أزمة الخطاب الرسمي العراقي

بقلم: علاء الخطيب

حينما يتعرض الوطن لخطر خارجي يلتف الجميع حوله ليكونوا سوراً منيعاً لحمايته، فالخطر الخارجي يوَّحد الجبهة الداخلية كما يقال، وهذا ما دأبت عليه شعوب العالم.

ولكن لكل قاعدة شواذ فعلى ما يبدو أن العراق كان شاذا ً عن هذه القاعدة فكل شيء ٍ في العراق مختلف، فقد أظهرت الأزمات الثلاث، أزمة ميناء مبارك الكويتي والقصف التركي والقصف الايراني التي يتعرض لها العراق في الوقت الراهن الى تصدع كبير في الجبهة الداخلية وفي الخطاب الرسمي للفرقاء العراقيين. فالخطر الخارجي يفكك الخطاب الرسمي على ما يبدو وينشِّط تجار الأزمات، لذا جاءت تصريحات المسؤولين العراقيين في هذه الأزمات التي تعصف بالعراق مبعثرة، وتوزعت بين التهديد والوعيد وبين الدبلوماسية الخجولة وبين التصريحات الرنانة والسكوت المخجل، والصواريخ الصوتية، مما يعني أن الدولة العراقية غير واضحة المعالم كدولة وأن السياسيين العراقيين يفتقدون للرؤيا السياسية.

في الوقت الذي تبعث فيه الحكومة العراقية بلجان لدراسة تأثيرات ميناء مبارك والقصف التركي والايراني على الوطن وهي الطريقة المثلى لحل النزاعات الخارجية، خصوصاً وان العراق يمر بمرحلة لا يحسد عليها من التصدع والاختلاف والضعف، نرى أن الصواريخ تنهمر على مواقع عمل ميناء مبارك وعلى السفارة الكويتية في المنطقة الخضراء، وتتصاعد حدة التهديدات بوجه إيران وتركيا، على الرغم من إنشاء لجان حكومية لدراسة المواضيع الآنفة، وكل يغني حسب النوته التي وضعها له ملحن الأزمة، أو يريد بتصريحه إغاظة طرف سياسي أو تسقيطه جماهيرياً أو إقصاءه عن الساحة السياسية، أو للحصول على مكاسب سياسية طائفية او قومية، ولا يدخل الوطن في الحسابات في كل هذا.

حتى جاءت حادثة النخيب التي راحت مجموعة من العراقيين الأبرياء ضحية النزاع والتخاصم بين السياسيين، لترتفع أصوات تطالب باسقاط الحكومة وتسقيط طرف سياسي معين مشارك فيها، ولتضع النقاط على الحروف في الخطاب الإعلامي الذي بدا هشاً متهرئاً، حينما يهدد شيخ عشيرة الحكومة ويتحدى الشرطة والجيش وقوى الأمن، أو يخرج نائب برلماني يثير الشارع ويخلق حالة من السجال الهامشي، ويدخلون البلد بدوامات الصراع المفضي الى الفراغ، وينعق الناعقون وراء هذه الأصوات تاركين الوطن يلعق جراحه والمواطن في حيرة وتيه.

جاء هذا الخطاب المبعثر والمتعثر أمام تحديات جسام، وما زالت الاصوات تتعالى بأسقاط الحكومة الساقطة أصلاً والفاقدة لهيبته.

كل هذا يظهر لنا بجلاء ان العراق يحتاج الى مشروع واضح لشكل الدولة، فعلى ما يبدو ان السياسيين لم يتمكنوا من إنتاج خطاب سياسي وإعلامي رسمي قادر على التماشي مع متطلبات المرحلة ومواكب لبناء دولة. فهو خطاب لا يحمل إستراتيجية واضحة، فهناك أزمة حقيقية تكتنف هذا الخطاب، فاليوم تمكن شيخ عشيرة من تهديد سلطة الدولة وأذعنت له، والغد قد يخبأ لنا الكثير من المفاجآت.

فالخطاب الرسمي لا يتسم بالضوابط الأخلاقية وأن لا قواعد للعبة السياسية في العراق، فالفوضى هي السمة الأبرز للخطاب الرسمي.

ولعل المعالجات الأخيرة لميزانية سفرة الرئيس الطالباني الى الأمم المتحدة أظهرت عشوائية الخطاب الرسمي فراح بعض النواب يصرحون للإعلام من أجل الظهور الإعلامي فحسب وليس لشيء آخر، لأنهم لم يطلعوا على حيثيات القضية، والبعض الآخر يصرح من باب الخصومة السياسية، وبالتالي جاءت التصريحات متناقضة ومتباينة. والذي زاد في الطين بلة تصريحات الرئيس نفسه الذي تحدث عن كردستان واعتبرها البعض أنه إنحاز الى قوميته، وفي كثير من الأحيان نرى هذا المشهد يتكرر، على لسان بعض الدبلوماسيين الذين يدلون بتصريحات حول قضية ما كما هو الحال من الحالة السورية والبحرينية، كل هذه الاحداث أنبأتنا عن أزمة حقيقية في الخطاب الرسمي الذي لا تحده ضوابط الدولة ومصالحها، ولا يراعى فيه مصلحة الوطن، ولا يحسب للنتائج المستقبلية التي تترتب على مثل هكذا خطاب.

الذي يدفع الثمن في النهاية الشعب العراقي الحالي والمستقبلي، فنحن نحمل أجيلنا القادمة سيئات أعملنا، فهم منْ سيدفعون ثمن عشوائية الخطاب الرسمي.

علاء الخطيب