أزمة مفتوحة تهدد الحلف الألماني الإسرائيلي 'التاريخي'

لا مؤشرات هدوء

تشهد العلاقات الألمانية الإسرائيلية توترا غير مسبوق في أعقاب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو استقبال وزير الخارجية الألماني زيغمار غابريل في تل أبيب، ورد الأخير برفض استقبال مكالمة من رئيس الوزراء الإسرائيلي. لتكون الخطوة التي كشفت النقاب عن بدء تلاشي السياسة الألمانية التقليدية مع إسرائيل والتي تقضي بالتراجع عن انتقادها بسبب ما يسمى بـ"عقدة" جرائم النازية ضد اليهود، بسبب اتساع النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة والقدس رغم المعارضة الدولية وأسباب أخرى كانت كفيلة لخروج برلين عن هدوءها.

ورغم محاولات الجانبين التقليل من شأن هذه التوترات، إلا أن ما يجري على الارض الأخرى يؤكد أن عهدا جديدا من العلاقات بين البلدين قد ابتدأ وخاصة في ظل استمرار اليمين المتطرف الإسرائيلي على سدة الحكم.

ويبدو أن سياسة "الصوت الخفيض" كما وصفها احد الصحفيين الألمانيين، تجاه إسرائيل قد انتهت، وأن المسؤولية الخاصة التي تحملتها ألمانيا إزاء إسرائيل فيما يتعلق بالاعتراف بحقها في الوجود ومساعدتها في الدفاع عن نفسها ضد أي اعتداء خارجي والتي فرضت عليها نمطا من التعامل الهادئ قد أساءت الأخيرة فهمها، ما دفع برلين لرفع صوتها في وجه الحليف التاريخي.

وفضلا عن إلغاء زيارة وزير الخارجية الألماني أعلنت ميركل إلغاء لقاء القمة المرتقب بين حكومتي البلدين والذي كان مقررا في العاشر من مايو أيار في القدس متذرعة بالانشغال للتحضير لقمة مجموعة الـ20 المقرر عقدها في ألمانيا هذا العام، وبسبب التحضير للانتخابات التي ستجري في ألمانيا في سبتمبر أيلول المقبل.

وتجدر الإشارة أن هذا اللقاء السنوي الذي كان يجري بالتناوب مرة في برلين، ومرة في القدس، على غاية من الأهمية وهو بمثابة حصاد سنوي يتم فيه عقد لقاء بين المستشارة الألمانية وبين رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى جانب لقاءات وزارية وجلسات حكومية مشتركة تهدف أساسا للتأكيد على متانة العلاقات بين البلدين.

ولهذا فإن اعتذار المستشارة الألمانية على اجتماع بهذا القدر من الأهمية لا يمكن أن يكون مرده المبررات التي قدمتها، بقدر ما يعكس حجم الخلاف القائم بين البلدين والذي تحركه السياسة الاستيطانية الإسرائيلية في مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما يعنيه ذلك من ضرب لفرص قيام حل الدولتين.

ويقول مراقبون أن الحكومة الألمانية عادة ما تلجأ لمثل هذه الخيارات في حال وجود أزمات دبلوماسية كبيرة مع الطرف المقابل، أو لدى سعيها لتجنب الاجتماعات مع الأنظمة الاستبدادية. وهي اليوم تستخدم ذات السياسية مع الحليف التاريخي الذي تثير تحركاته استياءها.

المستوطنات والقدس

وظهرت بوادر التصدع الأولى في كانون الثاني/يناير عندما أعربت وزارة الخارجية الألمانية للمرة الأولى عن "شكوكها" في رغبة نتنياهو في تحقيق حل الدولتين بعد تصويت الكنيست على قانون يسمح لإسرائيل بتملك أراض جديدة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.

وواصلت الحكومة الألمانية إبداء قلقها بل وانزعاجها من استمرار في بناء نتنياهو عددا متزايدا من المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية والقدس فضلا عن مصادرة أراضي الفلسطينيين وهدم بيوتهم في كل مرة، رغم وعيه بخطورة ما يقدم عليه وتهديده لمشروع إقامة الدولة الفلسطينية.

وحذرت في أكثر من مناسبة وبلهجة مغاير لما دأبت عليه سابقا من مغبة الاستمرار في بناء الوحدات الاستيطانية، معتبرة انه يشكك في التزام إسرائيل المعلن بحل الدولتين مع فلسطين.

وقالتميركل أنها ترى أن آثار بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة ستكون كارثية، لأنها تمنع إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

ويعيش نحو 500.000 مستوطن يهودي في نحو 140 مستوطنة بنيت بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية في 1967. وتعد المستوطنات من وجهة نظر القانون الدولي غير قانونية.

ونالت معظم الوحدات السكنية الجديدة الموافقة وتبنى في مستوطنات بالضفة الغربية المحتلة، من أهمها 902 وحدة في مستوطنة أريئيل، و652 وحدة في غيفات زيئيف.

وستبنى 100 وحدة في بيت إيل، وهي مستوطنة قرب رام الله تسلمت تمويلا من مؤسسة تديرها أسرة صهر ترامب، ومستشاره جاريد كوشنر حسب ما ذكرت تقارير إعلامية.

ويحرك هذا الموقف الألماني أيضا سعيها للعب دور الوسيط في مفاوضات السلام المتوقفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، رغم ترأس الولايات المتحدة الآن للجهود "العبثية" بين الجانبين لإيجاد حل للصراع الأقدم في الشرق الأوسط.

وفي مارس آذار طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بوساطة ألمانية خلال زيارته إلى العاصمة برلين. وهو الأمر الذي لا تقبله إسرائيل خاصة في الوقت الراهن في ظل رفض ألمانيا لسياسات الحزب الحاكم، في حين تؤيد بقاء الوسيط الأميركي الذي لا يبدو انه يحمل في جرابه ما سيحول دون تحقيق أهداف نتانياهو الراهنة والمقبلة بما في فيها ضرب حل الدولتين.

وتصاعد التوتر بين البلدين أيضا بسبب الموقف الألماني من قرار منظمة اليونسكو الذي وصف إسرائيل بـ"سلطة احتلال في القدس"، والذي اعتبر "جميع الإجراءات والأفعال القانونية والإدارية التي تتخذها إسرائيل، سلطة الاحتلال، التي غيرت أو تسعى إلى تغيير طابع ووضع المدينة المقدسة، القدس، وأن تحركات من هذا النوع تعد باطلة وكأنها لم تكن ولا بد من إلغائها فورا".

وتحدثت بعض الصحف العبرية عن محادثة "قاسية للغاية" أجرتها الخارجية الإسرائيلية مع السفير الألماني بتل أبيب احتجت فيها بشدة على سلوك ألمانيا حول ما اعتبرته تقريرا "مناهضا لإسرائيل في اليونسكو".

مضايقة المعارضة

وثمة قلق آخر يزيد من حدة الخلاف القائم، هو الانزعاج في كل من المستشارية ووزارة الخارجية، بشأن مضايقة الحكومة الإسرائيلية اليمينية لجماعات المعارضة. إذ أقرت حكومة نتانياهو عددا من القوانين التي تستهدف المنظمات التي تتهمها بمحاولة نزع الشرعية عن إسرائيل.

مما أن قرار نتانياهو إلغاء اللقاء مع وزير الخارجية الألماني كان بسبب تضمين الأخير لبرنامج زيارته الأولى إلى إسرائيل كوزير للخارجية، لقاءات مع منظمة غير حكومية إسرائيلية، بينها منظمة "كسر الصمت" التي اتهمت الجيش الإسرائيلي بجرائم حرب، و"تسيلم" التي توثق الاعتداءات والدفاع عن حقوق الإنسان وتعارض بشدة بناء المستوطنات الإسرائيلية.

وأثارت هذه المسائل استياء الرأي العام الألماني الذي لم يتقبل حسب الصحف الألمانية خطوة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخيرة التي جاءت في الوقت الذي بدأ فيه الألمانيون يتخلون تدريجيا الشعور بالمسؤولية المتوارث تجاه إسرائيل.

وتحدث مسؤولون ألمانيون عن الزيادة في تراجع قناعات الجيل الألماني الصاعد بمسؤوليته عن المحرقة النازية ضد اليهود التي وقعت في الحرب العالمية الثانية ملقيا بظلال وخيمة على واقع العلاقات بين البلدين.