أزمة الكهرباء في غزة: اربعة 'كبار' يهددون السكان في لقمة عيشهم

السياسيون يضيّعون شعبهم

غزة ـ يتضرر اقتصاد غزة حالياً بجميع قطاعاته، من المصانع إلى صناعة صيد الأسماك، من جراء استمرار نقص الوقود وانقطاع التيار الكهربائي منذ أكثر من شهرين، ما يؤثر سلباً على سبل عيش سكان القطاع البالغ عددهم 1.6 مليون نسمة. فمادلين كلاّب، المرأة الوحيدة في قطاع غزة التي تعمل بصيد السمك، تحتاج إلى 20 لتراً من الوقود يومياً لكسب رزقها في عرض البحر، ولكن نظراً لعدم قدرتها على تحمل هذه الكلفة، انخفض صيدها إلى النصف ليصبح 1.5 كيلوغراماً في اليوم الواحد. وتخبر مادلين أنها بدأت الصيد مع والدها عندما كانت في السادسة من العمر، ولكن بدون وقود تكاد لا تستطيع البقاء على قيد الحياة".

فقد أثرت أزمة الوقود المستمرة منذ 10 أسابيع على توليد الطاقة، واضطرت محطة توليد الكهرباء في غزة التي تعمل بوقود الديزل إلى قطع التيار الكهربائي لمدة تصل إلى 12 ساعة يومياً. فيعاني ثابت طرطوري، الذي يدير مطعماً على شاطئ البحر في مدينة غزة، من ارتفاع كلفة الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية التي تلتهم دخله. ويقول أنه لا يحصل على أي ربح في الوقت الراهن. فهو ينفق دخله على الغذاء ومن أجل البقاء على قيد الحياة فحسب.

في هذا السياق، حذر راميش راجاسينغام، رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في الأرض الفلسطينية المحتلة، من أن انقطاع التيار الكهربائي "يعطل تقديم الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والرعاية الصحية".

والجدير بالذكر أن محطة الكهرباء الوحيدة في غزة اضطرت إلى التوقف عن العمل في 14 فبراير/شباط بسبب نقص الوقود الذي كان يتم استيراده في السابق بكميات تصل إلى مليون لتر يومياً، وتهريبه عبر أنفاق تحت معبر رفح الحدودي المصري.

ووفقاً لتقديرات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، لا تتجاوز الكمية التي تصل الآن الـ100 الف لتر يومياً.

ويعود هذا الانخفاض الكبير إلى حملة شنتها السلطات المصرية للحد من عمليات تهريب الوقود في شبه جزيرة سيناء، والتي كانت تقوم بها القبائل البدوية مستغلةً حالة انعدام الأمن في أعقاب سقوط حسني مبارك لتوسيع نفوذها.

ويتم حالياً ضخ الوقود من شاحنات على الجانب المصري إلى غزة عبر أنابيب في الأنفاق. وكانت حكومة حماس في غزة قد بدأت باستخدام الأنفاق بعد أن فرضت إسرائيل حصاراً ضيقاً على القطاع في منتصف عام 2007.

ورغم تخفيف القيود المفروضة من قبل إسرائيل في عام 2010، استمرت تلك التجارة لأن الوقود المصري أرخص بكثير.

ووفقاً لمجلة السياسة الخارجية، ثمة نوعان من الأنفاق، تلك التي تخضع للضرائب وتسيطر عليها حماس، وأخرى غير تابعة للحركة. ولكن في كلتا الحالتين توفر بلدية رفح التوصيلات الكهربائية، مقابل دفع المهربين لرسوم الترخيص.

الحل

ويحاول كل طرف في هذه اللعبة الضغط على الطرف الآخر، ومصر واقعة في الوسط وتحاول حل المشكلة، غير أنها أيضاً حذرة وغاضبة من حماس لأن التهريب عبر الأنفاق قد سبب لها المتاعب. ثمة أطراف عديدة في المشكلة نفسها، وهذا يجعلها شديدة التعقيد.

وماذا يفعل الفقراء؟
ويكمن أي حل مستدام للأزمة الحالية في اتفاق بين اللاعبين الرئيسيين الأربعة: حماس والسلطة الفلسطينية وإسرائيل ومصر.

وتوسطت مصر مؤخراً للتوصل إلى اتفاق تقوم بموجبه حماس بتوجيه المال إلى شركة إسرائيلية من خلال السلطة الفلسطينية، نظراً لعدم وجود صلات مباشرة بين إسرائيل وحماس.

وفور إتمام الدفع، تقوم الشركة الإسرائيلية بتسليم الوقود عن طريق معبر كيرم شالوم (كرم أبو سالم) إلى غزة. وقال مسؤولون فلسطينيون في رام الله أن ما تم دفعه حتى الآن يصل إلى 8.9 مليون دولار. نتيجةً لذلك، تم تسليم حوالى 6.1 مليون لتر من الوقود في 13 شحنة منفصلة إلى محطة توليد الكهرباء في غزة عبر معبر كيرم شالوم خلال الفترة الممتدة بين 4 و 23 أبريل، وفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). ولكن سعر الوقود الآتي من إسرائيل يصل إلى ضعف سعر الوقود المهرب من مصر.

وتحتاج محطة توليد الكهرباء في غزة إلى أكثر من 400 الف لتر من وقود الديزل يومياً، وهي تشغّل الآن إثنتين فقط من توربيناتها الأربعة، وتنتج 35 ميغاواط بدلاً من 80 إلى85 ميغاواط.

و تمكنت من تقليل فترة انقطاع التيار الكهربائي التي كانت تصل إلى 18 ساعة يومياً في شهري فبراير/شباط ومارس/اذار.

واشار راجاسينغام من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى أنه "لا بد من إيجاد حل شرعي لنقل وقود كافٍ لضمان استمرار الخدمات الأساسية". غير أن الجهود الإنسانية، وفي ظل غياب هذا الحل، تمكّنت من توفير بعض الراحة على المدى القصير. فقدمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 2 أبريل/نيسان 150 الف لتر من الوقود لاستكمال احتياطيات الوقود الخاصة بمستشفيات غزة لمدة أسبوعين تقريباً.

وأشار غسان الخطيب، أحد كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية إلى أن "الاتفاق الحالي ليس بحلٍ على المدى الطويل، فهو يخدم سكان غزة فقط إلى أن يتم إيجاد حلول أخرى".

وأضاف أنه لا يمكن التوصل إلى حل مستدام إلا من خلال شروط اتفاق سابق بين مصر وحماس تم الإعلان عنه في 23 فبراير، "وهذا يشمل مد خط أنابيب غاز من مصر إلى قطاع غزة وربط شبكتي الكهرباء مع بعضهما البعض. ولكن العمل فيه سيستغرق ما لا يقل عن ثمانية أشهر". ومع ذلك، ما زالت شروط تنفيذ هذا الاتفاق، إذا تم تنفيذه، غير واضحة.

تبادل اللوم

يقول عبد المنعم سعيد، رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر، أن كل طرف في هذه اللعبة يحاول الضغط على الطرف الآخر، ومصر واقعة في الوسط وتحاول حل المشكلة، غير أنها أيضاً حذرة وغاضبة من حماس لأن التهريب عبر الأنفاق قد سبب لها المتاعب.

ثمة أطراف عديدة في المشكلة نفسها، وهذا يجعلها شديدة التعقيد". أما سامي أبوسلطان، أحد مسؤولي الإغاثة الإنسانية في قطاع غزة، فأشار إلى أن الحكومة المصرية غير راغبة في قبول المسؤولية عن أزمة الطاقة في غزة، وتقوم بتحميل المسؤولية لإسرائيل لأنها تسيطر على كيرم شالوم، المدخل الرئيسي للقطاع. "فمن الواضح بالنسبة لمصر أن إسرائيل تحاول دفع المسؤولية عن قطاع غزة باتجاهها".

ووفقاً لأحمد أبوالعمرين، المتحدث باسم سلطة الطاقة في قطاع غزة، تعترض حماس على أي حل تشارك فيه إسرائيل، بحجة أن هذا يمكن أن يعطي إسرائيل الفرصة لخفض الإمدادات في أوقات التوتر السياسي، لذا تريد تجارةً مباشرةً مع مصر عبر معبر رفح بدلاً من ذلك.

ويرى المحللون أن هذا من غير المرجح أن يحدث. فيفيد عبدالمنعم سعيد في هذا السياق "لا مصلحة لمصر في تسليم الوقود مباشرة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح أو أنفاق تحت الأرض، فمعبر رفح مخصص للأفراد وليس للبضائع، والأنفاق ليست وسيلة مقبولة للنقل". وأضاف أبو العمرين أنه من المتوقع أن ترسل قطر بعض الوقود أيضاً، "فثمة سفينة محملة بنحو 30 مليون لتر من الوقود كهبة من دولة قطر تنتظر حالياً في ميناء السويس ... والمفاوضات جارية مع مصر لتسهيل تسليمها إلى قطاع غزة".

وفي هذه الأثناء، يمارس نواب في البرلمان المصري بعض الضغوط أيضاً. وقال عبدالعزيز نجيدة، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشعب: "إننا، في البرلمان المصري، نحاول الضغط على الحكومة للتحرك من أجل نصرة شعب غزة. وأعتقد أن معبر رفح هو خيار متاح، لأنه ببساطة أسرع طريق". وفي السياق نفسه، تؤيد وزارة الشؤون الخارجية الإسرائيلية عقد صفقة مباشرة بين مصر وحماس، وتنفي أي مسؤولية عن أزمة الطاقة. ويرى مراقبون أن تلك الصفقة ستتماشى مع مصلحة إسرائيل المشتركة مع مصر بشأن الأخطار القادمة من قطاع غزة والتي تهدد الاستقرار.

من جهته أعلن ييغال بريمور، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية: "لسنا معنيين على الإطلاق بهذه الأزمة، فنحن لا نتحمل المسؤولية، ونعتقد أنه ينبغي تزويد غزة بالوقود مباشرة من مصر. هذا من شأنه أن يجعل الأمور أسهل بكثير." أما سمير زقوت، منسق وحدة البحث الميداني في مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة، فذكر أن "لكل لاعب دور في هذه الأزمة، فإن عدنا إلى أساس المشكلة، علينا أن نسأل لماذا قررت حماس أن تعتمد على الوقود المهرب من مصر".(ايرين)