أسباب 'القرار الثلاثي' بسحب السفراء من قطر

لم تكن التوقعات التي راهنت على أمير قطر الجديد الشيخ تميم لإحداث تحولات جذرية في توجهات قطر الخارجية، ترتبط وحسب بأنه لا يمكنه زيادة حجم الخلاقات والتوترات في علاقات بلدان الخليج مع دولته التي طالما اضطلعت بدور "صانع المشاكل"، على مدى عقود خالية وبالتحديد منذ وصول الشيخ حمد بن خليفة إلى السلطة، ليس على المستوى الخليجي وحسب، وإنما على المستوى العربي والإقليمي، وإنما ارتبطت كذلك على جانب آخر بالتعويل على قدرته لحسم أي صراع أجنحة أو تيارات (الأمير الصغير والحرس القديم /المحافظين والإصلاحيين)، حاولت بعض القوى الداخلية (قوى إخوانية – قطرية) توظيفه لتأكيد عدم قدرة تميم على إعادة توجيه سياسات قطر الخارجية بسهولة ويسر، لما باتت تمتلكه من نفوذ وروابط أسرية وسياسية ترفع من تكلفة قرارات تغيير المسار لجهة التكامل والاندماج في منظومة الأمن والتعاون مع بقية دول الخليج.

بيد أن الإشكالية الأساسية في إخفاق الأمير الشاب في إدارة علاقاته مع بلدان الخليج لم يرتبط بنمط المحددات الداخلية وسمات السياسية الخارجية التي تعتمد على المناورة وتشييد تحالفات مع أطراف إقليمية متناقضة، تتبنى أجندة غربية، وإنما بالأساس لأن التهديدات التي تثيرها هذه السياسات لم تعد قاصرة على توجهات قطرية لدعم أطراف تشكل تهديدات لمنظومة الأمن الخليجية، وإنما لأنها أيضا تحولت إلى مركز لأنشطة معادية لدول الخليج ليس على ساحة الإقليم وحسب، حيث مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية، ولكن داخل دول الخليج ذاتها وفي أوساط مجتمعاتها، بما دفع بأن تكون الخطوات "التصعيدية/الدفاعية" تتناسب مع حجم الفعل القطري وتداعياته، لا سيما أن محض التلويح بخطوات وإجراءات عقابية لم يكن رادعا رغم أنه سبق وان اتخذت السعودية في عام 2002 قرارا بسحب سفيرها من قطر.

البعد الأمني في قرار سحب السفراء

لعبت المحركات الأمنية العنصر المركزي في تحديد المقاربة السعودية – الإماراتية- البحرينية حيال التهديدات التي تمثلها قطر، عكس ذلك البيان الثلاثي الذي أكد على عدم التزام قطر الدائم والمستمر بكافة المبادئ التي قام عليها مجلس التعاون الخليجي وكذلك عدم تنفيذ كافة التزاماتها وفقاً لما يتم الاتفاق عليه بين دول المجلس بشأن الحفاظ وحماية أمن كافة دول المجلس واستقرارها.

وأكدت الدول الثلاث أن خطوة سحب السفراء تأتي بالأساس لحماية أمنها واستقرارها، وبسبب عدم التزام قطر بالإجراءات التي تم الاتفاق عليها، فضلا عن عدم الالتزام بمبادئ العمل الخليجي، التي تحكم العلاقات بين دول مجلس التعاون، ما اضطرت معه الدول الثلاث للبدء في اتخاذ ما تراه مناسباً. ويعكس القرار الفجائي وفق هذه المعطيات رغم التلويح به على نحو غير مباشر أن ثمة إدراك تنامي لدى الدول الثلاث بأن أية "ضغوط ناعمة" لن تكون بمقدورها "ترويض" قطر وإعادة توجيه سياساته بما يتلاءم مع منظومة الأمن الخليجية.

بدا ذلك واضحا من أن القرار جاء بعد جهود خليجية للتواصل مع قطر للاتفاق على نهج يكفل السير ضمن إطار سياسة موحدة لدول المجلس تقوم على الأسس الواردة في النظام الأساسي وفي الاتفاقات الأمنية الموقعة والمبادئ التي تكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر وعدم دعم كل من يعمل على تهديد أمن دول المجلس واستقرارها، من منظمات أو أفراد، أو من خلال محاولة التأثير السياسي وعدم دعم الإعلام المعادي.

وعلى الرغم من المحاولات الكويتية لتفادي صدور "القرار الصدمة" بالنسبة لقطر، ورغبتها في الاستمرار في جهود الوساطة والتي تتوافق من ناحية مع رغبتها في الضغط السياسي على الدوحة لتفادي التصعيد لجهة اتخاذ خطوات جدية لحصار قطر، ومن ناحية أخرى، انطلاقا من نمط المعادلة السياسية الداخلية في ظل محورية أدوار بعض جماعات الإسلام السياسي، ومع ذلك فإن إدراك الدول الثلاث لمحدودية قدرات التأثير والضغط الكويتية، دفع بالسير بالاتجاه الذي فرضته السياسات القطرية ودفعت إليه.

ارتبط ذلك على جانب آخر، بإدراك أن أي اتفاق مستقبلي لن يكون ملزما لقطر في ضوء خبرة "اتفاق الرياض" في 23 في نوفمبر، والذي وقعه وأيده جميع قادة دول المجلس، ولم يوضع موضع التنفيذ، لا سيما بعد فشل الاجتماع الذي تم عقده في الكويت في 17 فبراير الماضي بحضور الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، والشيخ تميم بن حمد، ووزراء خارجية دول المجلس، وهو ما يعني أن التهديدات القطرية لبلدان الخليج ليست مقصودة وحسب، وإنما لن يتم التراجع عنه بدعوى "استقلالية قرار السياسة الخارجية القطري"، وذلك حسب المبررات التي سيقت في معرض التعليق على "القرار العقابي" لدول الخليج بسحب السفراء من قطر.

الأسباب الأمنية للتصعيد مع قطر

تنوعت الأسباب الأمنية التي دفعت بحتمية التصعيد حيال قطر، ويمكن رصدها في أربع اتجاهات أمنية عجلت بقرار سحب السفراء.

* دعم التيارات المتطرفة

واحدة من الإشكاليات المركزية التي أدت دورا حاسما في القرارات الخليجية حيال قطر تتعلق بتحول الدوحة إلى "فندق" كبير أو "مركز مؤتمرات" أو "بنك تمويل خاص" للجماعات الإسلامية المتشددة كجماعة الإخوان المسلمين وعناصر تكفيرية جهادية سبق لها التورط في عمليات عنف حيال بعض الدول العربية، بيد أن هذه الجماعات التي تلقت دعما سياسيا وإعلاميا وماديا من قطر، لم تعد قاصرة على جماعات تنتمي إلى دول عربية كمصر وسوريا، وإنما جماعات تهدد مصالح دول الخليج ورؤيتها لنمط الأمن الإقليمي وكيفية التعامل مع المعضلة الأمنية القائمة على مسرح عمليات الإقليم.

ويمكن تفهم ذلك في ضوء القرارات السعودية بإدراج جماعة الإخوان المسلمين داخل المملكة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، والمواجهة الأمنية التي شنتها السلطات الإماراتية منذ فترة ضد جماعة الإخوان، والتي تكللت بالقبض على "خلية الإخوان" في الإمارات. ويشكل تحول قطر إلى "منبر" للمعارضين من خلال "قناة الجزيرة"، والتي لعبت دوراً رئيسيا في إعطاء مساحة لقياديين معارضين من دول مختلفة في المنطقة، أحد المحددات الإضافية في الرفض الخليجي لطبيعة السياسات القطرية الداعمة لجماعات الإسلام السياسي التي تستهدف السيطرة على السلطة والحكم في بلدان عربية، مجاورة ومركزية بالنسبة لأمن الخليج، خصوصا أن التوجهات القطرية جاءت بالتنسيق مع قوى إقليمية كتركيا وإيران.

* محاولات الاختراق

الإشكالية التي مثلت نقطة تحول رئيسية في التصعيد الخليجي حيال قطر ارتبطت بتقدير أن السياسات المعتدلة وعدم التصعيدية حيال الدوحة طيلة السنوات الخالية مراعاة للاتفاقات الخليجية، لم تثن قطر عن إتباع إجراءات أكثر ايجابية حيال الأمن الخليجي والتحديات التي تعترضه، فهي من ناحية لم تشارك في قوات درع الجزيرة التي تدخلت في الأزمة البحرينية لحماية الأمن والاستقرار، ومن ناحية أخرى لم تبد التزاما بنمط المواقف الخليجية حيال تطورات الثورات العربية، فضلا عن دعمها لتوجهات إيران الخارجية رغم ما تمثله من مخاطر على أمن واستقرار دول خليجية عديدة.

ومع ذلك فإن الإشكالية الأكبر تعلقت بأن قطر ذاتها بدت قانعة بأن دول الخليج ستنتهج إستراتيجية الصمت والانتظار حيال سياسات الداعم لبعض القوى والجماعات الخليجية المعارضة، بما ترتب عليه أن غدت دول الخليجية الثلاثة مدركة بدورها أن السلطات القطرية لا ترغب في إنهاء مساندتها لبعض جماعات "الإسلام السياسي"، خصوصا حركة الإخوان التي تصنف وفق نمط الإدراك الأمني للعديد من هذه الدول باعتبارها مصدرا لتهديد الأمن الإقليمي.

وقد بدا الأمر في حالة كهذه متجاوز لإمكانية التعامل المرن أو التعاطي الطبيعي في ظل تصاعد المواقف القطرية عبر دعم جماعات داخل بعض دول الخليج، سواء جاء هذا الدعم في صورة دعم سياسي أو مالي أو إعلامي أو استخباراتي، ويُعتقد أن قطر تسلح تلك الجماعات، وتستضيف بعض الشخصيات الخليجية وتمول أنشطتها.

ورغم أن هذه الدول لا تعترض على استضافة قطر لأي من السياسيين بصرف النظر عن توجهاتهم، إلا أن الإشكالية الرئيسية ارتبطت بالرفض الخليجي لأن تتحول قطر إلى مركز لدعم أنشطتهم المعادية لأمن دول الخليج أنفسهم، وذلك على عكس دولة مثل المملكة العربية السعودية التي لا تسمح بممارسة أي نشاط سياسي ضد دول أخرى انطلاقا من أراضيها، وكذلك دولة الإمارات التي كان شرطها الأساسي لاستضافة رئيسة وزراء باكستان السابقة بنازير بوتو عدم ممارسة نشاط سياسي.

وقد جاء إعلان سحب سفراء الدول الخليجية الثلاث من قطر، وهي شريك في مجلس التعاون الذي تأسس عام 1981، بعد يومين وحسب من قرار غرفة أمن الدولة في المحكمة الاتحادية العليا بالحكم على قطري بالحبس سبع سنوات مع إبعاده عن البلاد بسبب تعاونه مع تنظيم سري للإخوان المسلمين في دولة الإمارات، وذلك بعد أن اعترف بدعم مجموعة "الإصلاح"، وهي مجموعة ممنوعة في الإمارات، لارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين.

هذا إضافة إلى أن حادث "الدية" في البحرين مثل سببا آخر في تأكيد الرياض وأبوظبي والمنامة أن نقاط الخلاف مع الدوحة كانت بسبب المسار الذي سلكته الأخيرة. وسبق للإمارات أن سلمت القائم بالأعمال القطري لديها، مذكرة احتجاج رسمية في شأن تصريحات يوسف القرضاوي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين بعد تصريحات مسيئة أطلقها تجاه القيادة الإماراتية.

ويقلق دول الخليج إضافة إلى ما سبق محاولة قطر لعب دور "الوكيل الإقليمي" لبعض المنظمات الدولية الأجنبية، عبر تمويل بعض منظمات المجتمع المدني التي تحاول ممارسة أدورا تهدد سلامة واستقرار العديد من بلدان الخليج العربي، لا سيما بعدما أنشأت "أكاديمية التغيير"، وتبنت "ملتقى النهضة"، و"مؤسسة الكرامة"، هذا فيما تقوم هي ذاتها بالحكم على شاعر بالمؤبد لأجل قصيدة، وتطرد وتسحب جنسية كاتب صحافي انتقد غلاء المعيشة فيها.

* نمط تحالفات

من العناصر الأمنية المؤثرة والمحددة طبيعة توجهات دول الخليج الثلاث حيال قطر نمط التحالفات الإقليمية، فقطر باتت تُخدم على توجهات لا تنسجم مع مصالح دول الخليج الثلاث، لذلك فإن العناصر التي باتت تقلق دول الخليج غدت تمتد لتطاول الأزمة السورية في ظل عدم التنسيق بين السعودية وقطر في عمليات دعم المعارضة على الأرض.

هذا إضافة إلى توجه قطر التي إقامة مناورات عسكرية مع إيران، وهى سياسات تعتبر في ذاتها "شاذة" عن الأطر الحاكمة لمنظومة الخليج، لا سيما في ظل سياسات إيران في سوريا وتوجهاتها حيال الاستقرار في اليمن وأمن جارتها السعودية، ومساعيها لامتلاك أسلحة نووية، فضلا عن احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث، ودعمها لبعض الجماعات داخل البحرين.

* التصعيد مع مصر

كان للتصعيد الأمني والسياسي والإعلامي ومحاولة عزل القيادة المصرية المؤقتة إقليما ودوليا بعد ثورة الثلاثين من يونيو، أحد نقاط الافتراق في سياسات دول الخليج الثلاث مع قطر التي كانت قد اعتبرت أن ثورة الشعب المصري على الرئيس الأسبق حسني مبارك في 25 يناير انتصاراً للحرية، وثمنت بإعلامها موقف الجيش آنذاك، ثم استبشرت بقدوم حلفائها الجدد "الإخوان المسلمين"، ودعمتهم بكل السبل الممكنة، لتعود بعد ذلك وتتنكر لمواقف الشعب المصري في ثورة 30 يونيو، وتسمي وقوف الجيش إلى جانبه محض "انقلاب".

وعلى الرغم من أن محاولة قطر التدخل في شئون دول الخليج الداخلية مثلت المحرك المركزي لخطوة سحب السفراء من قطر، غير أن هذا لا ينفى محورية موقع مصر في الأزمة الخليجية – القطرية، فمصر بالنسبة لبعض هذه الدول قضية أمن قومي وعلاقات تاريخية وأمنية وسياسية لا تسمح بأن تغض الطرف عن محاولات قد يكون مصدرها دولة خليجية أخرى تستهدف أمن مصر ومكانتها الإقليمية، والتي تشكل من منظورها الأمني عنصر موازن لإرساء الأمن الإقليمي في مواجهة طهران من ناحية، وتركيا وتوجهاتها غير المتسقة مع دول الخليج في العديد من أوجهها من ناحية أخرى.

وعلى الرغم من أن دول خليجية على رأسها دولة الإمارات حاولت أن تلعب دور الوسيط وتثني قطر عن دورها "المخرب" حيال استقرار مصر، إلا أن الإصرار القطري على الاستمرار فيما تتبناه من سياسات تحيزية لصالح الإخوان، دفع الإمارات للانتقال من موقع "الدولة الوسيط" إلى موضع "الدولة الطرف"، لاعتبارات أمنية وسياسية وتاريخية. لذلك يمكن القول أن المحركات الأمنية لعبت الدور الأساسي في "القرار الثلاثي" بسحب السفراء من قطر، وأن هذا القرار رغم ما يحمله من معاني ودلالات قد لا يكون الأخير في ظل تزايد الاتجاهات التي ترجح تمسك قطر بتوجهها بما قد يدفع بتصعيد خليجي يجبر قطر على إعادة نظر في سياساتها.