أزمات العرب وأزمات إسرائيل

بقلم: ماجد كيالي

استمرأت الخطابات السياسية العربية السائدة تفسير سياسات إسرائيل، إزاء العالم العربي، بمصطلح "الأزمة". والنتيجة الطبيعية، لهكذا خطابات، فإن مآل هذه الدولة المصطنعة، بسبب تناقضاتها وأزماتها، حتماً هو إلى الانهيار والأفول.
بداية لابد من القول بأنه من الطبيعي أن يكون لهذه الدولة أزماتها وتناقضاتها وإشكالياتها، لأسباب ذاتية وموضوعية، ولكن مشكلة هذه الخطابات أنها غالبا ما ترى الأزمة لدى عدوّها، وتفسّر تحركاته بالتهرّب من الأزمات، في حين أنها لا ترى أزماتها أو تناقضاتها أو تهرّباتها هي، هذا أولا؛ وثانيا، فإن هذه الخطابات تحاول أن تسطّح مفهوم الأزمة وأن تتعامل معه بشكل انتقائي او مزاجي أو وظيفي، وليس وفق رؤية استراتيجية متماسكة؛ وثالثا، فإن هذه الخطابات تعوّل على الأزمة لدى العدو، لتأكيد حتميات فشله أو انهياره، أكثر من تعويلها على قدرتها أو على طريقتها في مواجهته؛ ورابعا، أنها تقيم "مساواة" بين غير "متساوين"، فكما للعدو أزماته فنحن لدينا أزماتنا! ولا يقتصر الجدل بشأن الأزمة على الشأن السياسي أو العسكري وإنما هو يشمل الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية..الخ
ومن باب تفحّص مصطلح "الأزمة"، لإدراك أبعاده ومفاعليه، فإنه من المفيد عقد مقارنة بين أزمات إسرائيل وأزمات العرب، من حيث الكم والنوع.
فمن الناحية السياسية، مثلا، يجري الحديث عن أزمات سياسية في إسرائيل لمجرد سقوط حكومة، أو لمجرد خروج حزب أو حتى وزير منها، في حين أن الإسرائيليين يرون في ذلك دليلا على حيوية نظامهم السياسي الديمقراطي التعددي، ودليلا على حسن إدارتهم لخلافاتهم وتناقضاتهم، وإعطائهم أولوية للحفاظ على سلامة دولتهم وشعبهم. في حين أن الأمر على الجانب العربي يبدو مفتقرا، على الأغلب، للحد المناسب من مقتضيات الديمقراطية وإدارة المصالح الوطنية، كما أنه يفتقر أساسا للشرعية.
ومثلا، فإن بعض المتحدثين عن الأزمة في العالم العربي يشيرون إلى هجرة الشباب من إسرائيل وهروب رؤوس الأموال منها وتفاقم البطالة أو تدني مستويات المعيشة فيها، بينما في واقع الحال فإن إسرائيل تشهد مزيدا من الهجرة إليها (برغم الانتفاضة) وهي مازالت دولة جاذبة للاستثمارات الخارجية واقتصادها مازال يحافظ على عافيته (وإن بمستويات أقل من السابق)، وهي تستوعب مئات ألوف العمال من بلدان أوروبا الشرقية (عدا عن الفلسطينيين)، أما بالنسبة لمستوى المعيشة، فكل ما في الأمر أن دخل الفرد الإسرائيلي تراجع من 18 ألف دولار، قبل الانتفاضة، إلى 14 ـ 16 ألف دولار بعدها (دخل المواطن العربي أقل من ذلك بعشرة أضعاف).
أما على الصعيد العربي فالأمر على غاية في السلبية. فثمة أكثر من ألف مليار دولار، من الأموال العربية، تستثمر خارج العالم العربي، الذي لا يعتبر جاذبا للاستثمار. وبحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية، الذي صدر مؤخرا، فبحلول العام 1976 غادر البلدان العربية نحو 23% من المهندسين و50% من الأطباء و15% من جميع حملة الشهادة الجامعية الأولى إلى المهجر. والوضع الاقتصادي في العالم العربي يتسم بالركود، وثمة اتساع في نسبة الفقر، وتفاقم في مشكلة البطالة في المجتمعات العربية. وبينما يشاع أن البلدان العربية، إجمالا، غنية (بسبب الثروة النفطية) فإن مجمل الناتج الاقتصادي العربي في نهاية القرن العشرين بلغ حوالي 604 مليارات من الدولارات، وهو بالكاد يتعدى ناتج دولة أوروبية مثل أسبانيا(559 مليار دولار)، ولا يصل إلى ناتج إيطاليا 1074 مليارا من الدولارات، ويشكل الناتج الإجمالي السنوي لإسرائيل 1/6 الناتج الإجمالي العربي، بينما لا يشكل عدد سكانها 2 بالمئة من عدد السكان في العالم العربي، هذا دون أن نتحدث عن المساحة وعن النفط، وهما ميزتان يفترض أنهما لصالح العرب!
وبينما تنفق إسرائيل على البحث العلمي 2.5% من إجمالي ناتجها السنوي (يبلغ حوالي 100 مليار دولار)، أي 2.5 مليار دولار، فإن ما تنفقه الدول العربية على البحث العلمي يبلغ 0.5% من ناتجها المحلي السنوي، وهو بالكاد يصل إلى 3 مليار دولار، وتبلغ حصة الفرد منه 8 دولارات سنويا. وبالنسبة للإنفاق على التعليم، فالوضع ليس أفضل، إذ أن متوسط حصة الفرد في العالم العربي تبلغ 110 دولارات، في حين أنها تبلغ حوالي 1200 دولاراً في العالم المتقدم (وفي إسرائيل أيضا).
وعدا عن ارتفاع نسبة الأمية (ثمة 65 مليون أمي ثلثاهم من النساء)، فإن تقرير "التنمية الإنسانية العربية" (الجزء الثاني) يرصد واقعا قاتما لقياس مستويات المعرفة في المجتمعات العربية، فمتوسط الكتب المترجمة لكل مليون في السنوات الخمس الأولى من الثمانينات بلغ 4.4 كتاب (أقل من كتاب واحد في السنة لكل مليون من السكان). أما الكتب المنتجة في العالم العربي فهي لم تتجاوز 1.1% من الإنتاج العالمي، رغم أن العرب يشكلون نحو 5% من سكان العالم.
ويرصد التقرير أيضا أنه ثمة اقل من 18 حاسوبا لكل ألف شخص مقارنة مع المتوسط العالمي الذي يزيد قليلا عن 78 حاسوباً لكل ألف شخص. أما المشاركة في الانترنيت فهي جد متدنية. بينما وبحسب منظمة الاتصالات العالمية فإن عدد المشتركين بشبكة الانترنيت، في منطقة الشرق الأوسط، بلغ مليون ومئة ألف، عام 1999 نصفهم في إسرائيل.
من كل ذلك يمكن التوصل إلى عدة استنتاجات، من ضمنها:
أولا، أن الأزمات هي ظاهرة طبيعية لأية دولة أو في أي مجتمع، والمسألة الأساسية هنا لاتكمن في وجود الأزمة وإنما في كيفية التعامل معها، وفي كيفية تجاوز آثارها السلبية، وربما في كيفية استثمارها في تحفيز الطاقات واستنفار الإمكانيات، لتحويل الأزمة من معطى سلبي إلى معطى ايجابي.
ثانيا، أن أزمات إسرائيل، في الأغلب، هي أزمة فائض قوة، في مختلف المجالات، بينما هي على الجانب العربي أزمة ضعف وعجز وتفكك، وغياب الإرادة اللازمة والإدارة الصحيحة؛ لذا فليس من المناسب قياس أزمات العرب بأزمات إسرائيل، من مختلف النواحي.
ثالثا، أنه من الخطأ التعويل على أزمات إسرائيل أو المبالغة بها، في إدارة الصراع معها، فإسرائيل تمتلك الإدارة المناسبة للتعاطي مع أزماتها وتحويلها أو تصديرها، أكثر بكثير من قدرة العرب على ذلك، في ظل أوضاعهم الحالية. والأفضل للعرب في هذه الحال الالتفات لمعالجة أزماتهم ومشكلاتهم بدلا من التهرب منها أو وضعها على مشجب الصراع ضد إسرائيل. ماجد كيالي