أسطول نجاد بعد أسطول أردوغان!

بقلم: جواد البشيتي

فجر الاثنين 31 أيار 2010، انتهى الحصار الذي ضربته إسرائيل على قطاع غزة منذ ثلاث سنوات؛ وكل ما يُبْذَل الآن من جهد إسرائيلي، ومن جهودٍ لقوى دولية وإقليمية لها مصلحة، أو كان لها مصلحة، في "حرب الحصار"، إنَّما يستهدف، على صعوبة الأمر الآن، إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الحصار.

ويعود الفضل في جعل "الممكن"، بفضل صمود ومقاومة المحاصَرين، "حقيقة واقعة"، إلى "أُسطول الحرية"، الأممي، الذي قاده أردوغان، أي تركيا أردوغان.

إسرائيل ما كان في مقدورها (لأنْ ليس في مقدورها أن تلغي بإرادتها قوانين تاريخية موضوعية) أنْ تَحْصَل على "الحصار"، وأن تستمر فيه ثلاث سنوات، وأنْ ترفده بحرب، من غير أنْ تحصل، في الوقت نفسه، على كل ما من شأنه أن يجعل إنهاءه أمراً مقضيا، فالحصار هو نفسه الذي هيَّأ من القوى والأسباب والعوامل ما أوْجَب كسره وإنهاءه، فكُسِر وانتهى.

لقد انتهى؛ ولكنَّه لم ينتهِ بـ "براية بيضاء"، يرفعها المحاصَرون، وقد خَطُّوا فيها بمداد من ذاك الذي خُطَّت به مبادرة السلام العربية "نعترف بإسرائيل، وبحقِّها في الوجود، ونلبِّي كل شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية".

ومِنَ البحر انتهى؛ وكأنَّ القَدَر المقدور أنْ يبتلع البحرُ الحصارَ والمحاصَرين لا غزة وأهلها، على ما تمنَّى بعض قادة إسرائيل ذات يوم!

وها نحن نرى الآن من "السياسة" ما لم نَرَهُ من قبل، فإنَّ كثيراً من القوى الإقليمية والدولية (التي بعضها مع الحصار من حيث المبدأ، وبعضها ضده من حيث المبدأ) قد شرع ينشط سياسياً، ويتحدَّث بصوتٍ مسموع، فالعواطف والمشاعر الإنسانية، أكانت صادقة أم كاذبة، تتدفَّق، وكأنَّها، مع أصحابها من الساسة، تريد أنْ تُثْبِت لنا وتؤكِّد أنَّها تَحْضُر كحضورها الذي نراه الآن إنْ شاءت لها "السياسة" ذلك، فإنَّ "القلوب السياسية" للدول هي التي تنبض الآن بتلك العواطف والمشاعر.

إيران رأت بعينها السياسية ـ الإستراتيجية ما وراء "أكمة أردوغان"، فقرَّرت "المنافسة"، أي أنْ تنافِس تركيا إقليمياً في القضية نفسها، وفي الطريقة نفسها، فأردوغان هو وحده حتى الآن الذي عَرَف كيف يصطاد صيداً (إقليمياً) ثميناً بصنَّارته التي يلقيها في بحر غزة.

"حماس" هي الآن، وعلى ما ترى إيران أيضاً، قَيْد "التتريك"، سياسياً وفكرياً، بفضل اللاعب الماهر والذكي أردوغان؛ ويشتد لدى قيادتها الميل إلى أن تَضَع ما لديها من "بيض"، أو معظمه، في "سلَّة أردوغان"؛ كيف لا وقد حامى عن "حماس"، ودافع، وكأنَّه منها ولها؟!

وأردوغان، على ما أرى، يستحقُّ هذا، وأكثر، فالرجل هو الذي يأخذ الآن بيد "حماس"، مُصْعِداً إيَّاها درجات سُلَّم "شرعية دولية" ليست من جنس تلك الشرعية الدولية التي تلفَّعت بها اللجنة الرباعية الدولية، مع شروطها ومطالبها، التي يتعذَّر تمييزها من "الراية البيضاء".

قيادة "حماس"، ومن غير أنْ تفرِّط في التحالف مع إيران، شرعت الآن تكتشف أهمية وجدوى وضرورة التحالف مع تركيا، الشعب والحكم والوزن الإقليمي والأوروبي والدولي العظيم، والتي هي مذهبياً أقرب إلى "حماس" من إيران "الشيعية"، التي حَمَلَتْها "مصالحها العراقية" على أن تنتهج سياسة يَصْعُب أن تلقى لها تأييداً عربياً شعبياً.

و"حماس"، في ميلها التركي الجديد، لا تختلف عن حليفها السوري، فسوريا اكتشفت هي أيضاً أهمية وجدوى وضرورة التأسيس لعلاقة قوية، وإستراتيجية، مع تركيا أردوغان، فدمشق تَزِن أكثر، سياسياً وإستراتيجياً، إنْ هي تحالفت مع طهران وأنقرة معاً، ووازَنَت بين تأثيريهما في سياستها.

ولا شكَّ في أنَّ خير حليف إقليمي لإيران، وهو "حزب الله" اللبناني، سيتأثَّر كثيراً بالريح التركية، التي بهبيبها القوي استطاعت أن تدفع دمشق و"حماس" في اتِّجاه أنقرة؛ ولكن من غير أن تحيدا عن تحالفهما مع طهران.

حتى القاهرة ينتابها الآن ما ينتاب، أو بعض ما ينتاب، طهران من قلق، فأنقرة هي وحدها التي عَرَفَت كيف تتَّخِذ من "معبر رفح" المُغْلَقَة بوَّابته المصرية معبراً لنفوذها، إقليمياً وعربياً وفلسطينياً؛ ولقد تأكَّد هذا وثَبُت إذ نجح "أُسطول أردوغان" في كسر "الحصار"، ولو جزئياً، من خلال حَمْلِه القاهرة على فَتْح "بوَّابتها" تلك.

وبفضله، أي بفضل "القبطان" أردوغان، تداعى وانهار وسقط جزء آخر من "جدار برلين" العربي بين قطاع غزة ومصر، فاضطَّر الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى (وليس في الاضطِّرار فضيلة) إلى أن يُعْلِن عزمه على زيارة غزة؛ وإنَّها زيارة ستَفْتَتِح موسم "الحجِّ السياسي" إلى غزة؛ وربَّما نرى أردوغان وتشافيز، وغيرهما، عمَّا قريب في غزة.

والقاهرة قَلِقَة، أيضاً؛ لأنَّ أنقرة يمكن أن تأخذ مكانها، أو تنافسها، في مساعي وجهود "المصالحة الفلسطينية"؛ وفي هذا السياق يمكن أنْ نُدْرِج زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لتركيا.

أمَّا السعودية فتزيد، ولا تقلِّل، من بواعث القلق المصري، فالرياض، ومن حيث المبدأ، لا يمكنها أن تقف ضد تزايد واتِّساع النفوذ الإقليمي والعربي لتركيا أردوغان، فأنقرة، بنفوذها هذا، هي ما تحتاج إليه الرياض في سعيها إلى موازنة وكَبْح نفوذ طهران، إقليمياً وعربياً.

وبعد "أُسطول أردوغان" ها هو "أُسطول نجاد" يتأهب للإبحار إلى غزة، فهل تبطش به إسرائيل كبطشها بـ "أُسطول أردوغان"؟

وإذا بطشت به، هل يُسيِّر "حزب الله" صواريخه إلى ميناء حيفا، ضارباً عليه، بالتالي، حصاراً بالنار؟
جواد البشيتي