أسرار الماء وشجون الشاعر وديع سعادة

بقلم: د.علياء الداية
أعِد الماء إلى النبع ولا تزعج الغيم

"قد نرى ذاك النبع الذي حلمنا به طويلاً/ ينبثق من المياه الجوفية لأحلامنا".

هذه السطور المقتبسة من ديوان الشاعر وديع سعادة "مَن أَخَذ النظرة التي تركتُها أمام الباب؟" الذي صدر مؤخراً في صيغة إلكترونية، يمكن أن تلخّص جوهر النظرة إلى الماء، الذي يشكّل ظاهرة تسري كالنهر في نصوص وديع سعادة الأخيرة.

يتراوح دور الماء بين كونه عنصراً باعثاً على الضياع واليأس لدى الشاعر ولدى من يشاركه الحالة التي يعيشها، كأصدقائه غالباً أو الناس المحيطين به، وكونه أملاً بالقادم الجميل والرغبة في دورة الحياة المستمرة التي يرمز إليها الماء في كثير من النظرات التحليلية كما يؤكّد دارسون كـ نورثروب فراي الذي يلحظ أنّ "الطوفان هو الرمز لبداية دورة ونهايتها" إلى جانب "الدورة الطبيعية التي يرمز إليها الماء"، ومن جهة أخرى يؤكّد غاستون باشلار قائلاً: "ترى نفوس عدة أن الماء هو مادة اليأس" كما "يمزج الماء رموزه المتعارضة وجدانياً في الولادة والموت".

يفتتح الشاعر صفحات ديوانه الجديد بالعبارة: "ماء/ ماء كثير/ يدفق في شراييني/ ولا مركب./ في قلبي بحر/ وجمهور من الغرقى"، فيَحضُر الماء بوصفه بحراً يحفل بالغرقى، ونهراً يتدفق في شرايين الشاعر دون أن يجد لنفسه مركباً للنجاة. ماء كثير، وعلى الرغم من صيغة اليأس والكرب فإنّ تصريح الشاعر بأن هذا الماء في شرايينه وقلبه تحديداً يعطي الأمل بأن ثمة فسحة خارج القلب والذات يمكن أن تحمل المختلف وتحتوي مناقشة بين جمال الحياة وبؤس الموت.

إدانة الإنسان بصيغة الأمر

تنفرد خمسة نصوص في هذا الديوان بعنصر الماء الذي يتّخذ سمة المركزية فيها، في حين يظهر الماء في مواضع أخرى على نحو متفرّق بين السطور. ففي قصيدتين هما "لا تأخذ الخيل إليه ولا الخَيَال" و"دلّ النقطة إلى الطريق" تبرز صيغة الأمر، ولكنه الشبيه بالرجاء يتوجه به الشاعر إلى مخاطَب مقرّب منه، يتصوّر المتلقي أنه سينفّذ الرجاء فوراً وسيستجيب إلى طلب صاحبه بدافعٍ من الثقة والحرص على النتيجة في ترك دورة الحياة تمضي من دون تدخّل من الإنسان.

الشاعر والمخاطَب والموتى هم العناصر الإنسانية في اللوحة/النص، أمّا التراب والماء وصيغُه: النبع والمطر والغيم، فهي العناصر الطبيعية، ومن جهة أخرى يسعى الشاعر إلى نفي وإلغاء أي رابط يمكن أن ينشأ بين الإنسان والطبيعة التي تحتضن الموتى، كالصلاة أو الخَيال والتخيُّل، إمعاناً منه في تقديم الطبيعة على الإنسان، وترك دورة الطبيعة تمضي بسلام بعيداً عن تدخّل البشر، فما ارتكبوه في حياتهم لا تكفِّر عنه صلاة أو أحلام يقظة وخيال.

وهكذا تتعالى صيغة الأمر والنهي بشكل متواتر "أعِد الماء إلى النبع ولا تزعج الغيم/ لا تصلّ، لا تُقلق الموتى/ دعهم في ترابهم يستريحون/ وإن انهمر المطر فخفّف من لهاثك". فالغربة عن عالم الأحياء تجعل الإنسان يستشعر راحة الموتى في التراب، ويرغب في أن يهطل عليهم المطر الطبيعي الصافي، بعيداً عن لهاث الأحياء الذي يحمل طرفاً من متاعب الدنيا، فهي كالوحل في كدرها ومشكلاتها وآلامها تؤذي الراحة الأبدية "لهاثك يصعد غيماً إلى الفضاء ويمطر/ والمطر يوحل التراب/ ويزعج الموتى".

ويَبرز كذلك في قصيدة تالية بعنوان "دلّ النقطة إلى الطريق" تقديم الطبيعة على الإنسان الذي يجد نفسه ضئيل الشأن قياساً بها. وكما في القصيدة السابقة يرجو الشاعر مخاطَبه المقرّب إليه، كي يرفق بالطبيعة، وهذه المرة من خلال صورة فنية رقيقة "هذه النقطة التي ضيّعَت طريقها/ وحطّت على كتفي/ خذها/ سيفتقدها النهر/ سيكون البحر ناقصاً من دونها".

ولا يكتفي الشاعر بإعادة مجرّد نقطة صغيرة إلى بحر أو نهر، واستصغار شأنه وهو الإنسان الضئيل قياساً بأي جانب من الطبيعة، فالعصفور والشجر والعشب أولى بها منه. إنه يرى العطاء في الطبيعة، لا في الإنسان، فهي الأساس الذي يعتمد عليه. وتنطوي هذه الصورة مع القصيدة السابقة على لوم غير معلن للبشر عموماً، وعلى نظرة ضمنية ترى الشرّ كامناً فيهم وفي تكبّر الإنسان واعتقاده بأنه يسيطر على كل شيء، وفي إثارته الحروب والاستهلاك الجائر لموارد الطبيعة.

التوحّد بالطبيعة

يزداد الإنسان قرباً من الطبيعة في عدد من نصوص الشاعر وديع سعادة، فتكون للطبيعة الأولوية في الوجدان والأمل. ويخفت صوت الإدانة في نصّ "رفيقان"، فينصرف الشاعر إلى فكرة التوحّد بالطبيعة، ولا يقيّد الفكرة في ذاتها، بل يجد لها تجسّداً في صورة متخيَّلة في النهر الجاري. كما أنه لا يقصرها على الإنسان، بل يساوي بين الإنسان وورقة شجر، من خلال الوصف "رفيقان"، ويستبطن ما يدور في نفس كل منهما تجاه النهر الذي يجرفه: "رأى وجهه في النهر وظنّ نفسه ماء/ وجرى/ وجرَتْ معه ورقة يابسة"، الاثنان يسلمان نفسيهما للماء، ولكنهما متناقضان، فالإنسان صاحب نظرة، أما الورقة فتسافر في العمى، يرى الإنسان الماء أشبه باللحم والصخور تشبه العظام، أما الورقة فتحسب الماء شجرة والصخورَ أشجاراً وأوراقاً مثلها. فالماء والإنسان يشتركان في رحلة دورة الحياة، ويجد كلٌّ منهما ما يكمّله وما يوصله إلى عالم متخيَّل يشبهه. ويمثِّل هذا النص مصالحة بين البشر والطبيعة، فهما رغم الاختلاف يمضيان معاً في رحلة واحدة قوامها الماء الذي يعني الأمل بالحياة.

يكشف النص القصير"غَرَق" عن ومضة هي جوهر علاقة الشاعر بالماء، فروحُه أكثر رقّة من القماش، إلى درجة أنها غرقت في الماء. ليس في روح صاحب النص من الضغائن والأحقاد ما يجعله قابلاً للغسل، فالنص يكشف عن شفافية الروح المتهيئة للذوبان في الماء، والغرق في نقائه. وبهذا يجعل الشاعر من صاحب مثل هذه الروح متفرّداً وذا حضور مركزي في الديوان، بوصفه نموذجاً إيجابياً للأمل بوجود الخير.

وتتركّز صورة الغرق في مقطع من نصّ "كي يقول" يَسودها اليأس من إمكانية أن يوصل الرجل صوته، فالتردّد والخوف يجعلانه في حالة تحفّز دائم، ثمة حقيقة يرغب في قولها، ولكنّه يسوّد مئات الصفحات من أجل كلمة واحدة لا يقولها في النهاية.

ويستعرض الشاعر كل الكلمات المهمّة التي لا يجرؤ الرجل على قولها داخل النص، والحصيلة هي تَلاَحُق صور الأهوال والموت والمصاعب الناتجة عن تقاعس الإنسان عن دوره التنويري للآخرين بالتصريح بما لديه من أفكار. يضاف إلى ذلك القبحِ المحيطِ به ما يتّسم به الرجل المعنيّ من عدم المبالاة، والوقوفُ أمام الماء خاوي الوفاض إلا من سيجارة يلفّها وكأنه يلفّ معها انتهاك البيئة وإحراق أوراقها الخضراء على حساب بقية الكائنات والبشر الغرقى: "مئات الصفحات.../ كي يوهم نفسه أنه أنقذ الغريق/ مئات الصفحات كي يقول/ غرقتُ ولا أرى شيئاً/ كي يتسامر مع طحلب، مع فراغ/ كي يرى السفن وهي تهوي/ والغرقى يصرخون/ وكي يلفّ سيجارة وهو ينظر إلى الأمواج".

حكاية القبطان في "الحكاية" تُوازي الصورة السابقة، فالقبطان الذي تتعلّق به الآمال في حماية المسافرين والعناية بهم إلى أن يصلوا برّ الأمان يفاجئنا بتهرّبه، ويقف مكتوف اليدين أمام السفينة والمسافرين وأمام الغرقى أيضاً: "والحكاية الأخرى كانت خرافة أيضاً/ كي يسلّي الذين يغرقون". إنّه لا يواجه سلطان الماء، بل يستسلم له، دون أن يوضح سبب الاستسلام، وهنا تظهر سلبية القبطان والإنسان عموماً في عدم فهم الطبيعة كما يظهر في انسياب سطور النصّ.

الماء والغناء

تُواصل الطبيعة تقلباتها بالتوازي مع هواجس النفس في نصوص تبرز فيها الأسماك بوصفها من سمات الماء الأثيرة إلى الشاعر. إن وديع سعادة يعود إلى إدانة البشر بشكل جزئي في "ذكرى ماء"، فيتخلّى عن صيغ الأمر، لتَبرُز صيغةُ الحديث عن غائبٍ هو إنسان يستعرض علاقته بالماء، كما يبيّن الشاعر موقف الماء والكائنات التي تسكنه تجاه أذى الإنسان. ففي النهاية تموت الأسماك الصغيرة التي تَعْلق في الشِّباك، ولا يجني البشر سوى صورة قاتمة لعلاقة جائرة بالطبيعة.

إن الغائب الذي يتحدّث عنه الشاعر يبدو أقرب إلى أن يكون صورة لنفسه، وكأنه يتأمّل ذاته من مسافة فاصلة، ويدين الفلاحين والصيادين وغيرَهم ممن يؤذون الطبيعة. يتماهى الشاعر مع الطبيعة، محورُها هو الماء الذي يعني له النهرَ والبحر، فالسماء رابط طبيعي لأسباب هطول المطر ودورة الماء الطبيعية التي لا تكتمل داخل النص، إنها تشرف على صورة أسماك ميتة تبعث على اليأس. أما السهول فهي أرض الفلاحين الذين لا يبدو الشاعر معهم على وفاق: "بين الماء وبينه ذكرى حقول/ ذكرى شجر وعشب وتراب/ وفلاحين/ ترتطم معاولهم/ في قلبه"، فقلب الشاعر المرهف يتعاطف مع الأسماك الميتة الطافية على الشاطئ بعيدة عن بيئتها المائية. إن صورة الماء أقرب إلى الفناء واليأس ليحس الشاعر بأنه وحيد ميت كالأسماك، على الرغم من كل الفلاحين والصيادين والقرويين الذين يحيطون به وبذكرياته من كل جانب.

كما تظهر الأسماك بوصفها مكوِّناً أساسياً مندمجاً بتصورات الشاعر مما يَسْكن توهّمات نفسه الداخلية، فثمة تبادل ذهني بين البر والبحر، بين اليابسة والماء؛ تتحول الينابيع إلى صحارى، كما يتحوّل السهل إلى حوت. مما يعكس غربة الشاعر عما حوله، وبحثَه الدائم عمّا يسلي روحه الحزينة: "أرى السهل حوتاً يريد أن يبتلعني". وتبلغ قمّة الغربة والبحث عن الذات في التماهي مع الأسماك وزيادة الرغبة في التوحّد بالطبيعة وإيجاد حقيقة النفْس فيها "وفي بحار نظراتهم وُلدت أسماك غريبة/ وصنّارات/ رموها/ واصطادوا بها عيونهم".

وتبرز ظاهرة الغناء مقترنة بالأسماك والكائنات المائية التي يغنّي لها الشاعر عاطفاً عليها، ناظراً إليها على أنها كائنات مسكينة "ويغنّي.../ للبجعة الجائعة التي نظرت إليه ورمى لها لقمة/ وللبحيرة/ في ذاك المساء/ والأسماك التي تسبح فيها". ويسكن الغناء الشاعر في دلالة على الأمل والفرح، يبحث عنه لا سيّما قرب الماء، ويفتقده بشكل واضح إذ "يمشي باحثاً في بحر/ يرقص موجه مع السمك/ عن صحراء/ يغنّي رملها مع الريح/ باحثاً عن البحر الأوّل والصحراء الأولى".

الشاعر وديع سعادة – سيرة ذاتية:

الشاعر وديع سعادة ولد العام 1948 في قرية شبطين شمال لبنان وعمل في الصحافة العربية في بيروت ولندن وباريس قبل هجرته إلى أستراليا في أواخر عام 1988 وما زال يعمل في مجال الصحافة في أستراليا كما أنه يكتب لعدد من الصحف في الدول العربية. صدر لوديع سعادة الدواوين: ليس للمساء أخوة 1973، المياه المياه1983 ، رجل في هواء مستعمل يقعد ويفكر في الحيوانات 1985، مقعد راكب غادر الباص 1987، بسبب غيمة على الأرجح 1992، محاولة وصل ضفتين بصوت 1997، نص الغياب 1999، غبار 2001، رتق الهواء 2006، تركيب آخر لحياة وديع سعادة 2006. جُمعت هذه الدواوين وصدرت بعنوان "الأعمال الشعرية" عن دار النهضة العربية، بيروت 2008.