أسئلة ملحّة تطرح نفسها على الفلسطينيين

بقلم: ماجد كيالي

عديد من الأسئلة تطرح نفسها في الساحة الفلسطينية، في هذه المرحلة، فهل تتجه القوى المعنية والمهيمنة، فيها أي "فتح" و"حماس" نحو المصالحة أم نحو تكريس الانقسام؟ وماذا بالنسبة لاستمرار السلطة بعد هذه التجربة؟ ثم هل يمكن للحركة الوطنية أن تستفيد من المناخات التي فتحتها الثورات الشعبية العريبة؟

في الإجابة على السؤال الأول، وعلى رغم الإيحاءات بإمكان الاقتراب من لحظة إنهاء الانقسام في النظام الفلسطيني وإعادة اللحمة إلى كيان السلطة، بدفع من التطورات الحاصلة في الساحة العربية، لاسيما بعد سقوط نظام مبارك، وبواقع حصول تقاطعات كبيرة بين "فتح" و"حماس"، من الناحية السياسية (برنامج الدولة في الضفة والقطاع) ومن ناحية مكانتيهما في السلطة، إلا أن الأمور مازالت توحي بأن ثمة شوطاً كبيراً ينبغي قطعه لاستعادة الوحدة.

وتؤكد التجاذبات الحاصلة من حول هذا الموضوع بأن الخروج من أزمة الانقسام يستلزم ليس فقط نوعاً من مصالحة بين الفصيلين الأساسيين المهيمنين والمتنازعين (على الشرعية والسلطة)، وهي في كل الأحوال ضرورية وملحة، وإنما يستلزم، أيضًا، استعادة كل واحدة من هاتين الحركتين لطابعها كحركة تحرر وطني، وتحرر كل منهما من وضعها كسلطة (تحت الاحتلال). كما يتطلب ذلك إعادة بناء الحركة الوطنية على أسس تعددية وديموقراطية، والتوافق على إستراتيجية سياسية تتناسب مع ظروف الشعب، بما لا يرهن الفلسطينيين لخيار واحد يتمثل بدولة مستقلة في الضفة والقطاع، ولا بطريق واحد يتمثل بالمفاوضات، أو بالعمليات التفجيرية والقذائف الصاروخية؛ لاسيما بعد أن فعلت إسرائيل ما فعلته بكل هذه الخيارات.

وبديهي انه من غير ذلك يمكن التوصل إلى نوع من مصالحة ولكن سقفها سيكون مجرد ادارة الأزمة و"ترشيد" الانقسام، أو بمعنى اخر التوافق على تقاسم السلطة والنفوذ.

وبالنسبة إلى سؤال السلطة فمن الواضح أن هذه المسألة باتت مرتهنة جملة وتفصيلا لمآلات اتفاقات أوسلو، كما لارتهان الطبقة السياسية السائدة لعلاقات السلطة والمفاوضات الناشئة عنها، حيث ثمة 180 ألف فلسطيني (من موظفي السلكين المدني والأمني في الضفة والقطاع) تعيش عائلاتهم من معونات الدول الراعية لعملية السلام. وفي هكذا حالة (بالنسبة إلى "فتح" والسلطة في الضفة)، فإن حلّ السلطة قد ينظر إليه كنوع من التعجيز، وهو غير مقبول تماما لديها. في حين أن سلطة "حماس" في غزة مازالت تعتمد في قسم كبير من مواردها (موازنتها ورواتب موظفيها) على حصتها من موازنة السلطة (والتي بدورها تأتي في غالبيتها من الدول المانحة ومن العوائد الضريبية في إسرائيل) ما يؤكد عمق اعتمادية السلطة (في الضفة وغزة) على الموارد الخارجية.

لكن التعامل مع هذا الواقع الإشكالي ليس مسألة صعبة، إذ في حال خلصت النيات، يمكن الإبقاء على السلطة باعتبارها إطارا لإدارة احتياجات المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع، ما يعني التخلي عن الوظيفة السياسية والأمنية للسلطة، ووضع إسرائيل أمام مسؤولياتها في هاتين الناحيتين، باعتبارها سلطة احتلال قائمة.

وبالأصل فإن "فتح" و"حماس" معنيتان، فعلا وقولا، بتمييز نفسيهما عن السلطة، وعدم الغرق في دهاليزها وتبعاتها، ومن ضمن ذلك العمل على وضع حد للوظيفة التفاوضية للسلطة (في بعديها السياسي والأمني)، لأن الاشتغال على هذا الوضع يظهرها أمام العالم وكأنها باتت سلطة ناجزة ومستقلة، ما يشوّش صورة إسرائيل كدولة استعمارية محتلة، ويظهر الأمر وكأن ثمة كيانين مستقلين ومتكافئين يتنازعان على بعض الأراضي، بدل التركيز على إظهار إسرائيل بمظهر الدولة المحتلة، التي تمارس أيضاً سياسات استعمارية وقهرية وعنصرية ضد الفلسطينيين. ولا شك أن هذا الوضع يتطلب أيضا، عدا التوافق الوطني، وضع حد للازدواجية بين منصبي رئيس السلطة ورئيس المنظمة، وهي ازدواجية لم تكن مفيدة، بل كانت مضرة، أيام الرئيس الراحل أبو عمار.

أخيراً، وبالنسبة إلى سؤال ما العمل على ضوء المناخات التي فتحتها الثورات الشعبية العربية؟ فمن الواضح في هذا الإطار بأن الفلسطينيين الذين اضطروا في ظروف سابقة، غير مواتية، للقبول بنوع من تسوية ناقصة ومجحفة ومهينة (كما تمثلت باتفاقات أوسلو) معنيون أكثر من غيرهم باستثمار التغيرات السياسية العربية الجارية، والتي يأتي في مقدمتها حضور المجتمعات من الغياب وازدياد دورها في التقرير بشؤونها السياسية، والتحول باتجاه الديمقراطية في عديد من البلدان العربية، وتغير صورة العرب على الصعيد العالمي (بفعل الثورات السلمية والديمقراطية).

بالمقابل فإن هذه التطورات كشفت إسرائيل على حقيقتها باعتبارها دولة استعمارية وعنصرية ودينية في المنطقة، ووضعت حدا لادعائها باعتبارها بمثابة واحة للديمقراطية والحداثة في الشرق الأوسط.

ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني: أولاً، أن هذه هي اللحظة المواتية للفلسطينيين للخروج من المعادلات المجحفة التي تم فرضها في اتفاق أوسلو (وفق معادلات دولية وعربية غير مواتية). ثانيا، انه آن الأوان لإعادة الاعتبار للحركة الوطنية الفلسطينية باعتبارها حركة تحرر وطني ضد الاستعمارية والعنصرية الإسرائيلية، وضد الأصولية الدينية (اليهودية) المتطرفة التي تغذيها. ثالثا، إن على الفلسطينيين توليد رؤية سياسية تجاوب على كل أسئلة الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، بحيث تطابق هذه الرؤية بين شعب فلسطين وارض فلسطين، مع الأخذ بالاعتبار الواقع المعقد الناجم عن وجود 60 بالمئة من اليهود في إسرائيل من مواليدها. وهي رؤية يمكن أن تكون متمثلة بالنضال العنيد والمتواصل من اجل قيام دولة واحدة ديمقراطية ومدنية (لادينية ولا عسكرية) في فلسطين/إسرائيل (أي دولة ثنائية القومية أو دولة مواطنين)، ولو في تدرجات وتوسطات معينة. رابعا، ربما بات بالإمكان، مع التغيرات في النظام العربي، إعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية، وتفعيل مؤسساتها، ووضع حد للتماهي بينها وبين السلطة، باعتبارها الكيان السياسي الممثل للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده..

ماجد كيالي