أزمة ليبور: لماذا تهيمن فضيحة التلاعب باسعار الفائدة على الصحافة العالمية؟

إعداد: سلام سرحان
رأس رئيس باركليز أول الرؤوس المتدحرجة... كم رؤوسا ستطيح الأزمة؟

يتساءل البعض عن سبب تلك الضجة الغامضة والمتعلقة بعدد محدود من المصارف والاشخاص. لماذا كل هذا الاهتمام بما صار يعرف بـ"فضيحة ليبور" رغم أنها حدثت منذ أربع سنوات؟

لايضاح تفاصيل الصورة فأن ليبور (Libor) هي مختصر (London Inter-Bank Offered Rate) أي سعر الفائدة المعروض بين المصارف في لندن، والذي تقرض وتقترض بموجبه المصارف فيما بينها. ويتم احتساب هذا السعر وتحديده لكل عملة من العملات الرئيسية، ولخمسة عشر نوعا من الاقتراض ولفترات زمنية تمتد من يوم واحد الى 12 شهرا، أي أن هناك 150 سعر فائدة ليبور للعملات الرئيسية العشر الكبرى بموجب هذا النظام، مثل ليبور بالدولار والين واليورو والجنيه الاسترليني وبقية العملات.

هذا بالنسبة لمركز لندن المالي. لكن ثمة أنظمة مشابهة في كل المراكز المالية العالمية الكبرى، مثل تيبور (Tibor) المعتمد في طوكيو وايبور (Eibor) المعتمد في الامارات. لكن ليبور البريطاني هو الأكبر عالميا من دون منازع، بسبب حجم سوق المال الهائل في حي المال في لندن. وتزايدت أهمية هذا المقياس بزيادة الاعتماد عليه عالميا ليصبح المعيار الرئيسي لأسعار الاقتراض البينية بين المصارف.

ويرتفع سعر فائدة ليبور عندما ترتفع المخاطرة وتنخفض السيولة المتوفرة للاقراض بين المصارف، في حين ينخفض حين تنخفض المخاطر وتتوفر السيولة. ولذلك فان مستويات ليبور هي افضل مؤشر للمتعاملين في الاسواق العالمية لمعرفة مستويات العرض والطلب على الاموال المتاحة للاقراض ومستويات التفاؤل والتشاؤم في الاسواق العالمية.

من هنا تأتي اهمية ليبور الكبيرة والخطيرة في التأثير على أسواق المال العالمية، فهو المعيار المقبول عالميا، والذي يستند اليه ويرتبط به نحو 800 ترليون دولار أميركي من الأصول المالية في أنحاء العالم، أكرر 800 ألف مليار دولار أميركي… وهي تمتد من القروض العقارية الى بطاقات الائتمان الى تمويل المشاريع وعشرات الاصول والتعاملات المالية الأخرى.

ما دامت أسعار فائدة ليبور مهمة الى هذا الحد، فكيف يجرؤ أحد على التلاعب بها؟

في حالة بنك باركليز البريطاني، فان المعلومات المتاحة تشير إلى محاولة لخفض مستويات فائدة ليبور ربما بطلب من الحكومة البريطانية في مسعى لتهدئة الاسواق بعد اعلان انهيار مصرف ليهمان برذرز الأميركي عام 2008، وقد يكون مصرف باركليز قد استفاد من ذلك ماليا، من خلال تحقيق ارباح كبيرة من المضاربات في مشتقات الاوراق المالية المسعرة استنادا الى سعر فائدة ليبور.

ومع بدء التحقيقات في بريطانيا فان الفضيحة بدأت تمتد الى بنك انكلترا (البنك المركزي البريطاني) وقد تتسع بشكل خطير لتطيح برؤوس كثيرة.

الآن يمكننا أن نتخيل تأثير ذلك التلاعب في سعر فائدة ليبور، فهو يعني ان أسواق المال دُفعت للاعتقاد بأن المخاطر وتكلفة الاقتراض أقل مما هي عليه، وذلك يعني أن المصارف في أنحاء العالم قد تكون أقرضت باسعار فائدة منخفضة وربما سجلت خسائر كبيرة.

من هو الخاسر الأكبر اليوم؟

قد يكون هناك الكثير من الخاسرين الذين بنوا مواقعهم استنادا الى سعر فائدة ليبور مزيف، لكن الخاسر الأكبر اليوم هو المصداقية والثقة في أسواق المال وبشكل خاص مصداقية مركز لندن المالي، وهو الأكبر بين المراكز المالية العالمية.

أسعار فائدة ليبور ليست مجرد رقم تتداوله المصارف أو بين المصارف وعملائها من أصحاب الثروات الكبيرة، فهي تؤثر على زبائن تجارة التجزئة والموظفين ومالكي البيوت والمتقاعدين وعلى جانب كبير من التعاملات الاقتصادية في انحاء العالم. لكن الازمة قد تمتد الى مراكز مالية أخرى بعد أن وضع الجميع تحت المجهر.

وإذا فقد المقرضون والمقترضون والمحللون والسلطات المالية ثقتهم بالمصارف، فسنكون بمواجهة أزمة ثقة كبيرة، قد تتحول الى أزمة عالمية وتنتقل التحقيقات من مصرف الى آخر ونشهد سلسلة طويلة من الفضائح وإقالات مدراء المصارف وربما المسؤولين الحكوميين، وقد نشهد عددا كبيرا من طلبات التعويض التي سترفع ضد المصارف.

كما أننا يمكن أن نشهد حركة نزوح واسعة بعيدا عن كل الاصول والادوات المالية المربوطة بأسعار فائدة ليبور... وباختصار فأن الأزمة يمكن أن تؤدي الى أزمة مالية عالمية كبرى.

القضية الاساسية اليوم هي أن اسعار فائدة ليبور نظام غير متماسك وفيه عيوب كثيرة، وهو يعتمد على التقديرات! والتقديرات أمر في غاية الصعوبة، خاصة حين تصاب الاسواق بالتوتر والهلع وانحسار السيولة.