أردوغان وماكرون في أعنف صدام بحثا عن الزعامة

الرئيس التركي يقدم نفسه مدافعا عن الإسلام في وجه نظيره الفرنسي سعيا لتعزيز نفوذه ولاستقطاب مسلمي فرنسا بينما يحاول ماكرون الطامح لقيادة أوروبا أن يظهر كزعيم قوي في مواجهة جماعات الإسلام السياسي.


محلل يشبه صراع أردوغان وماكرون بصراع الديكة


ماكرون يستثمر في نهج أردوغان الصدامي لتسجيل نقاط سياسية أوروبيا


أردوغان يحاول استثمار قضية الرسوم المسيئة للنبي محمد لترقيع شعبيته

اسطنبول - يرجح محللون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي تملأ أخباره وكالات الأنباء الدولية والصحف العالمية على خلفية التوتر القائم مع فرنسا وأزمة الرسوم المسيئة للنبي محمد، يبحث عن زعامة في الشرق الأوسط موظفا الدين لحسابات سياسية.

ويقول هؤلاء إن أردوغان يقدم نفسه على أنه حريص على صيانة قضايا الإسلام وأن انتقاداته الحادة لإيمانويل ماكرون بشأن الإسلام تهدف إلى تعزيز مكانته وتسجيل نقاط على حساب منافسيه في المنطقة.

وليست هذه المرة الأولى التي يستثمر فيها الرئيس التركي في مثل هذه القضايا الحساسة، فقد سبق أو استثمر في معاناة الفلسطينيين بينما كان من أكثر المطبعين مع إسرائيل وارتبطت بلاده باتفاقيات تجارية واقتصادية وكان قادرا على استخدامها كورقة ضغط على الحكومات الإسرائيلية لكنه لم يفعل.

وإذا كان قد صعد الموقف وذهب إلى حد الدعوة إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية والتشكيك في "الصحة العقلية" لماكرون لأنه دعم ودافع عن نشر رسم كاريكاتورية تسيء للنبي محمد والإسلام  وحذر من "الانعزالية" الإسلامية في فرنسا، فقد امتنع خصومه الإقليميون ولا سيما قادة مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، عن أي تعليق على هذه المسألة الحساسة بالنسبة للعالم العربي والإسلامي.

وهذه الدول الثلاث تقف في صف موقف باريس المتشدد إزاء جماعات الإسلام السياسي الذي انبثق منه أردوغان والذي تعتبره تهديدا لاستقرارها.

ويقول مسؤولون كبار في الحكومة الفرنسية إن ماكرون يعادي التطرف والجماعات الدينية المتشددة ولا يعادي الإسلام والمسلمين.

ولخص المحلل السياسي الإماراتي عبدالخالق عبدالله في تغريدة على تويتر التناقض بين موقف هذه الدول الثلاث وموقف الرئيس التركي بقوله إن "المعادلة بسيطة وواضحة: عندما يهاجم أردوغان ماكرون، فاعلم أن ماكرون على حق".

ويعتبر أوزغور أونلوهيسارجيكلي مدير مكتب صندوق "جرمان مارشال فاند" الأميركي الألماني في أنقرة، رد فعل أردوغان المعروف بتدينه، "صادقا" في الجدل الدائر حول نشر الرسوم الكاريكاتورية، لكنه برأيه "يستفيد أيضا من هذا الخلاف مع ماكرون على الجبهتين المحلية والدولية".

وتابع "إن خوض مواجهة مع قادة الغرب يعزز صورة أردوغان بين أبناء شعبه كزعيم يتحدى غطرسة الغرب ضد تركيا أو المسلمين"، مضيفا أن هذا الموقف يسمح له أيضا بالتحريض على خصومه الإقليميين، حيث يحاول إظهارهم بأنهم لا يدافعون عن الإسلام بشكل حازم.

ويرى ديدييه بيون المتخصص في الشؤون التركية ونائب مدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية (إيريس) في باريس، أن أردوغان يسعى لتعزيز دوره في المنطقة للاستفادة من "الفراغ الاستراتيجي في الشرق الأوسط" الذي تسبب به حسب قوله تراجع نفوذ دول مؤثرة تقليديا مثل السعودية ومصر.

ويقول "أظن أن أردوغان يحاول استغلال الوضع لزيادة نفوذه في المنطقة. يريد أن يظهر على أنه الشخص الذي لا يحني رأسه أمام الغرب"، مضيفا "يلاحظ أردوغان، وهو ليس مخطئا، أن الإسلاموفوبيا تتعمق في فرنسا"، وانتقاداته اللاذعة لماكرون تعكس في هذا السياق "رغبة في التأثير على مسلمي فرنسا، لكن هذا الجهد سيذهب سدى، لأن الإسلام في فرنسا مبني على أسس وطنية حتى وإن كان لأردوغان تأثير مبهر لدى بعض الشباب المسلمين".

ويؤكد جان ماركو الأستاذ في معهد العلوم السياسية في غرونوبل بفرنسا، البعد الجيوسياسي للتوترات بين تركيا وفرنسا التي وصلت إلى ذروتها مع تهجم أردوغان الشخصي على نظيره الفرنسي.

وقال إنه "منذ الصيف الماضي شهدنا سلسلة من المناوشات بين البلدين في ساحات صراع إستراتيجية: ليبيا وشرق المتوسط ولبنان ومالي وناغورني قره باغ".

وأضاف أن "هذه المواجهات الكلامية هي نتيجة سياسة هجومية تعتمدها تركيا التي تريد أن تظهر كقوة إقليمية. إذا وجدت تركيا باريس في طريقها، فهذا بلا شك لأن فرنسا، في سياق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي لديها قوة نووية ومقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة".

ويقارن ديدييه بيون العلاقة بين الرئيسين الفرنسي والتركي "بصراع الديكة"، مشيرا إلى أن ماكرون وجه في الفترة الأخيرة تصريحات لاذعة لأردوغان.

وقال إن "ماكرون يسعى لإظهار أنه لن يقف مكتوف الأيدي في مواجهة الإسلام السياسي. لقد صار الأمر بالنسبة له قضية أساسية لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية. في هذا السياق، فإن زعيما مثل أردوغان يمثل كنزا ثمينا بالنسبة لماكرون".

ويوافق أونلوهيسارجيكلي على هذا القول موضحا أن "ماكرون يبدو أيضا وكأنه يستمتع بهذه المنازلة. قد يكون لديه هو الآخر إستراتيجية لتحسين صورته كزعيم يحمي القيم الغربية"، مضيفا "يبدو أن هذا الوضع مفيد لكلا الزعيمين في حين أنه يشكل خسارة لبلديهما".