أردوغان يبحث عن نصر في سوريا للتغطية على أزماته

أي عملية تركية في شرق الفرات لا تخلو من مخاطر لكن أردوغان يبدو مصرّا على تنفيذها على أمل انتزاع مكسب سياسي يساعده في استعادة شعبيته المتهاوية ويتيح له هامشا من المناورة في مواجهة الضغوط الداخلية.



التحضير لهجوم الأكراد يأتي فيما تواجه تركيا أزمة سياسية واقتصادية


لا موعد محددا لشن هجوم تركي على أكراد سوريا


تركيا تقول إنها قصفت الحدود السورية-العراقية قبل هجوم معتزم


ترامب يشيد بتركيا بينما يهدد بمحو اقتصادها


قوات بقيادة كردية تشير إلى محادثات ممكنة مع الأسد


لا مؤشر على نشاط عسكري على الحدود مع سوريا

اسطنبول - يبدي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ فترة رغبة جامحة في شنّ هجوم واسع على أكراد سوريا رغم التكلفة الباهظة للعملية العسكرية التي يجري التحضير لها فيما ترزح تركيا تحت وطأة أزمة اقتصادية مع حالة الركود الاقتصادي واستمرار تدهور قيمة الليرة. كما يأتي اندفاعه في هذا المسار الحربي على وقع نكسات سياسية وانقسامات تشقّ حزبه العدالة والتنمية.

ويبدو أردوغان مدفوعا في الظاهر بهواجس الأمن القومي والخوف من نشأة كيان كردي في شمال سوريا، إلا أن الاندفاع في هذا الاتجاه يأتي على الأرجح للتغطية على أزمة متعددة الرؤوس أضعفت حزبه الذي كان يعتقد أنه "لا يقهر" بعد نحو 17 عاما من الهيمنة على كافة مناحي الحياة في تركيا.

وبدا واضحا أن الرئيس التركي يبحث عن نصر في سوريا لترميم صورته وصورة حزبه بعد النكسة الانتخابية الأخيرة بخسارته رئاستي بلدية أنقرة واسطنبول.

ورسمت هزيمة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية بداية نهاية هيمنة الإسلاميين على الحكم في تركيا وأنذرت بتفكك الحزب الذي يحكم منذ 2002، وسط انشقاق أبرز قادته المؤسسين ومن ضمنهم رئيس الوزراء السابق أحمد داوود اغلو الذي يعتزم تأسيس حزب لتصحيح المسار السياسي وإعادة توحيد الصفّ وتصحيح العلاقات الخارجية التي أضرت بها سياسات أردوغان.  

كان لافتا في الفترة الأخيرة مع تفاقم مأزق الرئيس التركي وحزبه، تنامي خطاب التحشيد وتصوير العملية العسكرية في سوريا على أنها لحماية أمن تركيا

ويتجه أعضاء آخرون منشقون عن العدالة والتنمية يتزعمهم الوزير السابق علي باباجان أيضا لتشكيل جبهة سياسية قادرة على عزل أردوغان، فيما تلوح في الأفق خارطة سياسية جديدة في تركيا على وقع تفكك حزب العدالة والتنمية.

والتقط الرئيس التركي قرار نظيره الأميركي بسحب جزء من قواته من الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا على أنه ضوء أخضر لهجوم على الأكراد لطالما هددت أنقرة بشنّه، لكن ترامب هدد بمحو الاقتصاد التركي إذا تجاوزت تركيا الحدود وجدّد اليوم  الثلاثاء تأكيده على أنه لم يتخل عن أكراد سوريا مثنيا على قواتهم في قتال تنظيم الدولة الإسلامية.

ورغم ما تحمله أي عملية تركية من مخاطر فإن أردوغان يبدو مصرّا على تنفيذها على أمل انتزاع مكسب سياسي يساعده في استعادة شعبيته المتهاوية ويتيح له هامشا من المناورة في مواجهة الضغوط الداخلية التي يواجهها.  

وكان لافتا في الفترة الأخيرة مع تفاقم مأزق الرئيس التركي وحزبه، تنامي خطاب التحشيد وتصوير العملية العسكرية في سوريا على أنها لحماية الأمن التركي بينما تحذّر أحزاب المعارضة من الانجرار إلى مستنقع يصعب الخروج منه.

وليس واضحا متى يمكن أن تشنّ تركيا الهجوم الذي تعد له منذ أيام، إلا أن التوقيت قد يكون مرتبطا بنتائج اتصالات يجريها أردوغان مع ترامب لإقناعه بضرورة إنشاء المنطقة الآمنة والتي ستعزز التمدد التركي في سوريا.

وقد تتأجل العملية التي أعدت لها تركيا وحشدت لها عسكريا إلى ما بعد زيارة مرتقبة لواشنطن يعتزم الرئيس التركي القيام بها في 13 نوفمبر/تشرين الثاني.

وأعلن البيت الأبيض اليوم الثلاثاء أن أردوغان سيحل ضيفا على ترامب في الموعد سالف الذكر، وسط خلافات متفاقمة على أكثر من ملف بينها الملف السوري.

وفي تطور آخر يشير إلى الاندفاع التركي في المسار العسكري ما يشتت انتباه الرأي العام التركي عن الأزمات الداخلية، قال مسؤولان تركيان اليوم الثلاثاء إن الجيش التركي شن هجمات جوية استهدفت الحدود السورية-العراقية الليلة الماضية لمنع القوات الكردية من استخدام الطريق شمال شرق سوريا بينما تجهز أنقرة لشن هجوم هناك.

وقالت تركيا إنها صارت مستعدة تماما لشن عملية عسكرية في شمال شرق سوريا بعدما بدأت الولايات المتحدة في سحب قوات لها من منطقة الحدود التركية السورية في تحرك انتُقد في واشنطن على نطاق واسع باعتباره بمثابة خيانة لحلفاء أميركا.

ومن شأن الانسحاب الأميركي أن يضعف وضع القوات التي يقودها الأكراد والتي تعتبر شريكة لواشنطن في سوريا أمام توغل القوات المسلحة التركية التي تعتبرها جماعة إرهابية بسبب صلتها بمتشددين أكراد يشنون تمردا داخل تركيا منذ عقود.

أردوغان يحشد منذ فترة لهجوم عسكري واسع على أكراد سوريا
أردوغان يريد الهاء الراي العام التركي عن فشله في معالجة الأزمة الداخلية الاقتصادية والسياسية

وفي ما يتعلق بتفاصيل الضربة الجوية التي شنت الليلة الماضية قال مسؤول أمني إن أحد الأهداف الرئيسية كان قطع طريق المرور بين العراق وسوريا "قبل العملية في سوريا".

وأضاف المسؤول "بهذه الطريقة تم قطع طريق عبور الجماعة إلى سوريا وكذلك خطوط الإمداد بما في ذلك بالذخيرة". ولم يتضح حجم الدمار أو ما إذا كان هناك قتلى أو جرحى.

ولا تزال تفاصيل الضربة غير واضحة. ووصفها أحد المسؤولين بأنها ضربة جوية بينما قال الآخر إن الموقع "أصبح غير قابل للاستخدام بوسائل متعددة".

وفيما يشير إلى تحول آخر محتمل في ميزان القوى بالمنطقة، قالت القوات التي يقودها الأكراد إنها ربما تبدأ محادثات مع دمشق وروسيا لملء أي فراغ أمني في حالة انسحاب القوات الأميركية بالكامل من منطقة الحدود مع تركيا.

وسعت تركيا لتأكيد تصميمها على التحرك. وقالت وزارة الدفاع التركية "لن تقبل القوات المسلحة التركية أبدا بإنشاء ممر للإرهاب على حدودنا. اكتملت جميع استعداداتنا للعملية".

وقال شاهد إنه لم يلحظ من تل أبيض السورية الواقعة عبر الحدود أي نشاط عسكري اليوم الثلاثاء قرب بلدة أقجة قلعة الحدودية التركية. ونُشرت مدافع هاورتز خلف سواتر على الأرض على الجانب التركي من الحدود وكانت موجهة صوب سوريا.

وعلى بعد نحو 60 كيلومترا غربا، جرى أيضا نشر العديد من راجمات الصواريخ متعددة الفوهات على متن شاحنتين وخلف سواتر قرب مدينة سروج التركية المواجهة لمدينة عين العرب (كوباني) السورية على الحدود.

وهناك أيضا تمركز للمدفعية في المنطقة حيث جرى أيضا رصد تجول جنود، سيرا على الأقدام، في محيط معسكر قريب. وقال مسؤول أميركي إن القوات الأميركية أخلت نقطتي مراقبة في مدينتي تل أبيض ورأس العين السوريتين أمس الاثنين.

ويهدف تحذير ترامب على ما يبدو إلى إرضاء منتقديه الذين اتهموه بالتخلي عن الأكراد السوريين من خلال سحب القوات الأميركية. وشارك في الانتقادات زعماء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ومن مجلسي الكونغرس ومن بينهم السناتور الجمهوري ميتش مكونيل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ.

وقال ترامب على تويتر "أكرر ما أكدته من قبل، أنه إذا فعلت تركيا أي شيء أعتبره بحكمتي البالغة التي لا تضاهى متجاوزا للحدود فسأدمر الاقتصاد التركي وأمحوه تماما (لقد فعلت ذلك من قبل)".

وقوبلت تعليقات ترامب برد فعل غاضب في تركيا حتى من ساسة منتمين لأحزاب معارضة مثل زعيمة حزب الخير ميرال أكشينار التي قالت إنه يجب تنحية السياسات المحلية جانبا في مثل هذا اليوم.

وقالت أكشينار لأعضاء البرلمان المنتمين لحزبها في كلمة داخل مقر البرلمان "تهديد اقتصاد تركيا كارثة دبلوماسية... اليوم يوجد حزب واحد فقط وهو علمنا (التركي) الأحمر".

وأضافت "أفضل رد على هذه الوقاحة هي الذهاب إلى شرقي الفرات وقطع ممر الإرهاب".

غير أن ترامب كتب في تغريدة على تويتر اليوم الثلاثاء قائلا "ينسى الكثيرون بسهولة أن تركيا شريك تجاري كبير للولايات المتحدة. في حقيقة الأمر هم يقومون بتصنيع الإطار الهيكلي الفولاذي للمقاتلة الأميركية إف-35. كما أن التعامل معهم كان جيدا".

القوات التي يقودها الأكراد  تعلن أنها ربما تبدأ محادثات مع دمشق وروسيا لملء أي فراغ أمني في حالة انسحاب القوات الأميركية بالكامل من منطقة الحدود مع تركيا

وأضاف ترامب "لنتذكر دائما وعلى نحو مهم، أن تركيا عضو مهم للمكانة الجيدة لحلف شمال الأطلسي".

وفي ما يتعلق بالأكراد قال ترامب إن "مقاتليهم الرائعين" مستمرون في تلقي مساعدة أميركية بالتمويل والسلاح. ونددت القوات التي يقودها أكراد وكانت أهم شريك لواشنطن في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، بالتحول الكبير المفاجئ في السياسة الأميركية وقالت إنه مَثّل لها "طعنا بالظهر".

وقال مصطفى بالي المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية "لا تزال الحشود التركية على الحدود مستمرة. ولدينا بعض المعلومات التي تشير إلى أن الدولة التركية جلبت بعض فصائل (المعارضة) من الجيش الحر من جرابلس وإعزاز وعفرين إلى الحدود. وهذه التحركات تدل على هجوم وشيك. نحن نتوقع حدوث هجوم في وقت قريب".

وأضاف "طبعا ثمة تحضيرات لنا على طول الحدود مع الدولة التركية وقواتنا في حالة الجاهزية".

وقال بدران جيا كرد المسؤول بقوات سوريا الديمقراطية، إن السلطات التي يقودها الأكراد في شمال سوريا ربما تبدأ محادثات مع دمشق وموسكو إذا ما انسحبت القوات الأميركية بالكامل من منطقة الحدود مع تركيا.

وتعكس تصريحات جيا كرد المأزق الذي تواجهه القوات التي يقودها الأكراد في شمال سوريا في أعقاب الانسحاب الجزئي للقوات الأميركية التي كانت تحمي المنطقة فعليا من الهجوم التركي.

وأضاف جيا كرد "ممكن وقتها نتناقش مع دمشق أو الجانب الروسي لسد الفراغ وصد الهجوم التركي فهذا الأمر يمكن أن يتطور أو يحصل لقاءات أو تواصل في حال حصل فراغ في المنطقة من قبل التحالف الدولي وفي حال أصرت الدولة التركية على استغلال الفراغ للهجوم".

وقال فيصل المقداد نائب وزير الخارجية والمغتربين السوري لصحيفة الوطن السورية إن سوريا قالت إنها ستدافع عن نفسها ضد أي هجوم تركي، مضيفا "سندافع عن كل الأراضي السورية ولن نقبل بأي احتلال لأي أرض أو ذرة تراب سورية، لكن على الآخرين وفي هذا المجال ألا يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة لأننا على استعداد للدفاع عن أرضنا وشعبنا".

ولم يتسن لدمشق منع تركيا من السيطرة على مساحة شاسعة من شمال غرب سوريا في وقت مبكر من الحرب.

وقال مسؤول كبير بوزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن تتوقع من تركيا تولي المسؤولية عن سجناء تنظيم الدولة الإسلامية إذا سيطرت أنقرة خلال توغلها المرتقب في شمال شرق سوريا على مناطق احتجاز المتشددين.

ويُحتجز الأسرى في منشآت تابعة لقوات سوريا الديمقراطية جنوبي المنطقة الآمنة التي تقترحها تركيا بشكل مبدئي.