أزمة سياسية تطرق بقوة أبواب لبنان قبل الانتخابات البرلمانية

غليان في الشارع وشتائم في الأوساط السياسية

بيروت - تسود الشارع اللبناني حالة من التوتر على خلفية انتشار مقطع فيديو لوزير الخارجية جبران باسيل يصف فيه رئيس البرلمان نبيه بري بـ"البلطجي"، وسط دعوات للتهدئة تبناها رئيس الحكومة سعد الحريري.

وانتشر أنصار بري ببعض شوارع العاصمة بيروت وقطعوا الطرقات لبعض الوقت، بإشعال الإطارات المشتعلة، احتجاجا على تصريحات باسيل الذي حاول احتواء الموقف، معربا عن أسفه إزاء الوصف.

وقالت مصادر أمنية إنه سُمع دوي إطلاق نار لدى تجمع أنصار بري للاحتجاج قرب مكاتب التيار الوطني الحر الذي أسسه عون قرب منطقة جديدة المسيحية بشرق بيروت مما أدى إلى انتشار جنود في المنطقة للحيلولة دون وقوع اضطرابات أخرى.

وانتشر فيديو لجبران باسيل الاثنين، يصف فيه بري بـ"البلطجي" خلال لقاء مغلق مع بعض أنصاره في بلدة محمرش البترون شمالي لبنان، حيث قال "حُكمنا بلا عدالة في الاقتصاد والإدارة ووصل الأمر للاغتراب، هيدا بلطجي مش رئيس مجلس نواب"، على خلفية اتهام بري بإيعاز أنصاره بمقاطعة مؤتمر للطاقة بأبيدجان خلافا لرغبة باسيل.

ورد وزير المال علي حسن خليل المحسوب على بري بالقول "صهر قليل الأدب وكلامه نعيق الطائفيين"، في إشارة إلى زواج باسيل من ابنة الرئيس اللبناني ميشال عون.

وكتب خليل على صفحته بموقع "تويتر"، إن كلام باسيل "ليس تسريبا، بل هو خطاب الانحطاط ونعيق الطائفيين، أقزام السياسة الذين يتصورون أنهم بالتطاول على القادة يحجزون موقعا بينهم".

وقال مصدر سياسي قريب من بري إن الخلافات مع عون "مفتوحة على كل الاحتمالات إلى حد شل البلد"، لكنه لم ير أي خطر على السلم في البلاد. وقال المصدر "لن نسمح بإعادة الفوضى".

وسارع رئيس الحكومة سعد الحريري إلى محاولة احتواء الموقف، مؤكدا أنه سيكمل "جهوده في سبيل التهدئة"، لأن البلاد "ليست بحاجة إلى تصعيد ولا إلى تأزيم".

وأضاف الحريري في تصريحات عقب اجتماعه الاثنين بعون "قابلت فخامة الرئيس وأكدنا على التهدئة التي يجب أن تحصل في هذا الجو".

وتابع "حصل هناك اعتذار من قبل الوزير باسيل، فلندع الأمور عند هذا الحد ومع الوقت نأمل أن تحصل التهدئة".

بدورها، اعتبرت حركة أمل (الحزب الذي يتزعمه بري) كلام باسيل دعوة "مفتوحة للفتنة".

وفور انتشار الفيديو، أعرب جبران باسيل عن أسفه إزاء ما جاء في الفيديو في اتصال مع جريدة الأخبار المحسوبة على حزب الله.

وقال إن هذا الكلام "خارج عن أدبيّاتنا وأسلوبنا في الكلام وقد جاء نتيجة المناخ السائد في اللقاء، مهما تعرضنا له فإننا لا نرضى الانزلاق بأخلاقياتنا".

وفيما قال خليل في اتصال مع الصحيفة ذاتها، إن "الخطوط الحمراء سقطت. إنهم يأخذون البلد إلى مواجهة لا نريدها، لكننا جاهزون لها أيا يكن شكلها".

وأضاف "كنا نعتقد أن رئيس الجمهورية في منأى عما يدور، لكن ما جرى يظهر أنه طرف".

وبدأت العلاقة المتوترة بين أمل والوطني الحر على خلفية توقيع عون والحكومة مرسوم أقدمية الضباط (ترقية) من دون توقيع وزير المال، الأمر الذي اعتبره بري "تعديا صارخا" على الدستور.

حزب الله يدعم بري

ورفض حزب الله ما وصفه بأي إهانة لبري. وقال في بيان إن هذه اللغة تأخذ البلاد صوب أخطار هي في غنى عنها.

ويأمل الحريري في الحصول على دعم دولي لقوات الأمن اللبنانية في مؤتمر يعقد بروما في فبراير/شباط كما يأمل بالحصول على مليارات الدولارات في شكل استثمارات في اقتصاد لبنان المتعثر في مؤتمر يعقد في باريس أواخر مارس/آذار أو مطلع ابريل/نيسان.

ويقول محللون إن الخلاف بين عون بري قد يستمر حتى الانتخابات البرلمانية أو بعدها.

ويقول بري إن توقيع عون على مرسوم ترقية الضباط دون توقيع وزير المالية يناقض الدستور اللبناني واتفاق الطائف الذي حد من سلطات الرئيس المسيحي.

ويقول عون وهو معارض لاتفاق الطائف عندما تم الاتفاق عليه في عام 1989- إنه لم يخالف الدستور.

ومن المتوقع أن تجري الانتخابات البرلمانية وهي أول انتخابات تشريعية في لبنان منذ العام 2009 في كل الأحوال.

وقد أرجأت الحكومة مرارا الانتخابات بسبب الخلافات السياسية حول قانون الانتخاب. ويهدف باسيل (47 عاما) وهو رئيس التيار الوطني الحر الذي أسسه عون إلى الحصول على مقعد في البرلمان في الانتخابات.

وفاز التيار الوطني الحر بأكبر عدد من المقاعد المسيحية في انتخابات عام 2009.

وقال راجح الخوري وهو كاتب في صحيفتي النهار والشرق الأوسط "بلا ريب أن الامور ذاهبة إلى المزيد من التصعيد لسببين: الأول المباشر أننا نحن عشية الانتخابات النيابية وهناك صراع على جمع الشعبويات واللغة التي تجمع الشعبويات هي لغة غير منطقية وتحك على العواطف عند الناس"

وأضاف "الأمر الثاني أن هناك خلافا على السلطة والمسؤوليات في إطار السلطة وأين تبدأ الصلاحيات وأين تنتهي وكيف نفسر الدستور وللأسف أصبح تفسير الدستور وجهة نظر".

عداء قديم

وأثار عداء قديم بين الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري أزمة سياسية تهدد بإصابة الحكومة بشلل وإشعال التوتر الطائفي في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية في مايو/أيار.

ويعكس النزاع بين عون وهو مسيحي وبري وهو من الشيعة عداء شخصيا تعود جذوره إلى الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990 كما أنه يمس توازن القوى بين الطوائف في النظام السياسي اللبناني.

وتفاقمت الأزمة منذ ديسمبر/كانون الأول 2017 عندما وقع عون مرسوما يقضي بترقية العشرات من ضباط الجيش الموالين له بدون توقيع وزير المالية الشيعي علي حسن خليل وهو عضو في حركة أمل التي يتزعمها بري ومن أقرب معاونيه.

وقال بري إن عون تجاوز سلطاته على حساب الطوائف الأخرى بقيامه بترقية ضباط موالين له.

وأدى هذا الخلاف إلى تبديد لحظة الوحدة الوطنية النادرة التي أنقذت لبنان من الصراع خلال الأزمة التي نجمت عن استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري المفاجئة في نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

وكان عون وبري وكلاهما في الثمانينات من العمر على طرفي نقيض ابان الحرب الأهلية. وقد انتهت الحرب في العام 1990 عندما أجبر الجيش السوري عون الذي كان يترأس إحدى الحكومتين المتنافستين على مغادرة القصر الرئاسي إلى المنفى.

وخرج بري من الحرب الأهلية كأحد أقوى الشخصيات في لبنان. وعاد عون إلى البلاد في عام 2005 عقب انتهاء فترة الهيمنة السورية بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري والذي أدى إلى ضغط دولي على دمشق لسحب قواتها من لبنان.

وبدعم من تحالفه مع حزب الله حقق عون أخيرا طموحه منذ فترة طويلة بأن يصبح رئيسا للبلاد في عام 2016 في صفقة أدت إلى تولي سعد الحريري منصب رئيس الوزراء. وكان بري ونواب حركة أمل من بين قلة لم تؤيد ترشيح عون.

وتعاون عون وبري بشكل وثيق للمساعدة في حل الأزمة الناجمة عن استقالة الحريري غير المتوقعة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.