أرض خصبة للدراما في الريف السوري

دمشق - من حسن سلمان
'ليالي ابن آوى' يستند الى حادثة حقيقية

شكل الريف السوري خلال العقود الماضية مادة خصبة لعدد كبير من الأدباء والفنانين السوريين.
وبرزت في السنوات الأخيرة بعض الأعمال الأدبية التي تتحدث عن بساطة الريف وعفويته مثل روايتي "أقاليم منسية" و"وادي العريش" للأديب محمد غفر.
كما ظهرت أعمال أدبية أخرى ترصد المعتقدات الاجتماعية السلبية والنظرة الدونية للمرأة مثل رواية "الوباء" للأديب الراحل هاني الراهب.
وعلى صعيد السينما ظهرت بعض الأعمال التي تجسد عفوية الريف، يأتي في مقدمتها أفلام المخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد التي حقق معظمها نجاحا جماهيريا كبيرا وخاصة فيلمي "ليالي ابن آوى" و"رسائل شفهية".
ويقول عبد الحميد "لقد عشت حياتي متنقلا بين الريف والمدينة، ولذلك فأنا أعشق العلاقات الاجتماعية التي تحدث فيهما، وإحساسي تجاه هذه العلاقات له خصوصيته، وأنا بطبيعتي أحب جميع الناس، وأخاطب في أفلامي أماكن اللاوعي في الإنسان، وأحاول تحريك المشاعر النبيلة لديه".

ويؤكد ان الفكرة الرئيسية لفيلمه الأول "ليالي ابن آوى" استمدها من حادثة حقيقية حدثت معه منذ 4 عقود.

ويضيف "في إحدى الليالي، وبينما كنا نتناول طعام العشاء في منزلنا الريفي بعد أن سُرح أبي من الجيش، جاءت بنات آوى وبدأن يصدرن أصواتا مزعجة فخفنا نحن الأطفال، وفيما ارتبك أبي الذي لم يدرِ ماذا يفعل، لجأت أمي، التي أصولها ريفية، إلى إطلاق صفير جعل بنات آوى يهربن".

وحول فيلمه "رسائل شفهية" الذي يلقب بـ"فيلم المليون مشاهد" يقول عبد الحميد "الفيلم يسرد عدد من الحكايات، ومنها قصة الشاب إسماعيل الذي يحب إحدى فتيات القرية، لكنه بسب خجله من أنفه الكبير يلجأ إلى شاب صغير لينقل لها رسائل شفهية منه".

ويشير إلى أن العمل يلقي الضوء على المشاريع التي كانت تبنى على حساب الفلاح وأرضه، "كمشروع سكة الحديد الذي خرّب أراضي عدد كبير من أهالي القرية بسبب التخطيط الفاشل للقائمين عليه".

بساطة وعفوية الريف في الدراما

دخلت الدراما السورية مؤخرا إطار المنافسة من خلال تقديم أعمال ريفية بحتة وجدت ضالتها في التنوع البيئي الكبير في سوريا، بأعمال كثيرة من قبيل "ضيعة ضايعة" و"قمر أيلول" و"الحوت".
ويقول المخرج السوري الليث حجو إنه حاول في مسلسل "ضيعة ضايعة" تقديم نموذج مختلف من الكوميديا يجمع بين البساطة والعفوية التي يتّسم بها أهل بعض قرى الريف السوري.
ويضيف "يتناول العمل حياة أهالي إحدى القرى السورية النائية، وكيفية تعاملهم مع أدوات الحضارة ووسائل الاتصال الجديدة في إطار كوميدي مبالغ فيه في بعض الأحيان".
ويشير حجو إلى أنه حاول إيجاد مكان افتراضي يجمع بين الطبيعة والبحر، ويعمل سكانه في الزراعة والصيد ويتحدثون لهجة مختلفة تجمع بين الريف والمدينة.
ويؤكد لجوءه لشرح بعض المصطلحات بشكل جدي بهدف تفسيرها للمشاهد من جهة، وإضفاء نوع من الطرافة على العمل من جهة أخرى.
ويضيف "لم أتعامل مع هذه الشخصيات لأسخر من حياتها وعلاقاتها، لكنني افترضت وجود هذا المكان بشخصياته التي لها منطقها الخاص في الحياة، وتعاملت معها باحترام كبير، كما أن الموسيقى المستخدمة، والتي قد تبدو للبعض ساخرة، هي في الحقيقة تُعبّر عن الحالة الداخلية لهؤلاء الناس البسطاء".
فيما يناقش المخرج علي شاهين في مسلسله "قمر أيلول" قضية البطالة في الريف السوري من خلال قصة حب تنشأ بين ابن مسؤول فاسد وفتاة جامعية.

ويتعرّض العمل لمشكلة الهجرة من الريف إلى المدينة، وأثرها في تغيير طبيعة أهالي القرية البسطاء، وعلاقاتهم التي تتحول إلى نفعية بعد أن كانت قائمة على المحبة والوفاء.

ويشير شاهين إلى أن العمل يحمل قدرا كبيرا من الشاعرية والشفافية، إضافة لكونه يدعو لإعطاء الشباب الفرصة لتقرير مصيرهم بأنفسهم، دون تحميلهم وزر فساد المجتمع من حولهم.
ويضيف "أحاول في عملي الجديد العودة إلى نقاء الريف من خلال تصوير الحياة البسيطة التي يعيشها بعض الناس في إحدى قرى الساحل السوري، مستعينا بطقوس الحب والفرح التي ما زالت تمارس في هذه المنطقة".
ويؤكد شاهين أن اختياره للبيئة الساحلية يأتي من كون هذه البيئة "مظلومة دراميا" وأغلب الناس لا يملكون أي فكرة عنها.
ويشير إلى أنه أراد إلقاء الضوء على الجوانب الإيجابية في البيئة الساحلية في إطار مشروعه الكبير مع الكاتب محمود عبد الكريم.
ويضيف "أعتقد أن معظم الكتاب والمخرجين الذين أصابوا نجاحا كبيرا انطلقوا من بيئتهم المحلية، ونحن عندما نسلط الضوء في الدراما على العادات والتقاليد التي كانت سائدة، فإننا نحاول إعادة شيء من الهوية والثقافة لجيل تخلى عن تقاليده ومبادئه وفضّل الثقافة والقيم الغربية عليها".

التراث الريفي حاضر في الأغنية الشعبية من جانب آخر شكل الريف السوري بمفرداته البسيطة والمتنوعة مادة خصبة للأغنية الشعبية التي حققت انتشارا كبيرا في العقد الأخير.
ولعل نجاح بعض الأغنيات الشعبية من قبيل أغنية "الحاصودي" و"طل الصبح" للفنان علي الديك و"دي نامي" للفنان حسين دويري و"دبكة ودبيكة" للفنان وفيق حبيب، يؤكد أهمية التراث الريفي وحضوره في الذاكرة الشعبية السورية.
ويؤكد الفنان حسين دويري أن الأغنية الشعبية موجودة منذ مئات السنين، ويشير إلى أن النجاح الذي حققته مؤخرا يعود إلى طابعها الوجداني الذي يلامس كل شرائح المجتمع.
ويضيف "اعتمدت الأغنية الشعبية منذ نشأتها على الفلكلور والتراث الشعبي، إضافة إلى استخدامها مفردات موروثة تروي قصة المعاناة اليومية للناس البسطاء وعلاقتهم مع الأرض التي استمرت لعقود طويلة".
ويشير دويري إلى أن تراث الساحل السوري يشكل موردا غنيا للأغنية الشعبية، كونه يحوي عددا كبيرا من الحكايا وأغاني الأجداد مثل أغنية "شفتك يا جفلة" التي يفوق عمرها نصف قرن.
ويؤكد دويري أنه يحترف الغناء منذ حوالي ربع قرن، مشيرا إلى أن لديه أكثر من 90 أغنية شعبية، استقى موضوعاتها من البيئة الساحلية البسيطة التي يعيش فيها.
ويشير صاحب أغنية "دي نامي" إلى أنه يقوم بالتحضير لألبوم جديد يحوي العديد من الأغاني الشعبية مثل "نار وجمر وعيدان" التي تصور مشهدا لعائلة ريفية تجلس أمام مدفأة حطب في إحدى الليالي الباردة، و"هجرتيني" التي تروي قصة حب ريفية.