أزمة محكمة وحكومة وحكم في لبنان

بقلم: د. خليل حسين

شكلت خطوة المعارضة اللبنانية في استقالتها من الحكومة، سابقة سياسية في لبنان لم يشهدها في تاريخه المعاصر. فالاستقالة أتت في توقيت موجه إلى واشنطن، وهو رد واضح على التعطيل الأميركي للمشروع السوري السعودي، المطعّم بالمقويات الإيرانية التركية. وبصرف النظر عن الخلاصات المستفادة من هذه الخطوةـ تبدو ان أولى تداعياتها، ان المعارضة أخذت قرارها باتجاه مسارات غير تسووية بخلاف ما كان مطروحا في السابق، لكن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هل بمقدور أي طرف لبناني مهما عظم شأنه المضي بمعزل عن حسابات دقيقة لها أبعادها الخارجية المؤثرة في قراره؟

فأزمة لبنان الأساسية الحالية هي على خلفية المحكمة الخاصة وملفاتها، التي كان لإيران مؤخرا موقف واضح منها ومن أعلى المرجعيات.فيما الموقف الأميركي كان واضحا على مسامع الرئيس سعد الحريري حين لقائه الرئيس باراك اوباما. في الوقت عينه أعلنت طهران رفضها بحث ملف التقنيات الفنية في مباحثات اسطنبول واعتبرتها موضوعا من صلاحيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. باختصار شباك أميركي إيراني ربما يحتاج إلى قوى دفع إضافية لتظهير موقف قابل للبناء عليه في إدارة أزمات المنطقة في المرحلة المقبلة.

وان تمكّنت المعارضة اللبنانية حتى الآن من توجيه ضربة موجعة للمشروع الأميركي، إلا أنها لم تكن قادرة على الفوز بالضربة القاضية للمحكمة، وهي تحتاج إلى سلسلة من الإجراءات الدستورية الداخلية، بدءا من تأليف حكومة تتحكم بمسارات قراراتها، مرورا بصياغة بيانها الوزاري الذي من المفترض ان يتضمن موقف واضح من المحكمة، وصولا بإمكانية تسويقها داخليا وخارجيا.

وإذا كانت البيئة الدستورية وآلياتها من الممكن ان تتأمن بفعل عمليات الشد والجذب التي تجرى داخليا وفي طليعتها استقطاب موقف رئيس التكتل الديموقراطي وليد جنبلاط إلى صف المعارضة، إلا ان الثمن يمكن ان يكون مرتفعا وبخاصة اذا تمسّك بداية بإعادة تسمية الرئيس سعد الحريري، وكذلك اذا كانت الأثمان مرتبطة بإعادة النظر بتركيبة النظام السياسي الدستوري اللبناني على قواعد مختلفة. أي بمعنى آخر ان إعادة التموضع من الممكن ان تكون مرتبطة بمواقف كبيرة لها علاقة باتفاق الطائف أساسا واتفاق الدوحة لاحقا، وفي كلا الحالتين يحتاج الموضوع إلى إجماع لبناني قلَّ توافره في تاريخه المعاصر.

في أي حال، وفي ظل هذه الاحتمالات القائمة، تجد الأطراف الخارجية المؤثرة في الواقع اللبناني طريقا للتأثير قي مسارات الأزمة الحكومية، وعندها ستتحول المشكلة من أزمة محكمة إلى أزمة حكومة وبالتالي إلى أزمة حكم من الممكن ان تطول زمنيا وفي الواقع ثمة سوابق كثيرة لأزمات حكم لبنانية غالبا ما كانت تتوج بتفاهمات واتفاقات لها طابع خارجي آخرها كان اتفاق الدوحة.

لا شك ان الأزمة القائمة حاليا هي من النوع الذي لن يكون بمستطاع اللبنانيين وكالعادة على تخطيها بأقل الخسائر الممكنة، وبالتالي ستحتاج واقعا إلى تدخلات ذات تأثير فاعل على الأطراف الداخلية، لكن هذا الأمر لا يعطى بالمجان، فلهذه الأطراف مصالحها الخاصة ومن الطبيعي محاولة الاستفادة من إدارة الأزمات بأكثر ما يمكن من الأرباح كل بحسب حاجته ورغبته من الملفات والمواضيع ذات الصلة بها.

ان استقالة المعارضة من الحكومة لا يعني بالضرورة أنها تتطلع فقط إلى إعادة تشكيل حكومة، فالأمر مرتبط بعد عوامل خارجية أيضا، فماذا لو استمرت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل الضغط باتجاه إيران من بوابة الملف النووي، ماذا سيكون الوضع في لبنان بعدما تمَّ حسم الوضع في العراق؟ وماذا عن مؤثرات الوضع السوداني والمصري على مجمل سياسات واشنطن في المنطقة؟

ثمة مسارات وسياقات متباينة تتجه بها الولايات المتحدة الأميركية إلى المنطقة، وربما ذات قواعد وأبعاد متشابهة نسبيا. فسيف المحكمة الجنائية الدولية مسلط على السودان لانفصال جنوبه. والحد الآخر من السيف مسلط على لبنان لتطويع مقاومته. وبين الاثنين هز استقرار مصر بتفجير كنائسها. وكأن ثمة خيارات أميركية لمن يعنيهم الأمر، تقابلها ممانعة ربما تحتاج إلى مزيد من برامج المواجهة الجدية لا على قاعدة المواجهات التذكيرية الاستثمارية.

طبعا ثمة حراك إقليمي ودولي واسع لاستيعاب تداعيات أزمة المحكمة والحكومة في لبنان، لكنها من الممكن ان تطول وتتحول إلى أزمة حكم، في ظل معلومات عن قرب صدور القرار الظني باغتيال الرئيس الحريري، ما سيعيد خلط الأوراق مجددا وبالتالي الانتقال إلى نوع جديد من أدوات الشد والجذب الداخلي في لبنان، وإعادة الشِباك الخارجي بين القوى الإقليمية المؤثرة في لبنان.

ثمة كعكة صفراء إيرانية أنتجت ورُحِلت إلى مفاوضات اسطنبول الأسبوع القادم، وثمة محاولة أميركية واضحة لمحاولات المقايضة بعد صفعتها في كل من أفغانستان والعراق، بمشاريعها في السودان ولبنان، فهل وزن وحجم الملفات هي قابلة للتفاوض والبيع والشراء؟ أم ان مزيدا من الوقائع المطلوبة ينبغي تظهيرها أيضا.الثابت ان تاريخ الولايات المتحدة الأميركية حافل بعمليات البيع والشراء وهي جاهزة دائما لبيع حلفائها بأبخس الأثمان، فهل باتت جاهزة الآن للمقايضة؟ سؤال يستلزم الإجابة عليه، انتظار مباحثات اسطنبول، وغدا لناظره قريب.

د. خليل حسين

أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

www.Drkhalilhussein.blogspot.com