أردوغان بارع باستخدام شماعة الأكراد عند كلّ ورطة

الهروب إلى الأمام

دياربكر (تركيا) - قالت مصادر أمنية والجيش في تركيا السبت إن 69 مسلحا كرديا وجنديين قتلوا في تصعيد الحكومة الإسلامية المفاجئ ضدّ الأكراد الذي يصفه مراقبون بأنه محاولة شيطانية من اردوغان لإبعاد الأنظار عن إخفاقاته السياسية الأخيرة على الصعيد الدولي، بعد أن عرض تركيا لحصار اقتصادي روسي شامل من شأنه أن يمس بمصالح قطاع واسع من الصناعيين والتجار.

وفي ذروة تصاعد حدة الضغوطات الروسية عليه شخصيا وعلى حزبه الحاكم، اختار اردوغان إعلان حربه الشرسة على المقاتلين الأكراد فيما يبدو انه ينفذ وعدا أطلقه الأسبوع الماضي "بإبادة" المسلحين الأكراد في خنادقهم وبيوتهم، متعهدا بمواصلة العملية "حتى يتم تطهير المنطقة من المسلحين وتدمير حصونهم".

ويقول مراقبون إن اردوغان يكرر استراتيجيته المعهودة "للبقاء في المشهد السياسي التركي" عبر اصطناع حرب يوحد فيها الأتراك وراء الدفاع المقدس على البلاد ضد خطر يتهدد وجودها من الأكراد، تماما كما فعل خلال الانتخابات التشريعية المعادة التي نجح حزبه من خلالها في استعادة الأغلبية المطلقة بفضل حرب على الأكراد، لا تقل ضراوة عن حرب هذه الأيام.

وكان اردوغان الذي فقد حزبه الأغلبية المطلقة في الانتخابات التشريعية قبل الاخيرة وقيده عن "التصرف كما يشاء في الساحة السياسية التركية"، قد فعل كل ما في وسعه للذهاب إلى انتخابات معادة حقق فيها ما يريده وهو الأغلبية المطلقة.

وفي الاثناء، وخلال الفترة الفاصلة بين الحدثين الانتخابيين كانت وسيلة الرئيس التركي "السهلة" لاستعادة هذه الأغلبية، أن أعلن حربا ضروسا على الاكراد مكنته من تجييش الشارع التركي الذي تردد في انتخابه في المرة الأولى، بعد أن سعى الى تقديم نفسه خاصة بين القوميين الأتراك بأنه يخوض حملة دفاع مقدسة على القومية التركية ضد الخطر الكردي الداهم.

ويقول المحللون إن أردوغان الذي بدأ يستشعر خطرا حقيقيا على شعبيته، بسبب سياساته المتصفة بكثير من الرعونة وغير المحسوبة دبلوماسيا بشكل جيد ضد روسيا، وهي سياسة لم تراع مصالح قطاعات واسعة من رجال الصناعة التجارة ومن العمال، قد أشعل الحرب على الأكراد ليلفت أنظار الأتراك عن الأزمة المستفحلة مع روسيا وما نتج عنها من أضرار اقتصادية، ويمنعهم من بلورة موقف رافض لإقدامه على تعريض بلادهم لأخطار اقتصادية وحتى عسكرية مع دولة عظمى بحجم روسيا.

ويضيف هؤلاء أن اسقاط الطائرة الروسية بشكل استعراضي عرض تركيا لعقوبات اقتصادية قاسية كان من أبرز نتائجها أن تضرر منها عددا من الصناعيين والتجار الذين كانوا يوردون سلعهم اساسا للسوق الروسي، الأمر الذي سيكلفهم خسائر قد تؤدي بالكثير منهم الى الإفلاس كما ستؤدي بالكثير من العمال الى البطالة، مع اصرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على عدم التعامل مستقبلا مع حكومة تركية يقودها الإسلاميون ما يعني أن معاناة قطاع كبير من الشعب التركي المتضرر من العقوبات الروسية ستستمرذ الى وقت طويل.

وقال بوتين السبت إن روسيا تريد الحفاظ على العلاقات مع الشعب التركي، لكنه أشار في ذات الوقت إلى أن العلاقات مع أنقرة لن تتحسن في ظل الزعامة التركية الحالية.

ونقلت وكالات أنباء عن بوتين قوله في فيلم وثائقي جديد من المقرر بثه الأحد "أود أن أكرر الآن: نحن نعتبر الشعب التركي أمة صديقة ونحن لا نرغب في إفساد العلاقات مع الشعب التركي تحديدا".

وبالنسبة للزعامة التركية الحالية قال بوتين "لا شيء يدوم".

في الاثناء، تواصل القتال بين القوات التركية ومقاتلي حزب العمال الكردي منذ أربعة أيام في جنوب شرق تركيا في الوقت الذي كثفت فيه قوات الأمن عملياتها ضد حزب العمال الكردستاني.

وقال الجيش إن طائرات حربية تركية أقلعت من قاعدة في دياربكر بجنوب شرق البلاد قصفت معسكرات لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق الجمعة فدمرت مخابئ ومخازن أسلحة.

وانهار وقف لإطلاق النار مستمر منذ عامين بين حزب العمال الكردستاني وأنقرة في يوليو/تموز مما أدى إلى توقف محادثات السلام بين الجانبين وتجدد الصراع الذي يعاني منه جنوب شرق تركيا منذ ثلاثة عقود وأسفر عن مقتل أكثر من 40 ألفا.

وقال الجيش في بيان "العمليات الجارية في المنطقة ستستمر بشكل حاسم لحين استعادة الأمن والنظام.. الأولوية خلال العمليات تتركز على سلامة قواتنا الأمنية والمدنيين الذين يعيشون في المنطقة."

وقتل جندي تركي وتعرض آخر لإصابات طفيفة السبت في اشتباكات في حي سور الذي ما زال يخضع لحظر تجول فرضته الشرطة خلال الأسبوعين الماضيين في إقليم دياربكر الذي تقطنه أغلبية كردية. وقال الجيش إن أحد جنديين أصيبا في بلدة الجزيرة الحدودية الجمعة قد توفي متأثرا بجراحه.

وفي بلدة نصيبين الحدودية حيث تفرض الشرطة حظر تجول في أربعة من أحيائها قالت مصادر أمنية إن أربعة ضباط شرطة أصيبوا عندما شن مسلحو حزب العمال الكردستاني هجوما صاروخيا على عربة مدرعة تابعة للشرطة.

وأضاف أن عدد المسلحين الأكراد الذين قتلوا في العمليات المستمرة منذ أربعة أيام في الجزيرة وسيلوبي قرب الحدود السورية والعراقية ارتفع إلى 69 قتيلا. والبلدتان الواقعتان تحت حظر تجول هدفان مهمان في أحدث هجوم لتركيا ضد حزب العمال الكردستاني والذي تقول تقارير إعلامية إن عشرة آلاف فرد من الشرطة والجيش مدعومين بدبابات يشاركون فيه.

وقالت مصادر أمنية إن ئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي الجنرال هولوسي أكار زار المنطقة اليوم السبت وتلقى إفادة عن العمليات.

ورغم تركيزه بصورة أساسية على المناطق الريفية فإن حزب العمال الكردستاني نقل عملياته في السنوات الماضية إلى البلدات والمدن في الجنوب الشرقي وأقام متاريس وحفر خنادق لإبعاد قوات الأمن.

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان توعد الأسبوع الماضي "بإبادة" المسلحين الأكراد في خنادقهم وبيوتهم وتعهد بمواصلة العملية حتى يتم "تطهير" المنطقة من المسلحين وتدمير حصونهم.

وانهارت في وقت سابق هذا العام محادثات سلام بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية. وتصنف تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الحزب منظمة إرهابية.