أسئلة صعبة في المعادلة الإيرانية- الأسدية

بقلم: إسلام حلايقة

لا نسعى من خلال هذا المقال الى الإفتاء بإجابات، بقدر ما نسعى الى طرح أسئلة صميمية، وتسليط الضوء على قضايا جدلية خلافية بالغة الأهمية، في ظل اختلاط الأوراق وتشتت الآراء حيال ما يجري بالساحة السورية من أحداث وتطورات بات الصغير يفتي بها قبل الكبير، والجاهل قبل العالم، وانعكاس هذه التطورات خارجيا: اقليميا ودوليا، وما رافقه من تباين ونفاق وتخبط في مواقف قوى دولية رئيسية في المنطقة.

ليس خفيا على أحد ذاك الزواج الكاثوليكي الذي عقدته إيران مع نظام بشار الأسد، بوقوفها بكل ثقلها الى جانبه، وإمداده بأدوات القتل والسحق، وبالمال والرجال، وإسناده سياسيا ما أمكن لها ذلك، حتى تمكن من قتل ما يزيد عن 30 ألف سوري، وتشريد أكثر من خمسة ملايين، إضافة الى قرابة نصف مليون لاجئ في الدول المجاورة، والأهم من هذا وذاك تدمير البلاد وحرقها وملامح التجزئة التي بدأت تلوح بالأفق. فمن أين ينبع هذا التشبث الإيراني المتين ببشار الأسد ونظامه الدموي؟ وما هدفها من هذا الدعم الذي ساهم في خلق هذه النتائج الكارثية؟ ولماذا تحرص إيران على ان لا يتغير هذا النظام؟ وما مشكلتها في أن يعيش الشعب السوري بحرية وأمن واستقرار؟ ولماذا تعتقد أنها ستخسر حليفا لها في الساحة العربية والشرق أوسطية؟ ولماذا تفترض أن أي نظام قادم سيكون معاديا لها؟ أليست الأنظمة الديمقراطية قد تكون أكثر قربا لها وترحيبا بدورها وتشييد العلاقات معها؟ فبتغيير النظام في مصر بدأت تتحسن العلاقات الإيرانية المصرية بصورة لم تشهدها منذ اكثر من ثلاثين عاما وهذا أمر جلي.

هل إيران بالفعل عدوة للمنطقة العربية؟ وما مدى منطقية النظرية القائلة أنها تسعى الى بسط النفوذ في منطقة الخليج والسيطرة عليه؟ وإن كانت الإجابة نعم أي أن إيران عدوة للعرب، فلماذا؟ ثم كيف وما هو دليلنا على ذلك؟ قد يقول قائل أن حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق هي دليل، لكن الجميع يعلم ان تلك الحرب قد بدأ بشنها نظام صدام حسين ضد إيران وليس العكس، ثم أليس من حق إيران ان يكون لها أصدقاء وحلفاء في المنطقة العربية في ظل تلك الهجمة الشرسة التي يشنها الغرب عليها، وحزم العقوبات والقطيعة المفروضة عليها، والتهديدات المستمرة لها؟ لماذا يسمح لأي دولة ان يكون لها حلفاء الا إيران؟

لكن السؤال الأكثر أهمية هو هل بالفعل إيران عدوة للغرب وإسرائيل ام لا؟ وبناء على ذلك هل سوريا عدوة للغرب وإسرائيل ام لا؟ وهل حزب الله عدو لإسرائيل ام لا؟ وهل حركة حماس عدو لإسرائيل ام لا؟ اذا كانت إيران ليست عدوة للغرب وإسرائيل، فكيف لنا ان نفهم دعمها لحركة حماس العدو اللدود لإسرائيل، والمصنفة بالإرهابية في قاموس الولايات المتحدة ومن يسبح في فلكها من الدول الأوروبية؟ وكيف لنا ان نفهم دعم إيران لحزب الله اللبناني الذي مرغ انف إسرائيل بالتراب بشكل لا يختلف عليه اثنين، وأوجعها وقتل جنودها ودمر دباباتها وأمطر مدنها بوابل من الصواريخ لشهر كامل خلال حرب 2006؟

إن كان نظام الأسد اكبر صديق وخادم لإسرائيل، فكيف لنا ان نفهم ان حزب الله يدعم "صديق إسرائيل" أي نظام الأسد؟ وان كانت إيران عدوة لإسرائيل والغرب فكيف بها هي ايضا ان تدعم نظام الأسد الذي يحمي حدود إسرائيل، ومن ثم لماذا لا تتدخل إسرائيل لإنقاذ حليفها الأسد من محنته؟

ولكن اذا سلمنا بجدلية ان الغرب وإسرائيل أعداء لإيران، وهم مرتعبون من مشروعها النووي، ويسعون جاهدين لإجهاضه، فلماذا كل هذا الصبر على إيران من قبل الغرب؟ فعندما برزت مجرد أكذوبة عن وجود "أسلحة الدمار الشامل لدى العراق" قامت أميركيا بحشد العالم كله وتجييشه لغزو العراق وتدميره ونهب ثرواته، ليتبين بعد ذلك بقليل أن أسلحة الدمار الشامل لم تكن سوى مجرد كذبة كبيرة. فما بال الغرب يتعامى اليوم عن إيران وهو يراها يوما بعد يوم تطور ترسانتها العسكرية وتتقدم بمشروعها النووي مستعرضة عضلاتها على الجميع باستمرارها في تخصيب اليورانيوم، وتحديها للعالم بتطوير صواريخ بعيدة المدى، وبل وإطلاق التهديدات المباشرة لإسرائيل؟ فهل يخشى الغرب إيران وترسانتها وصعودها بالفعل؟ أم أنها مسرحية تبادل الأدوار في المنطقة؟ وإلا لماذا هذا السكوت المريب عن صعودها العسكري المستمر؟.

في الساحة السورية من جديد، ألا تفهم إيران أن الأسد ونظامه زائلون لا محالة، كما زالت الأنظمة القمعية الديكتاتورية التي ثارت عليها الشعوب العربية الأخرى؟ ألا تدرك إيران أن الشعب إذا ثار لا يمكن أن يتخلى عن ثورته، وأن لا قوة في الأرض يمكن أن تثنيه عن خياره؟ ألم تأت القيادة الإيرانية الحالية بثورة أسمتها "بالإسلامية"؟ لماذا لا ترحب إيران بثورة إسلامية مماثلة بسوريا؟ ولماذا رحبت بثورة مصر مثلا، وجعلت من الاحتجاجات البسيطة في البحرين على أنها حرب إبادة شاملة بحق الشعب البحريني، بينما تعامت عن عشرات آلاف الضحايا بسوريا؟ ألا تفهم إيران أنه كلما زاد عدد الضحايا والخسائر في الساحة السورية، فان هذا يعني أن الثمن الذي ستدفعه إيران أكثر غلاء وتكلفة، بعد هلاك نظام الأسد، وأن التاريخ لن يرحمها؟ أم أن إيران تظن ان الأسد سيتخلد؟ الحقيقة أنها أسئلة جدلية محورية تجعل الحليم حيرانا، وتحتم علينا التفكر بها بعمق قبل محاولة الإجابة عليها، لان الدخول بها بدون حذر كفيل بإسقاطنا بمستنقع من التناقضات غير المفهومة.

ولكن بكل حال فإن في التاريخ لنا لعبرة وأي عبرة، فانظر الى تاريخ هذه المنطقة منذ آلاف السنين، ستجد نفس الفصول تتكرر وتعيد نفسها، لقد حكم هذه الأرض من الأقوام ما لا يمكن حصره، لكنهم زالوا جميعا وبقيت الأرض والشعب، وهذا ما سيحصل في الشام، سيذهب الأسد ونظامه الدموي العفن، وستزهق إيران التي تقف في صفه في ذبح الشعب السوري وسفك دمه الى الجحيم، وستنتصر الشام وشعبها العظيم، وهاهي رياح التغيير هبت من تونس البوعزيزي ومرت على مصر فطهرتها، وهاهي رايات النصر ترفرف على تخوم الشام، صحيح أن المصاب جلل والثمن باهظ جدا، لكن الحرية لا تهدى وانما تنتزع، مزيدا من الصبر يا شعب الشام، وهذا وعد بأن لكم بأن النصر حليفكم، وهذا الوعد لم يأت به الكتاب والمحللون، وإنما قاله أصدق البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مخبرا أن هذه المنطقة لا يعمر فيها ظالم.

إسلام حلايقة

صحفي وباحث