أردوغان... إذ يُحاكِم قوى الشرّ!

ورطة الابن بلال بصفقات

لكل نظام «ديمقراطي» اعداؤه.. ومحور الشر كذلك ليس موحداً او تجمعه ايديولوجياً واحدة رغم ان «الاسم» يجمع اطرافه التي ليس بالضرورة ان يعرف بعضها البعض، فعلها ريغان عندما وصف الاتحاد السوفياتي بأنه «امبراطورية الشر» وطورتها ادارة بوش الابن عبر ادراج اكثر من دولة عربية وغير عربية في المحور ذاته، فجمعت العراق مع ايران وجلبت اليهما كوريا الشمالية ولم تكن كوبا بعيدة عن الوصف، لكنها مرشحة على الدوام لنيل عضويته، وربما كانت روسيا بوتين ستكون على رأسه لو ان ازمة اوكرانيا اندلعت في اوائل الألفية الجديدة وقبل احداث الحادي عشر من ايلول 2001 التي اطلقت المارد (اقرأ الشيطان) الاميركي من قمقمه.

فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان مؤسس حزب العدالة والتنمية الذي جاء رداً على انقلاب (او عملية) 28 شباط 1997 التي عجّلت باستقالة معلم اردوغان وغلّ، رئيس الوزراء ايامذاك نجم الدين اربكان، لا ينسى «عملية» 17 كانون الاول 2013 التي كشفت عمق الفساد المتفشي في حزبه وادارة حكومته وصولاً الى بيته حيث تورط نجله بلال في صفقات تجارية مشبوهة مع وزراء ومدراء ورجال اعمال.

بعد عام تماماً، وهو عام لم يتوقف فيه اردوغان بما هو رئيس للوزراء ثم لاحقاً رئيساً للجمهورية، عن شن حملات التخوين والشيطنة لمعلمه وابيه الروحي والمقرب الى قلبه فتح الله غولن، مهدداً ومتوعداً بالعقاب آخذاً على عاتقه مهمة الوصول الى «الاوكار» التي يختبئ فيها محرك الفتنة في بنسلفانيا بل طلب رسمياً من اوباما ان يسلمه «المطلوب» غولن اذا ما اراد فعلاً ان تستجيب انقرة له وتسلم المطلوبين لاميركا في بلاده وخصوصاً الارهابيين المسلحين الذين انضموا الى داعش ومنظمات الارهاب الاخرى التي يوظفها اردوغان ومخابراته لتدمير سوريا وتخريبها وسرقة مصانعها وتمرير مشروعه العثماني الامبريالي في جوهره وأهدافه.

نقول: بعد عام تماماً (تصادف غداً الذكرى الاولى لفضيحة الفساد) ضرب اردوغان ضربته الاشد، عندما اوعز لأجهزته الشرطية والاستخباراتية بمحاصرة جريدة زمان (وهي اكبر يومية تركية، توزع نحو مليون نسخة يومياً كاشتراك فضلاً عن نسختها الانجليزية ومجلات عديدة تصدر عن هذه المؤسسة الاعلامية الكبيرة والتي تتعاطف مع حركة «حِزْمِتْ» التي يقودها الداعية فتح الله غولن) واعتقال رئيس تحريرها (أكرم دومنلي) دون أن يتمكنوا من اعتقال باقي القائمة التي كانت بحوزتهم بعد ان حال صحافيو زمان دون ذلك.

بهذا يكون زعيم الدولة «الديمقراطية» ذات النموذج الاسلامي «المعتدل» الذي يقود دولة علمانية (وهي عبارة اغضبت إخوان مصر وجعلتهم يهاجمون اردوغان خلال زيارته لمصر بعد ثورة 25 يناير) قد اكمل الطوق على سلطات الدولة الرئيسية، التنفيذية حيث يرأس الحكومة فعلياً دون أن يكترث لوجود داود اوغلو في هذا الموقع، وهو احكم قبضته على «القضاء» بعد أن منح وزير العدل (السلطة التنفيذية) صلاحيات واسعة لتعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا، ويتحكم حزبه في اغلبية البرلمان التركي (السلطة التشريعية) وضرب السلطة الرابعة (الصحافة) ضربة شديدة، عندما طارد ونكّل وسجن وفصل وسجن عشرات الصحافيين المعارضين.

فضلاً عن مواصلته عمليات ضرب المؤسسات التجارية والصناعية التي يرى انها تتعاطف أو قريبة من حركة «حِزْمِتْ» وعلى رأسها بنك اسيا, الذي هو ذراع حركة حزمت المالية واكبر بنوك تركيا واكثرها حيوية واتساعاً داخل تركيا وخارجها, الامر الذي اضطره الى اغلاق اكثر من ثمانين فرعاً, وسط توقعات بأنه سيجبره على الانهيار (اياً كانت انعكاسات ذلك على الاقتصاد التركي نفسه ما دام الحقد هو الذي يحرّك فخامة الرئيس الديمقراطي) أو يقوم مجلس ادارته ببيعه كاملاً او جزئياً لشريك استراتيجي يكون صاحب القرار فيه (ورجال السيد الرئيس جاهزون بالفعل).

ردود الفعل الخجولة وغير الحاسمة، بل والتي تفوح منها رائحة النفاق التي صدرت عن بروكسل (الاتحاد الاوروبي) وواشنطن, تؤكد أن الغرب الاستعماري غير معني ابداً بالقيم والمبادئ وحقوق الانسان، على النحو الذي اظهره تقرير لجان الكونجرس في شأن تعذيب اسرى غوانتانامو, حيث ما تزال اصداؤه تتردد في جنبات المعمورة، وهي اسلحة صدئة لا تستخدم الا في مواجهة العرب وانظمتهم التي ارتهنت لرغبات الدول الاستعمارية واراداتها، والا كيف يمكن لرئيس دولة يدّعي انها ديمقراطية ويجري تسويق تجربته الاسلامية «المعتدلة» من قبل العواصم الغربية ذاتها، أن يقارف كل تلك الارتكابات غير الديمقراطية بل البوليسية والاستبدادية, ويجري التساهل معه والتغطية على ارتكاباته, تماماً كما يجري التواطؤ حول تنسيقه ودعمه لتنظيم داعش الارهابي, في الوقت الذي تدّعي تلك العواصم انها تحارب داعش وباقي منظمات الارهاب والتكفيرية التي تخرّب وتقتل في سوريا والعراق؟

اطرف ما في المشهد التركي هو تهديد احمد داود اغلو بمحاسبة الكيان الموازي (يقصد جماعة غولن) أمام الشعب والتاريخ. فأيهما في النهاية سيقف أمام محكمة الشعب والتاريخ؟ الايام ستروي.

محمد خروب

كاتب أردني

kharroub@jfp.com.jo