أزقَّة تونس العتيقة: أسماء طريفة ومحرجة

المدينة العتيقة (تونس) ـ من طارق عمارة
الحبيب جاء وحدو، يا ليته ما جاء

يكفي من يتجول في ثنايا المدينة العتيقة بالعاصمة تونس ان يتأمل قليلاً لوحات الازقة والانهج حتى يكتشف عنصراً طريفاً يضاف الى مكونات هذا المكان المميز الذي يغص دائماً بزواره من تونس وخارجها.

وإضافة لسحرها الخاص، تتميز المدينة العتيقة بتونس بخاصية أخرى قد لا يجدها المرء في مكان آخر..أسماء عديد من أنهجها وأزقَّتها تبدو طريفة للغاية ومثار تندُّر لكن وراء كل اسم طريف حكاية او تاريخاً وفقاً للمؤرخين.

ومن بين ابرز اسماء الانهج المثيرة للغرابة نهج "المشنقة" ونهج "الحلوف" (الخنزير) ونهج "العسل" ونهج "الكبدة" ونهج "صانع الاسلحة" ونهج "صباط (حذاء) العجم".

ويقول المؤرخ والحكواتي التونسي المعروف عبد الستار عمامو ان اسماء الانهج والازقة الطريفة قد لا تحصى بالمدينة العتيقة وان اغلب الاسماء تكتنز حكايات وراءها وان أسماء بعض الانهج الاخرى استمدت طرافتها من ترجمتها الحرفية من الفرنسية الى العربية.

وفي وسط المدينة العتيقة بتونس يمكن للزائر ان يلاحظ لافتة كبيرة كتب عليها نهج "المشنقة" وهو أحد اغرب الاسماء في المدينة العتيقة.

وهذا النهج يثير حرج العديد من ساكنيه الذين لا يخفي بعضهم رغبة في تغيير اسم نهج المشنقة باسم اخر.

ويقول احمد الذي يعيش بالمنطقة "نشأت في نهج المشنقة وامضيت فيه عقودا من عمري لكني اتحرج كلما سئلت عن مكان اقامتي واعتقد اني لست الوحيد الذي يتحرج من اسم النهج".

ويقول سكان انهم تقدموا بعريضة الى المجلس البلدي لتونس لتغيير اسم النهج غير ان مطلبهم رفض بسبب تاريخية التسمية.

وقال عمامو ان هذه التسمية أطلقت لان المكان كان فيه بالفعل مشنقة لاعدام من هم ليسوا من المماليك في القرن السادس عشر عند الفتح العثماني.

وغير بعيد عن نهج المشنقة هناك نهج اخر مثير للتندر هو نهج الحلوف الذي يربط بين نهج جامع الزيتونة ونهج القصبة بقلب المدينة العتيقة.

وسبب هذا الاسهم أن هذا النهج كان مكانا تقيم فيه بعثات قنصلية في فترة الاستعمار الفرنسي المعروفة انذاك بفترة الحماية الفرنسية.
وفي هذا النهج كان جزارون يبيعون لحم الحلوف (الخنزير) لسكان المنطقة من الاجانب.

ولكن بلدية تونس ارتأت مؤخرا ان تغير اسم هذا النهج من نهج الحلوف الى نهج القصابين (اي الجزارين) لما يسببه من حرج لسكانه خلافا لنهج المشنقة الذي لم تغير اسمه.

ويرى عمامو ان تغيير اسم نهج الحلوف قد ينسي البعض جزءاً من تاريخ تونس.
ويقول "كان من المهم ان يبقى هذا الاسم بالذات لان فيه معنى يظهر قيمة التسامح الديني والحضاري لدى التونسيين الذين كانوا يسمحون ببيع لحم الخنزير لغير المسلمين".

وفي بلدية تونس العاصمة هناك لجنة تهتم بتغيير اسماء بعض الانهج والازقة وفقا لبعض المبررات الموضوعية.

وقال مصدر بالبلدية ان "اعادة تسمية الانهج يجب ان تكون مبررة وهي مهمة غير اعتباطية ويجب ان تراعي مقاييس عديدة".

ومن بين النوادر التي تروى في كواليس بلدية تونس عن اعادة تسمية الانهج انه تم اطلاق اسم المناضل العربي زروق على احد انهج المدينة العتيقة غير ان الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة امر بتغيبر الاسم مرة اخرى لاعتقاده ان العربي زروق هو من اقارب احمد زروق وهو وزير حرب سابق يكرهه بورقيبة.

وبعض الانهج الاخرى اتخذت اسماء مرتبطة بشكلها حيث يطلق مثلا نهج "عنق الجمل" على نهج بوسط المدينة العتيقة تميز بضيقه وشكله الذي يشبه عنق جمل.
واقيمت في هذا النهج مدرسة انشأتها الاميرة فاطمة الحفصية في القرن الرابع عشر وعرفت بمدرسة عنق الجمل.

كما اشتق اسم نهج "العسل" من اسم عائلة بني عسال منذ العهد الحفصي.
ويقول عمامو ان نهج العسل لا علاقة له بالعسل لا من قريب ولا من بعيد وأصل تسمية النهج هو "درب بني عسال" نسبة لعائلة بني عسال قبل ان يتغير ويصبح نهج العسل اشتقاقا من اسم العائلة.

وتضم القائمة عدة اسماء اخرى طريفة مثل نهج "الكبدة" ونهج "قاع المزود" ونهج "الحبيب جاء وحدو (وحده)" ونهج "النخلة" ونهج "صانع الاسلحة".

تسميات بعض الانهج التي لا تروق لسكانها قد تتغير بطلب منهم لكن حتى وان تغيرت فان تاريخها واحد لا يتغير مهما تعاقبت السنون.