أسباب التجاوز الأمريكي على قيم الإسلام

بقلم: طلال بركات

لم تكن زلة لسان حينما أعلن الرئيس الأمريكي بوش الحرب الصليبية على الإسلام والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقبلها قد تباهى بالانتصار الذي اسماه النصر الحرب العالمية الثالثة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وكان يقصد الانتصار في الحرب الباردة على الاتحاد السوفيتي. واليوم لم يبق إلا الانتصار في الحرب العالمية الرابعة.. على الإسلام والمسلمين.
فليس غريبا على الجنود الأمريكان تدنيس القران الكريم في غوانتنامو وهذا هو النفس الذي يملأ رئة القيادة الأمريكية. وان المتابع للتطورات الفكرية والسياسية على الساحة الغربية يرى ثمة العديد من المنظمات التبشيرية والفكرية التي تنشر الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين، إلا إن الغريب هو أن نشاهد من غير المسلمين وبعض المسلمين من غير العرب تهتز ضمائرهم ومشاعرهم ووجدانهم عندما يستفحل الظلم ويشتد الباطل. وقد استشهد عدد من المسلمين في أفغانستان دفاعا عن عزة الإسلام والثأر للقرآن الكريم الذي دنس في غوانتنامو. وبالرغم من كون بلادهم محتلة ووجود آلاف من الجنود الأمريكان المحتلين في مدنهم وقراهم لم يمنع ذلك من خروجهم إلى الشوارع بتظاهرات عفوية تثأر لهذا الحدث الخسيس.
وفي منطقتنا العربية الناطقة بلغة القران الذي انزل على الرسول العربي وفي منطقة الجزيرة العربية ومر الأمر وكأنه لا يعنيهم بشيء. وفي هذه المرة لا نريد أن نلقي اللوم على الحكومات العربية كما في كل مرة لان تلك الحكومات مواقفها في قمع شعوبها بات معروفا ولا يحتاج إلى دليل. ولكن هذا لا يبرر الصمت والتخاذل العربي على المستوى الشعبي. فان الشعب الأفغاني خرج إلى الشوارع بالرغم من حالة القمع الذي تمارسه سلطات الاحتلال، أما العتب على الدول والشعوب التي تسمي نفسها بالمستقلة ويمارس بحقها في كل يوم أنواع من المهانة والمذلة فلم تهتز ضمائرها.
لقد مارس الاسرائيليون شتى أنواع الابادة الجماعية والقتل الجماعي للشعب الفلسطيني وقد احرق اليهود المسجد الأقصى ويسيرون اليوم بخطى ثابتة ومدروسة لاقتحام المسجد ومن ثم ليتسنى هدمه. والفلسطينيون وحدهم يذبحون على عتبة النخوة العربية، وتنفرد إسرائيل بالدول العربية كل على حدة وتلزمهم باتفاقات مهينة ومجحفة ولا احد من الشعوب والبرلمانات العربية المصفقة تعترض على ذلك. واليوم يتعرض العراق إلى اكبر جريمة في تاريخ العصر ويحتل بمباركة ومساعدة دول عربية شقيقة وتخرج آلاف المظاهرات في مختلف دول العالم ومن ضمنها الشعوب التي قامت حكومتها بالاحتلال لتقاوم وتعارض ذلك الاحتلال.. وعندنا القوم نيام.. بل وقوى تدعي أنها إسلامية تبارك الاحتلال وتتعاون معة وكأنة ولي حميم. والله تعالى قال في محكم كتابه الكريم في صورة المائدة "يأيها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فأنة منهم أن اللة لا يهدي القوم الظالمين". وقال في صورة النساء "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم". وأصحاب العمائم واللحى يتباركون في أكذوبة الحرية والديمقراطية التي جاء بها المبشرون على الدبابات الأمريكية ويصفون المقاومة الوطنية بالإرهاب. فضلا عن التدخل في شؤون لبنان وسوريا. ولجنة التفتيش عن قتلة الرئيس الحريري امتد عملها إلى حد التدخل في الشؤون الداخلية التي هي أشبه بلجنة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق التي كانت تمشط المواقع العسكرية والاستراتيجية وإعطاء إحداثياتها للمخابرات الأمريكية. انه التاريخ يعيد نفسه.
وبعد هذا الاستعراض المتواضع للأوضاع العربية المؤلمة لابد من إعادة السؤال التقليدي الذي بات يطرح في كل يوم وفي أروقة الأسواق السياسية: هل العيب في الحكومات العربية أم في الشعوب العربية؟ هل حقا إن للحكومات العربية من القدرة والامكانات أن تركع شعوبها إلى هذا المستوى من المذلة والمهانة وجعل تلك الشعوب تقدس الحاكم وما نشاهده على شاشات التلفزة من خضوع وتقبيل للأيادي وهالات الإجلال والتعظيم لحفنة ممن صادروا مقدرات شعوبهم وانفاق المليارات دون حسيب او رقيب ولا أحد يقول لهم كفا. والادهى من ذلك فأنهم يحكمون باسم الإسلام ووعاض السلاطين يمجدون ويباركون أفعالهم كأنهم امتداد للصحابة الأطهار الذي كان الواحد منهم لا يملك فردة تمر يسد بها رمقه لأنهم كانوا صناع التاريخ ولأنهم رجال آخرة يتمنون الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الحق والعدل، هل حقا نحن أحفاد اولائك العظام إذا كان كذلك فماذا حل بنا وما هو السبب؟
ربما يكون السبب الأول هو قمع الحكام للشعوب وخيانتهم للوطن في سبيل الملذات والمناصب، وهناك حقيقة بات يدركها الجميع ولم تعد خافية على احد وهي ان لا يمكن أن تخطوا تلك الشعوب خطوة إلى الأمام مالم يتم إزالة العقبة الأقرب التي تقف حائل بينها وبين الاستعمار لحماية مصالحه. ولا يمكن محاربة العدو الأجنبي الغاصب المحتل ما لم يتم إزاحة تلك العقبات التي تجعل من ضربات الشعوب للعدو تشتط سدى. لابد أولا من إزالة هذه البؤر التي صنعها الاستعمار وحتما سيتراجع ويندحر إذا تم دحر اعوانة وعملاءة. أما السبب الثاني وهو حالة اليأس والهوان التي تعيشها الشعوب العربية والتي جعل منها أن تكون مغيبة عن كل ما يجري في الحياة من فعاليات كونية على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما جعل الرئيس بوش يأخذ بنصيحة شارون من عدم الأخذ بنظر الاعتبار والحسبان لما يسمى بالرأي العام العربي والإسلامي وذلك من خلال تجربته في جرائم ابادة الشعب الفلسطيني وتدنيس الحرم القدسي والشعوب العربية والإسلامية تدير ظهورها. فلا عتب اليوم على جنود الرئيس بوش من تدنيس القران لان ما قاموا به في العراق لا يقل فظاعة عما قاموا به اليوم. فقد هدموا المساجد وضربوا ضريح الإمام علي رضي الله عنه ودخلوا المدن المقدسة وقتلوا النساء والشيوخ والأطفال وعذبوا السجناء في أبو غريب وقتلوا الجرحى في المساجد ولم تهتز الشوارب بسبب قلة الحياء وحبا في الحياة والابتعاد عن الدين والإسلام. طلال بركات Talal_barakat1@hotmail.com