمد على صنع الإنسان وإعداده وتأهيله، من خلال التطوير العلمي والمعرفي، وتفعليل هذا العلم والمعرفة في الجانب الحياتي العملي والمجتمعي وفتح الآفاق لممارسة مجتمعية حقيقية تتخللها الجمعيات العلمية والأدبية".

كما يؤكد الحنشي على ضرورة وضع خطة عمل مشتركة في كيفية وآلية إعداد المواطن العماني القادر على مواجهة تحديات المستقبل ومواكبة كافة التغيرات الحالية والمحتملة، مع إعداده ليكون فردا منتجا وبناءً ومبدعا، قادرا في كلّ الأوقات على إيجاد البدائل وحلّ الأزمات.

بينما يشير مسؤول الاتصالات الخارجية بجامعة السلطان قابوس خلفان بن سيف الطوقي إلى أهمية الاستثمار البشري، فهو المشروع الرابح دوماً، والاستدامة البشرية تقتضي تأهيلاً ضخماً ومتيناً، ويقول أيضاً "أكملت السلطنة من العصر الحديث واحدا واربعين عاما من التطور والتقدم وبناء البنية الاساسية من طرق ومدارس وجامعات وكليات تقنية وتطبيقية ومستشفيات ومراكز صحية في معظم محافظات السلطنة ، ولكي نحافظ على هذه الثروات يجب على السلطنة أن تركز على بناء العنصر البشري، فإذا لم يبنَ الإنسان بشكل صحيح وعلمي، فلن تجد البنية الاساسية أي تقدير أو تثمين من الشعب، وسيتم العبث بها وتعرضها للتهالك".

ويتابع "أما إذا تم بناء العنصر البشري الآن وليس غدا فسنكون جاهزين لتحديات المستقبل المتنامي، وسنكون في بر الأمان، بعيدين عن العواطف وضبابية المستقبل خاصة أن المستقبل أصبح متسارعا، فبناء الانسان العماني يجب أن ينمو بخطى سريعة تتناسب وسرعة المتغيرات الحياتية اليومية، وذلك إذا اتضحت الصورة جلية للجميع بأن متطلبات الجيل الحالي كثيرة ومتنوعة وتعريف الجاهل أصبح مختلفا عما قبل، فهذه الأيام يسمى من لا يجيد لغة التكنولوجيا والكمبيوتر جاهلا عكس السابق".

ويضيف الحنشي "إن بناء الانسان أصبح ملحا، والاستثمار البشري أصبح يشكل هاجسا لدى الجميع بدءاً من المراحل الابتدائية وانتهاء بالمراحل الجامعية كمرحلة أولى، وتبدأ المرحلة الثانية بداية من إلتحاق المواطن في وظيفته. وقد تغيرت بالفعل طلبات المواطنين من طلبات لشارع في قرية أو مستوصف في منطقة الى أعمق من ذلك، وأصبحت الطلبات مختلفة بشكل نوعي، ومن ضمنها بعد التحاقي بوظيفة ما في جهة معينة، ما هو البرنامج المعد لي لاستمر في تطويري الوظيفي؟ وما هي الدورات التي سأتلقاها، وما جدوها؟ وما الذي يجعلني أتطور في هذه الوظيفة دون غيرها"؟

ويقول ايضا "إن التطور البشري واستمرار تطويره لهو مفيد بدءاً من المواطن وإحساسه بالمواطنة الحقيقية تجاه وطنه ومجتمعه، وخاصة في مرحلة الشباب، فإذا لم يتم تبن تطوير العنصر البشري في هذه المنطقة الحرجة ستنقلب الموازين وتصبح فئة الشباب فئة معطلة ومستهلكة بدل أن تكون مفيدة وداعمة وإيجابية لصالح الوطن والمواطن، وقد أثبتت الأيام الخوالي والأحداث الأخيرة من السنة الفائتة بأن فئة الشباب والباحثين عن عمل هم من كان يشكلون عبئا حقيقياً وخطيراً لولا تدخل حكمة القيادة العمانية لإنقاذ الموقف والاعلان عن خمسين ألف وظيفة، بالإضافة إلى توجيهات السلطان قابوس والتي كان في مجملها الاهتمام بفئة الشباب، وكان أهمهها الاعلان عن التوجية السلطاني لإنشاء اللجنة الوطنية للشباب والتي يعول الشباب الكثير منها".

ويعتقد الحنشي "ان التطور البشري يحافظ على تطبيق الاستراتيجيات ويحافظ على مكتسبات الدولة في الماضي ويحقق التطور المستمر في كافة أوجه الحياة، فيمكننا أن نرى أمثلة حية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة ، فكل هذه الامثلة ركزت على العنصر البشري، وجعلته المحور الحقيقي للتطور، فلا يمكن لأي أداة أن تعمل الإ بعقل متطور ناضج وواعي، ولا يمكن أن يستمر التطور إلا بوضع إستراتيجية مستدامة لتطوير العنصر البشري في السلطنة وذلك بالاستفادة من قدرات الجيل الشاب وإعطائه الفرصة والمساحة اللازمة ليعمل ويبدع وينتج، ويجب أن يكون الجيل الشاب حاضرا في كل المحافل الوطنية من ندوات ومحاضرات وحلقات عمل ومؤتمرات، كما يجب على الدولة أن تأخذ على عاتقها تطوير العنصر البشري الشاب، فهم من سيكونون عماد الدولة ومستقبلها المشرق إذا ما أحسن صقل مهاراتهم وقدراتهم وشخصياتهم، وذلك من خلال كل وزارة وهيئة حكومية، وتوحيد النظم والإجراءات الكفيلة بوضع المواطن العماني المحور الرئيس للتطوير وتنميته وإشاركه في مراحل إتخاذ القرار".

ويخت قائلا "لكي نستمر في تطوير العنصر البشري يجب مراجعة البرامج التطويرية بشكل دوري وتعديل ما يمكن تعديله، وأقصد بالبرامج التطويرية بشكل شمولي بدءاً من المنهج والمدربين ونوعية التدريب ومكان التدريب وقيمة الاستثمار في التطوير والتأهيل ومجالاته، وهل ما أقوم به أو ما تقوم به الدولة يتناسب مع إحتياجات المرحلة الحالية والمسقبلية، وهل هذه البرامج مبنية على أسس علمية وأحصائية ودراسات جدوى أما أنها نتيجة ضغط معين ولمرحلة وقتية معينة؟!. ولكن يجب أن ننونه بأن التطوير البشري لا يقتصر على الدولة فقط، وإنما يجب على الانسان أن يستمر بالتطوير الذاتي المستمر، ولكن تبقى الدولة هي التي تهيئ الأرضية المناسبة لتواصل العطاء والانتاج، ويقصد بالدولة الوزارات والهيئات الحكومية والمديريات والدوائر والمديرين ورؤساء الأقسام، الكل يجب أن يلعب دورا رئيسيا ومحوريا لهذا التطور المنشود، ويجب أن يستمر الوعي بأهمية التطور المتواصل والمتوازي مع باقي العناصر العمرانية الأخرى، ولنعي تماما بأن الله حبانا بسلطان حكيم وموارد وفيرة وبلدٍ آمن واستقرار سياسي ونمو اقتصادي".