أزمة تونس في تنامي المطالب الاجتماعية مقابل امكانيات محدودة

وضع اقتصادي صعب ينعكس توترات في الشارع التونسي

خلت الذكرى السابعة للثورة التونسية التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق بن علي من أي مظاهر احتفالية على خلاف السنوات الماضية نتيجة على الأرجح للأزمة المالية التي تمر بها تونس ونظرا لتزامن الذكرى مع موجة احتجاجات عارمة على الغلاء.

وكانت الاحتجاجات الأحد التي تزامنت مع الذكرى السابعة للثورة محدودة مقارنة باحتجاجات عنيفة خلال الأيام الماضية.

وبدت المدن التونسية بما فيها تونس العاصمة وكأنها تضللها مسحة من الكآبة تستبطن إحباطا كثيرا ما تغذى من أزمة حادة على مختلف المستويات ما حول الذكرى إلى ما يشبه حالة باهتة سياسيا وشعبيا.

ولم تترك زيارة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى حي التضامن أكبر الأحياء الشعبية المحيطة بالعاصمة، أثرا لدى أهالي الحي رغم اعلانه عن حزمة اجراءات اجتماعية لفائدة العائلات ضعيفة الدخل. كما لم تغير زيارة رئيس الحكومة يوسف الشاهد لمنطقة الدندان قرب العاصمة من حالة اليأس والاحباط التي يشعر بها معظم التونسيين.

ويقول سامي بن عاشور أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية "بالتأكيد أن تونس تشهد أزمة سياسية نتيجة إخفاق الحكومات المتعاقبة وليس حكومة الشاهد فقط في إدارة مؤسسات الدولة والتفاعل الإيجابي مع مشاغل التونسيين".

وأضاف "إنها أزمة حكم وليست أزمة حكومات ويجب أن نتعاطى معها بناء على هذا التحليل".

وشدد في حديث لمراسل ميدل ايست أونلاين على أن الأزمات السياسية سواء في البلدان العربية أو حتى في البلدان المتقدمة تغذيها عوامل أخرى غير سياسية من بينها تدني أداء الاقتصاد والاحتقان الاجتماعي وطبيعة الثقافة الاستهلاكية وهو ما يدفع حتما لتنامي المطالب الاجتماعية.

ويتناسق هذا التحليل مع اراء مختصين في علم التنمية الاجتماعية ترى أنه من الإجحاف التعاطي مع الأزمة وفق مقاربة علمية تسلط الضوء على مختلف الجوانب بما فيها استشراء ثقافة الاستهلاك وتنامي المطالب الاجتماعية.

وتقول ريم بن جدو المختصة في علم التنمية إن "الأزمة لم تحظ بالتحليل العميق لا من قبل الطبقة السياسية ولا من الأخصائيين ما أعطى الانطباع بأنها أزمة حكومة والحال أنها ناجمة عن عدة عوامل ساهم في تعميقها ضعف الأداء الحكومي وثقافة المطلبية في ظل محدودية الثروات".

وأضافت أن "الانكماش الاقتصادي والتحولات الاجتماعية مقابل نزعة استهلاكية لدى التونسيين ساهم في إفراز تداعيات سلبية على نظام الحكم وعلى الأوضاع الاجتماعية لتتعمق فجوة بين الإمكانيات المحدودة للبلاد وبين ارتفاع سقف المطالب الاجتماعية".

واشارت إلى أنه في ظل نسبة نمو لا تتجاوز 2.1 بالمئة وعجز موازنة الدولة بنحو 6 بالمئة وتفاقم الدين الخارجي إلى نحو 69.9 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي وتراجع احتياطات العملة الصعبة إلى مستويات قياسية وارتفاع نسبة التضخم إلى نحو 5 بالمئة فإن الأزمة تتجاوز الحكومة.

والقت هذه المؤشرات بضلالها السلبية على الأوضاع الاجتماعية خاصة لجهة ارتفاع معدل الفقر إلى نحو 20 بالمئة والبطالة إلى 15 بالمئة.

ويقول يوسف شقرون الاخصائي في علم الاجتماع السياسي إن الفقر يغذي الاحتجاجات الاجتماعية لكنه ليس العامل الوحيد المسبب للاحتقان الاجتماعي.

لكنه أوضح أن اللافت منذ انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 أن الهوة الاجتماعية ازدادت اتساعا، دعيا إلى ضرورة التمييز بين الفقر والإحساس بالحرمان.

وقال يوسف شقرون "بعد سبع سنوات لا نبالغ إذا ما استخدمنا مفهوم الثقافة المطلبية بعد أن تحولت إلى ظاهرة اجتماعية سياسية".

وتساءل "هل من المعقول أن يطالب الأطباء والكوادر الإدارية العليا بالزيادات في اجور تتراوح أصلا ما بين 3000 و4000 دينار 1200) ـ 1800 دولار) بينما تتراوح أجور العمال وصغار الموظفين ما بين بين 400 و800 دينار (180و350 دولار) فيما لا يتجاوز دخل العائلات المعوزة 50 دولار شهريا.

وتقول هاجر بن صالح المتخصصة في عمليات سبر الآراء إن "ثقافة المطلبية تعني أن التونسي لا يكتفي ما يكفيه"، مستشهدة هنا بمقولة "إذا كان ما يكفيك لا يكفيك فإن مال الدنيا لا يكفيك" ومشددة على ان "التونسي يمتلك شراهة تكاد تكون لا محدودة بشأن التمتع برغد العيش حتى وإن أدى الأمر إلى أن تتجاوز نفقاته دخله الشهري".

وترى أن "ظاهرة الثقافة الاستهلاكية انتشرت في تونس بشكل لافت".

واعتبرت أن ذلك "يعد مؤشرا قويا على أن جزء من التونسيين وعلى الرغم من أنهم ينعمون برغد العيش فإنهم لا يستنكفون من المطالبة بالترفيع في الأجور ويحتجون على الترفيع في الأسعار والغريب أنهم مسنودين إما من قبل نقابات خاصة مثل عمادة الأطباء وعمادة المهندسين وعمادة خبراء المحاسبة أو من قبل اتحاد الشغل".