أزمة الكركرات تُعدّل بوصلة موريتانيا

الرباط ونواكشوط تتجهان لتجاوز الفتور الدبلوماسي والتأسيس لعلاقات أوثق وتعزيز التعاون الثنائي، فيما يعتزم العاهل المغربي القيام بزيارة تاريخية لموريتانيا هي الثانية من نوعها إلى الجارة الجنوبية.


واقعية الملك محمد السادس تنهي أوهام البوليساريو


زيارة مرتقبة للملك محمد السادس لموريتانيا من شأنها اعطاء دفعة قوية لعلاقات التعاون


استقبال موريتاني فاتر لوفد البوليساريو


تفكك أحزمة الدعم تضيّق الخناق على البوليساريو


أزمة الكركرات تسقط أقنعة الجزائر والبوليساريو

تونس - عدّلت أزمة الكركرات الأخيرة بوصلة موريتانيا التي وقفت على الحياد الايجابي على رغم من الضرر الذي لحق باقتصادها جراء إغلاق ميليشيات البوليساريو المعبر الذي يعتبر شريانا حيويا للبلد الواقع جنوب المملكة المغربية والذي يعتمد بشكل كبير على انسياب حركة البضائع عبر المنفذ التجاري، حلقة الوصل إلى العمق الإفريقي.

ومن المتوقع أن تشهد العلاقات المغربية الموريتانية تحسنا كبيرا في قادم الأيام حيث يقوم العاهل المغربي الملك محمد السادس قريبا بزيارة إلى موريتانيا لإعطاء دفعة قوية للتعاون المشترك، فيما أبدى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني رغبته في تعزيز العلاقات والرقي بها إلى حجم تطلعات الشعبين.

وتُجمع كل المؤشرات على أن الرباط ونواكشوط في طريقهما لتجاوز الخلافات العالقة وحالة الفتور الدبلوماسي التي اعترت العلاقات بين الجارين خلال حكم الرئيس السابق محمد ولد عبدالعزيز.

ومن المتوقع أن تتلقى البوليساريو صفعة دبلوماسية قوية مع الفتور الذي باتت تتعامل به الحكومة الموريتانية مع الانفصاليين. وأثبتت السياقات السياسية والدبلوماسية أن الانفصاليين يفقدون مع مرور الوقت كل أحزمة الدعم والاعترافات الرمزية الإفريقية بالجبهة الانفصالية.

وتتبع المملكة المغربية دبلوماسية هادئة مكنت من تعزيز العلاقات مع دول الاتحاد الإفريقي وسحب البساط من تحت أقدام الكيان غير الشرعي جبهة البوليساريو مع توالي سحب دول افريقية الاعتراف بما يسمى بالجمهورية العربية الصحراوية ومع افتتاح عدد مهم من القنصليات في مدينتي الداخلة والعيون بالأقاليم الجنوبية للمملكة.

وارتفع عدد الدول التي لا تعترف بالكيان الانفصالي غير الشرعي حتى الآن إلى 163 دولة مع سحب أكثر من 50 دولة اعترافها بما يسمى الجمهورية الصحراوية.

وكان المغرب قد اعتمد قانوني ترسيم الحدود البحرية والجرف القاري بالإقليم وهو خطوة أخرى وجهت صفعة للبوليساريو وعززت من مغربية الصحراء التي احتضنت فعاليات سياسية ورياضية دولية وإقليمية.

المقاربة التي اعتمدها الملك محمد السادس عززت مغربية الصحراء وأقنعت دولا افريقية بسحب الاعتراف بالكيان غير الشرعي وبما يحشر البوليساريو وحاضنتها الجزائر والطروحات الانفصالية في الزاوية

ومارست الجزائر طيلة السنوات الماضية ضغوطا على موريتانيا للحيلولة دون تحسن العلاقات مع المغرب، لكن منذ نحو سنيتين تقريبا شهدت العلاقات تطورا نوعيا نتيجة اتصالات وزيارات متبادلة بين ممثلين عن البلدين بلغت ما لا يقل عن 42 زيارة.

وعبر المغرب وموريتانيا الأسبوع الماضي عن "ارتياحهما الكبير" للتطور المتسارع في مسيرة التعاون الثنائي بينهما.

وجاء ذلك في اتصال هاتفي أجراه الملك محمد السادس مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وفق بيان للديوان الملكي المغربي.

وحسب البيان، فإن قائدي البلدين عبرا عن "ارتياحهما الكبير للتطور المتسارع الذي تعرفه مسيرة التعاون الثنائي وعن رغبتهما الكبيرة في تعزيزها والرقي بها، بما يسمح بتعميق هذا التعاون وتوسيع آفاقه وتنويع مجالاته"، مضيفا أن الاتصال الهاتفي كان مناسبة تطرق فيها "قائدا البلدين إلى آخر التطورات الإقليمية".

كما عبر العاهل المغربي عن استعداده للقيام بزيارة رسمية إلى موريتانيا، موجها في الوقت نفسه الدعوة إلى الرئيس الموريتاني لزيارة الرباط.

وأعلنت الرباط كذلك استئناف حركة النقل مع موريتانيا عبر معبر الكركرات، إثر تحرك للجيش المغربي أنهى إغلاق المعبر من جانب عصابات البوليساريو منذ 21 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وقد أُسقط بيد البوليساريو التي سارعت بإرسال وفد يقوده محمد سالم ولد السالك وزير خارجية ما يسمى زورا بالجمهورية الصحراوية ناقلا رسالة خطية من أمين عام الجبهة كبير الانفصاليين إبراهيم غالي إلى الرئيس الموريتاني.

المغرب نظم فعاليات سياسية ورياضية وتنموية في كبرى مدن الصحراء المغربية لاقت استحسانا دوليا واقليميا
المغرب نظم فعاليات سياسية ورياضية وتنموية في كبرى مدن الصحراء المغربية لاقت استحسانا دوليا واقليميا

وكان لافتا الاستقبال الفاتر لوفد البوليساريو على خلاف العادة بسبب انتهاكات الجبهة الأخيرة والتي تشكل في مجملها تهديدا للسلم والأمن في المنطقة والتي قابلها المغرب بتحرك مدروس وجراحي أنهى إغلاق معبر الكركرات دون نية للقتال ولكن أيضا بحزم وضع حدّا لتمادي الانفصاليين في جرائمهم.

 وعلى خلاف ما جرت عليه العادة لم تكشف موريتانيا عن فحوى الرسالة الخطية في تجاهل واضح لوفد إبراهيم غالي وفي رسالة مضمونة الوصول للجزائر الداعمة للانفصاليين.

كما لم تحظ الزيارة بهالة إعلامية إلا في منصات الجبهة ووسائل إعلام جزائرية روجت لتقارب بين نواكشوط والبوليساريو، لكن اتضح أن الصور التي نشرت للقاء ولد السالك بالرئيس الموريتاني صور من مناسبة قديمة.

ونقلت وكالة الأنباء الموريتانية فقط عن ولد السالك قوله عقب لقائه بالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني "نشكر جزيل الشكر فخامة رئيس الجمهورية على هذا الاستقبال، سلمنا لفخامة الرئيس رسالة من أخيه الرئيس إبراهيم غالي، حول آخر تطورات القضية الصحراوية وحول العلاقات الثنائية"، مضيفا "تعتقد الجمهورية الصحراوية أن الاستقرار والأمن في المنطقة مرتبطان باحترام الحدود وعلى العدل وعلى الحق".

وقال ولد السالك إن "الجمهورية الصحراوية ستعمل في هذا الاتجاه كعضو في الاتحاد الإفريقي وعلى أساس أن العلاقات تكون مبنية على الاحترام المتبادل وعلى المصالح المشتركة".

وتابع "الشعب الصحراوي الذي يعمل من أجل السلام ويكافح من أجل حقوقه، سيبقى دائما من أجل أن يكون السلام مبنيا على العدالة وعلى احترام الحدود والوحدة الترابية لكل مكونات المنطقة".

العاهل المغربي عمل على ثلاث جبهات داخلية ودولية وإقليمية ضمن مقاربة سياسية وتنموية وأمنية شاملة لتعزيز مغربية الصحراء وتحصين الأقاليم الجنوبية للمملكة وربطها بفضائها وعمقها الافريقي   

وتعكس تلك التصريحات حرصا من الانفصاليين على الإيحاء بدور الضحية في أزمة الكركرات وللإيهام بأن المغرب لم يحترم اتفاق وقف إطلاق النار والحال أن من بادر بإحداث الفوضى في المعبر الحيوي هي عصابات الجبهة التي أغلقته طيلة ثلاثة أسابيع التزمت خلالها المملكة بضبط النفس ولم تتحرك إلا حين تمادى الانفصاليون في انتهاكاتهم واستفزازاتهم.

وكان خطاب الملك محمد السادس واضحا في سياق إعادة الاستقرار للمعبر ووضع حدّ لانتهاكات الجبهة في إطار ما تضمنه القوانين الدولية وفي إطار حق المملكة في الحفاظ على أمنها ووحدتها الترابية.

ولم يصدر أي اعتراض دولي ولا إقليمي على التحرك المغربي باستثناء الجزائر التي سارعت للتنديد بما اعتبرته انتهاكا لوقف إطلاق النار بعد أن لزمت الصمت حيال خروقات البوليساريو وتهديدها للسلم والأمن في المنطقة.

ويؤكد الوزير المغربي السابق مصطفى الخلفي أن المغرب بات إزاء مرحلة جديدة في تاريخ قضية الصحراء المغربية، مضيفا أن هذه المرحلة "تتمثل في أن المغرب لن يقف مكتوف الأيدي إزاء العبث الانفصالي بمنطقة شرق الجدار الرملي" (المنطقة العازلة على الحدود الشرقية للإقليم تنتشر فيها قوات أممية).

وأوضح أن "التحرك المغربي لفتح معبر الكركرات لقي إشادة وتقديرا كبيرين من دول عديدة، وتم فيه اتخاذ كل الاحتياطات القانونية والدبلوماسية والسياسية".

وتابع "نحن أمام حل جذري ودائم مسنود بالشرعية الدولية يدل على وجاهة المقاربة المغربية التي انتهجتها بلادنا تحت قيادة العاهل المغربي محمد السادس لحل المشكل".

وقال في مقابلة سابقة مع وكالة الأناضول التركية للأنباء "ما يهمنا بعيدا عن الأوهام أن هناك واقعا جديدا تشكل على الأرض ومرحلة جديدة آخذة في التبلور تؤسس لإنهاء وهم الوصول للانفصال عبر السلاح".

وأشار إلى أن "ردود فعل البوليساريو تعكس هزيمة معنوية قاسية لها ستنهي وهم المراهنة على السلاح لحل النزاع المفتعل"، مضيفا "المغرب يشتغل على ثلاث واجهات لإنهاء الصراع، تتمثل أولهما في الجبهة الدبلوماسية التي حقق فيها انتصارات متتالية أهمها تحييد استغلال الاتحاد الإفريقي للتشويش على بلادنا والاتفاقيات الجديدة مع الاتحاد الأوروبي التي يشمل مجال تطبيقها الأقاليم الجنوبية".

وأوضح أن "الجبهة الثانية داخلية، تتعلق بانخراط البلاد في تنزيل مشاريع تنموية في الصحراء وتفعيل آليات حقوق الإنسان وتقوية البنية التحتية".

أما الجبهة الثالثة فإنها "تتمثل في عمل البلاد ميدانيا على إيقاف كل الاستفزازات شرق الجدار الرملي".