أشهبون يغوصُ في المقامات باعتبارها تراثاً ثقافياً عربيا

تتخذ من السفر حكاياتها

تطرق الدكتور عبد المالك أشهبون في كتابه "تطريز الحكاية في المقامات ـ بحث في البنيات السردية" الصادر عن نادي تراث الإمارات حديثا، إلى تنوع فضاء المقامات وتعدده معتبراً المكان أحد العناصر الفاعلة في المقامة، كونه فضاء ومسرح الأحداث، فبدونه لن تقوم مقامة لأي محكي، كما لن يكتب للحدث أن يوجد ما لم تلتق شخصية بأخرى في بداية القصة، وفي مكان يوحي باستحالة مثل ذلك اللقاء.

يأتي هذا البحث ضمن سلسلة مجلة تراث التي تسعى إلى تعزيز مصطلح "التراث" بكل جوانبه لدى الإنسان العربي، والخروج به من المكان الضيق حيث الثقافة التقليدية أو الشعبية، إلى مكان أوسع يشمل كل نواحي الحياة الأدبية والفنية وغير ذلك. ولأنّ المقامة إحدى فنون الأدب العربي النثرية المطعَّمة أحياناً بالشعر، والتي اشتهر بها تراثنا العربي القديم، تمّ إنجاز هذا الكتاب من قبل الكاتب والناقد والمتخصص في مجال السرديات، الدكتور عبد المالك أشهبون من المغرب العربي.

جميعنا نعلم أن المقامة أقرب إلى أن تكون قصة قصيرة مسجوعة، وحكاية خيالية أدبية بليغة، ينقلها راوٍ من صنع خيال الكاتب يتكرر في جميع المقامات، يصوره وكأنه قد عاش أحداثها، يجعل من السهل تحديد طبيعة أمكنتها، كما يحدد د. عبد الملك، بدءاً من العناوين الرئيسي والداخلي، مروراً بالخطاب الافتتاحي، والمتن الحكائي انتهاءً بنهاية الحكاية.

وللتفصيل وزّع كاتبنا مقاربته حول أهمية المكان في خطاب المقامات إلى محورين رئيسيين، يتعلق الأول بالمدينة والمجلس كفضائين، في حين يرتبط الثاني بالمقامة ومحكي السفر.

والبداية كما جاءت في الكتاب، من فضاء المدينة والمجلس، حيث اعتبر الفضاء الخارجي من أبرز مكونات المكان في المقامات التي درج عليها الحريري والهمذاني والسيوطي. يليه المجلس كفضاء داخلي لطالما فتح المجال أمام التواصل الكلامي في الثقافة العربية القديمة، منتقلاً إلى أمكنة نمطية سبق هيمنت على التحليل النقدي كله، وهي: أمكنة مفتوحة (أمكنة الغربة، أمكنة اللجوء طلباً للأمان والاطمئنان، أمكنة الحنين والشوق)، أمكنة مغلقة (مجالس الولائم، مجالس التعبد والصلاة، مجالس العلم والمعرفة).

وأما الأمكنة المفتوحة، فهو المدينة الخارجية التي يحل بها الراوي، ويقول د. عبد الملك: "عادةً ما يدخل الراوي إلى هذا الفضاء وهو منهك من وعثاء السفر، ناهيك عن الفقر والحاجة والعوز، بالإضافة إلى البحث عن الأمان والمقامات... ومن مواصفات هذه الأمكنة المفتوحة، أنها تمثل تجسيداً في غالب الأمر أمكنة (الغربة) بامتياز، كما قد نلفيها أمكنة (لجوء)، ونادراً ما تغدو امكنة (حنين) أو (وقوف على الأطلال)".

وكما العادة، فإن للأمكنة المغلقة حميمة واضحة، يمكن للقارئ أو المستمع الشعور بها في المقامات دون الحاجة إلى من يدله عليها. الشيء الذي يؤكده البحث أثناء تطرقه إلى المقامات المدروسة التي تتمثل في مجالس داخلية متعددة ومختلفة تم اختصارها كما ذكرنا سابقاً بمجالس الولائم، ومجالس التعبد والصلاة ومجالس العلم والأدب.

وفي بداية حديثه عن مقامات بديع الهمذاني ومحكي السفر، يشير كاتب البحث إلى السفر كأهم طاقة مولّدة للمادة الحكائية، "من منطلق أننا ننظر إلى الانتقال من مكان إلى آخر، لا على مستوى المواقع الجغرافية والحضارية فحسب، بل على مستوى الفعل الإبداعي أيضاً، إذ إن كل سفرة تحمل بين طياتها فكرة المقامة".

وهنا نذهب إلى ثلاث فقرات أساسية، الأولى تتمثل في أن المقامة وليدة فكرة السفر، "فمن الصعب تصور نص مقامي لا ترد فيه إشارة صريحة أو ضمنية إلى فكرة السفر. ذلك أن التأهب لسفر ما هو نوع من التأهب لميلاد مقامة جديدة".

الفكرة الثانية "المقامي جوّابة الآفاق"، نجد من خلالها ما اختصرته مقدمتها التي تحدثت عن الراوي كرحالة متجول في أغلب مقامات الهمذاني والحريري، لا تحده حدود مكانية، "قفل راجعاً من مكان، أو وصل تواً إليه، أو هو في سفر وقد أنهكه التجوال فأمّ مكاناً ما طلباً للراحة، ويحدد مكانه بدقة، كما ويحدد سبب وجوده في هذا المكان".

ومن المقامة الجاحظية ينقل البحث عن قول أبو الفتح:

إسكندرية داري ** لو قرّ فيها قراري

لكن ليلى بنجدٍ ** وبالحجاز نهاري

أما الفقرة الثالثة "رهانات السفر في المقامات"، فتذكر مجموعة من الرهانات التي تدفع المقامي إلى التمسك بفكرة السفر، وهي: البحث عن فردوس مرتقب، التكسب المادي وتحسين سبل العيش، التخلص من ورطة طارئة، ما حمّل كل سفرة طعماً خاصاً، عاش خلالها المقامي لحظات السفر بكل جوارحه، وهنا ينتهي البحث حول فضاءات المقامات وعلاقتها بالسفر والمغامرة.

وختاماً يعلّق الدكتور عبد المالك "في الأخير، لا بد من التأكيد على أن رواة المقامات يعتبرون ضيوفاً على المكان الذي يحلون فيه، فهم أشبه ما يكونون بالسندباد في "الف ليلة وليلة". لا يستقرون في مكان إلا لينتقلوا منه إلى مكان آخر، حينما يقررون الاستقرار ويكفون عن السفر، لحظتها يكونون قد وضعوا نقطة النهاية في كتابهم "مقاماتهم". وكأن المقامي هنا لا يني يستجيب لنداء داخلي يقول له: "سافر وإلا توقفت مقاماتك"، على غرار الهاجس الذي كان مستبداً بشهرزاد: "احكِ وإلا قتلتك" في "الف ليلة وليلة"".