أزبال تُسور تمثال الرَّصافي

بقلم: رشيد الخيون
كان شارعا جميلا

سكنتُ نحو سنتين في فندق مؤيد، بمواجهة السَّاحة التي ينتصب وسطها تمثال الشَّاعر والكاتب - لولا موقفي مِن لقب المفكر لأطلقته عليه - معروف عبدالغني الرَّصافي (ت 1945). وإذا نحسبها حُسبة طائفية، مثلما يريدها الحاضرون، فهو السُّني ذو الأب الكركوكي الكردي والأم البغدادية، وغير المنتسب لا لهذا ولا لذاك. على مسافة غير بعيدة من تمثاله أُقيم تمثال لأبي الطَّيب المتنبي (قُتل 354 هـ)، وسميت المكتبة الوطنية باسمه، وهو علوي الأُصول شيعي المنحى، إذا علمنا أنه شاعر الحمدانيين الشِّيعة، وبعيداً عند رأس جسر الأئمة مِن جهة الشِّمال نمرُّ على تمثال عبد المحسن الكاظمي (ت 1935)، هذا بعض ما ببغداد للشُّعراء مِن نصب تذكارية أو تماثيل.

أقول هذا كي يخفف القائمون على تنظيف بغداد، مِن محافظة وأمانة العاصمة، مِن مشاعرهم الطَّائفية، أن الأزمنة السَّابقة، مع شدة عدائنا لها، كان فيها بعض السَّماحة مِن هذه النَّاحية، ولم يتركوا تمثال الكاظمي ولا المتنبي تعلوهما الأوساخ، ولا محافظ ذي قار القادم مِن تكريت ترك تمثال السَّيد محمد سعيد الحبوبي (ت 1915) تعلوه الأزبال وسط النَّاصرية، أو شطب اسمه مِن الشَّارع «الحبوبي». وكان شارعاً جميلاً، حتى قال فيه مجيد جاسم الخيُّون: «يا شارع الحبوبي اشكثر داست عليم جدام ترفه... يا حمام مكلش وي الكاع زفه».

عندما نقول هذا: لا نرتجي أن يغدق علينا النِّظام السَّابق بحمد أو حسنة، مثلما ظهر السائرون في ركابه، والقريبون مِن نجله عدي، أنهم كانوا محارَبين طائفياً، حتى أن أحدهم اعتبر خروجه مِن العراق بسبب مدحه لعلي بن أبي طالب، وأشاع أنه كان يعمل بالسِّر مع حزب مِن الأحزاب الدِّينية المعارضة، وهو كذب في كذب. المهم ما يؤلمنا ضياع حلمنا إلى درجة أن تمثال أحد رموز العراق تعلوه الأزبال.

لعلَّ الكثيرين لا يعرفون كيف لُقب الشَّاعر بالرَّصافي، وهو يحكي قصة ذلك في ما ظهر له مِن مذكرات، جمعها الأكاديمي يوسف عزُّ الدِّين. قال: إنه كان يدرس عند السَّيد محمود شكري الآلوسي (ت 1924)، وحرر كتابه أستاذه «بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب»، الصادر في العام 1896، والحائز على جائزة الدَّولة السُّويدية، أو لجنة الألسنة الشَّرقية بستقهولم (حسب ما وردت في مقدمة الكتاب)، وكان صدر ببغداد، وحاز على الجائزة في العام نفسه: 1314هـ أي 1896. فلما أهدى إليه الآلوسي الكتاب قال له: أكتب الرَّصافي موضحاً: ذلك معروف الكرخي وأنت معروف الرَّصافي.

ربَّما سيقول أحدهم: كان الرَّصافي طائفياً، لأنه تكلم في «الرِّسالة العراقية» ضد الوزير الشيعي رستم حيدر (اغتيل 1940)، وأقول: إنه شتم الملك فيصل الأول (ت 1933) ونوري السعيد (قتل 1958) وغيرهما أكثر مِن رستم. وإذا قيل لي إنه لم يبد حبه لعلي بن أبي طالب (اغتيل 40 هـ) في كتابه «الشخصية المحمدية»، أقول: هو وصف عمر بن الخطاب (اغتيل 23 هـ) بالجلافة! وإذا قيل إنه تحدث ضد اللطم والتطبير وسواهما، فأقول: إنه تحدث ضد زيارة الأضرحة سنتها وشيعتها، وضد التكايا الصوفية، وانتقد الأذان عبر الإذاعة، وكلُّ المظاهر الدِّينية التي فيها نفاق بائن.

أقول ذلك كي أوضح لمن يترك تمثال الرَّصافي تحيطه به مزبلة، وهو في قلب بغداد، عليه مراعاة أن الشُّعوب الأُخر تعدُّه أحد رموز هذه المدينة، وله الحق بمثال.