أدونيس صوت يتجدد باستمرار في سماء الشعر العربي

بيروت
هل المرأة عنكبوت يجر خطاه على وجه قيثارة؟

مرة أخرى يطل الشاعر ادونيس من خلال عمله الجديد "تاريخ يتمزق في جسد امراة" صوتا مميزا متجددا باستمرار وفي الوقت نفسه معتقا بمعنى الاصالة، حاملا كما في مراحله الشعرية المختلفة هموم الانسان وفواجعه واماله التي خابت وتلك التي لا تشيب.

وادونيس هنا -شأنه باستمرار- دائم التنقل بين فترات سحيقة ومحطات غير بعيدة من التاريخ واخرى من يومنا الحالي العربي الذي لا يبدو له انه ابتعد او افترق كثيرا عن الايام السحيقة وبين ذرى في حضارة الانسان الحديثة عايشها الشاعر الكبير "الرائي" فكرا وتصورا حتى قبل تحققها او تحقق بعضها الفعلي وتجسدها واقعا عايشه في الغرب الباريسي بشكل خاص.

ويسعى ادونيس الى دفع الامور واخراجها من "السحيق" الى عالم حضاري حديث دون ان تضيع نفسها وتفقد الا حيث يجد ان الفقد والزوال نعمة مرجوة. وهو في المحصلة يدعو الى ان تتحرر المراة، ان تكتشف روحها من خلال امور اهمها اكتشاف جسدها وتحريره.

وكان الشاعر علي احمد سعيد او ادونيس وهو اسمه الاشهر -وباستمرار منذ انطلاقته الشعرية في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين حتى عندما كان للقضايا القومية المباشرة هم رئيسي قوي عنده- يحمل عبر شعره ذي الطابع الفكري قضايا الانسان ومنها قضية المراة.
لقد كان الشأن القومي عنده حتى في عز "هديره" -ولا يزال كما يبدو- شأنا انسانيا بامتياز لا تعود له قيمة اذا جرّد من الهمّ الانساني.

ففي قصيدة من البواكير مثلا هي " دليلة" -ومع اعتبار الشعور القومي فيها- نعثر على خط يمتد في بعض نواحيه منها ليصل الى كتابه الجديد وهو موضوع المراة التي تعطي الكثير الكثير من اجل "الاخرين".
وصيغة جمع المذكر السالم مقصودة هنا، فتكافأ بان توصف بانها غدارة خائنة كاذبة وانتهازية فيهبّ الشاعر المفكر الباحث والناقد واحد كبار "اساتذة" ايامنا في مجالاته الى الكشف عن واقع مؤلم مأساوي يجب ان يتغير.
وكأنه يقول ان كثيرا من قضايانا يبدأ هنا. انه يعمل على اعادة تربية وتثقيف في المجال الاجتماعي وحتى في المجال المعتقدي او مجال ممارسة بعض المعتقدات. ويبدو ادونيس احيانا كثيرة كأنه يقول انه ليس هناك من ثورات "فوقية"، الا اذا شكّل الفوقي الموقت في طبيعته فرصة لهزّ بل دكّ كثير من تلك الاسس الدنيا او "التحتية" والا فعبثا البناء على اسس كتلك.

الكتاب الذي صدر عن "دار الساقي" جاء في 128 صفحة متوسطة القطع وبلوحة غلاف بريشة ادونيس.
العنوان اذن هو "تاريخ يتمزق في جسد امراة" قد اتبع ذلك بوصف للعمل بانه "قصيدة باصوات متعددة". وتعدد الاصوات في شعر ادونيس ليس امرا طارئا اكتسبه حديثا بل هو سمة ادونيسية عريقة. هذا الامر جعل الدكتور منير بشور مثلا يكتب عن قصيدة ادونيس الشهيرة "الفراغ" التي شكلت نقطة انطلاق وتحريك كبرى اثر نشرها في منتصف خمسينات القرن الماضي فيصفها في مجلة "المجلة" الادبية التي كانت تصدر يومها بقوله انها "قصيدة سيمفونية" بما يحمل هذا من تعدد وتداخل وتناغم وانسجام وخلق ما يبدو وحدة فنية عضوية من تنوع وكثرة بل ومن شتات.

يضفي الشاعر بعض سمات الاعمال السردية اجمالا والسمات المسرحية بشكل خاص على القصيدة ومن ذلك: مكان.. ساحة عامة.. وزمان ثم "الجوقة" اي الكورس الاغريقي القديم. ومن اصواتها "صوت" واصوات اخرى و"الراوية" و"المراة" والطفل والرجل "والجوقة" نفسها.

يكتب ادونيس فيشعر القارىء بان ما يقرأه "ادونيسي" في كثير من سماته التي الفها.

حملت الدفة الثانية من الكتاب قسما من قصيدة في داخله. يتحدث الشاعر فيها عن نفاق رهيب بلسان المراة في عالم الشرق "زعموا انني خلقت لكي لا اكون سوى ذلك الاناء لاحتضان المنيّ كاني مجرد حقل وحرث (جسدي من غثاء وحيض) وحياتي تجري (مرة صرخة.. مرة مومأة) ولماذا اذن يكتب الكون أسراره بيدي عاشق ( ولماذا اذن يولد الانبياء) في فراش امرأة؟".

في كتاب ادونيس هذا ما يتكامل مع "تراث" من المواقف والافكار والاراء المتميزة والذي صار يعرف بها هذا الشاعر الابرز في عالمنا العربي الان من حيث "خلخلة" الكثير الكثير من نواحي بنائنا الادبي والفكري والاجتماعي ومن حيث أثره في المساعدة على خلق سمات واشكال وافكار جديدة في هذه المجالات. انه كما يوصف بحق "مالئ الدنيا وشاغل الناس" لفترات طويلة.

وتراث ادونيس هذا فيه كثير لا من الادانة والتجرؤ حتى على بعض ما يعتبره كثير منا داخلا في نطاق المحرمات وحسب، بل يشكل دعوة الى الهدم. ولا شك في ان في الدعوة نفسها "عمل" اي هدم فعلي.

يبدأ الكتاب بعنوان هو "استهلال" وتحته عنوان اخر هو "صوت" حيث نقرأ "هذه سيرة امرأة عبدة وابنها نفيت لا لشيء سوى انها كسرت قيدها ويحكى انها زوّجت لنبي وان ابنها صار من بعدها نبيا. ولكن لم يجئ في تعاليمه انها حررت".

وفي "امراة وطفلها.. رجل.. راوية.. جوقة" ننطلق من الراوية حيث يحتشد في كلامه كثير من معتقداتنا الايمانية وثقافتنا في تنوع مجالاتها ويظهر الانسان وهو هنا المراة مضطهدا لا ملاذ له.
يقول الشاعر "عادة للسماء يدان ولكنها فوقي الان دون يدين وها هي شحّاذة وفي وجهها بثور. كاهن وسطيح يجرّانها، انها امرأة قيدها طفلها، مرارا قيدها زوجها، ليس ما سيقال بيانا ولا مسرحا انه امراة حية-ميتة".

وفي مكان اخر ومع "الجوقة" نقرأ ما يبدو لنا تساؤلا منطقيا بل لاهوتيا يشبه بعض ما شغل علماء الكلام قديما، وفي القسم الثاني منه نواجه تساؤلا بل شبه شك في الوعد الديني بالخلاص النهائي: "لا يموت سوى الحي.. قالوا فلماذا اذن لا يقال الالوهة ليست حياة وغدا يذبح الموت.. قالوا فمتى يذبح الموت، في اي وقت واي مكان؟".

ويعود "الراوية" الى المرأة التي تصور بشكل ظالم وعاق فهي خادمة شريرة لعالم الرجل، انها شريرة ومع ذلك تناط فيها المهمة البشرية الكبرى. هي "وسيلة" انجاب اي انها تشترك في تكوين الحياة كما تحفظها من ناحية، لكنها من ناحية اخرى تجسد الشر والنجاسة. انه حكم غريب على الحياة نفسها. يقول "انها امراة نصفها رحم وجماع والبقية شر، هكذا رسموها هكذا وصفوها... زمن-عنكبوت يجرّ خطاه على وجه قيثارة".

وتكمل الجوقة اعلان الحكم الظالم قائلة "اقفلوا باب تلك السماء على اهلها، اقفلوا جسد سيد جسد طيّب كريم لا يدق ّعلى باب تلك السماء ولا يدخل". وتقول المراة في اختصار لماساتها "لا صداقة، لا حب، جسم غريب بين زوجي وبيني وكأن ابننا كوكب اخر.. نقيضان نحيا كلانا بما ليس فيه وليس منه غربتي بين نفسي ونفسي، ونفسي وسؤالي عنّي لا جواب له، جسد اخر يتحرك داخل جسمي لم اعد اتيقن اني انا.. ايهذا الهواء رسولي اليه ليس في رأسي الان غير الخراف وغير سكاكينها ما سافعل في هذه الارض؟ لا شيء فيها سوى الوعد: وعد-حجر".