أدوات جديدة في التعبير الشعري المعاصر، لعلي حوم

بقلم: أحمد فضل شبلول

لم يعش الشاعر المعاصر في عزلة عما يحدث في مجتمعه الحديث، وخاصة في مجال الفنون الأخرى، مثل السينما والمسرح والرواية والقصة القصيرة .. الخ. وقد استفاد بذكائه الفطري من تقنيات هذه الفنون وأدواتها، وطوَّع ما يراه مناسبا منها لإبداعه الشعري. فنراه يستمد أدوات جديدة من تكنيكات الرواية والمسرحية والسينما، إلى جانب استخدامه لأدوات مستمدة من الشكل الطباعي ـ المكتوب ـ للقصيدة، مثل علامات الترقيم وطريقة توزيع السطور فوق الصفحة البيضاء ودلالتها، وهذه لم يكن لها وجود ـ في وعي الشاعر ـ عندما كان يعتمد على الإنشاد الشعري اعتمادا أساسيا.
وقد شغلت مثل هذه الطرائق الجديدة في التعبير الشعري المعاصر، بال ناقدنا علي حوم، فعكف على دراسة هذه الظواهر في القصيدة الشعرية الجديدة، وكانت النتيجة بحثه "أدوات جديدة في التعبير الشعري المعاصر ـ الشعر المصري نموذجا". الذي فاز بجائزة الشارقة للإبداع العربي في مجال النقد الأدبي، في دورتها الثالثة.
ومن الأدوات المستمدة من تكنيكات الرواية: الاسترجاع أو فلاش باك والمونولوج الداخلي. ومن الأدوات المستمدة من تكنيكات المسرحية: تعدد الأصوات، والحوار، والكورس. ومن الأدوات المستمدة من تكنيكات السينما: المونتاج السينمائي (سواء المونتاج على أساس الترابط، أو على أساس التوازي، أو على أساس التناقض، أو على أساس التماثل، أو على أساس التكرار)، والسيناريو.
وقد لاحظ ناقدنا علي حوم ـ وهو محِقٌّ في ذلك ـ أن الشاعر أمل دنقل يعد من أكثر الشعراء المعاصرين ـ في مصر ـ إفادة من الفنون الحديثة كالسينما والمسرح والرواية وغيرها، وهو في تأثره بهذه الفنون لا يتكلف أو يفتعل، وإنما يستمد من أدواتها ما يثري فنه الشعري من ناحية، وما يتفق وموضوع القصيدة من ناحية أخرى، بمعنى أن هناك قصائد يناسب موضوعها أداءً معينا، قد لا يتحقق التعبير عنه بصورة جيدة بغير ذلك الأداء. ومثال ذلك قصيدة "الحداد يليق بقطر الندى" التي يستخدم فيها أمل صوت الجوقة أو الكورس في قوله: قطر الندى .. يا خال
مهر بلا خيال
قطر الندى .. يا عين
أميرة الوجهين
ثم يتدخل "الصوت" ليصور حياة اللهو والعبث التي يعيشها "خمارويه": كان "خمارويه" راقدا على بحيرة الزئبق
وكانت المغنيات والبنات الحور
يطأن فوق المسك والكافور
ثم تتدخل "الجوقة" ثانية لتعلن: قطر الندى .. يا عين
أميرة الوجهين
قطر الندى
قطر الندى
ثم يأتي "الصوت" مرة أخرى ليصف موكب قطر الندى المهيب: هودجها يخترق الصحراء
تسبقه الأنباء
أمامها الفرسان ألف ألف
وخلفها الخصيان ألف ألف
تعبر في سيناء
ثم تتدخل "الجوقة" لتعلن سقوط الأميرة قطر الندى في الأسر: قطر الندى يا ليل
تسقط تحت الخيل
قطر الندى .. يا مصر
قطر الندى .. في الأسر
أما عن الأدوات المستمدة من الشكل الطباعي للقصيدة، فقد خصص علي حوم القسم الثاني من بحثه، لمناقشتها، ومن أهم هذه الأدوات، علامات الترقيم التي تعد في حقيقتها عناصر تشير إلى أمر مهم، "وهو أن هناك صوتا آخر غير الصوت الذي تعبر عنه العلاقات الضوئية المباشرة، هذا الصوت هو صوت المعلق على ما يقال، هذا على الرغم من أنه نابع من الشاعر ذاته، وليس صوتا آخر، بمعنى أنه ليس آتيا من خارجه، ومن هنا يمكن القول إن الشاعر منقسم إلى صوتين: صوت راصد للحركة الخارجية، وصوت معبر عن الموقف الداخلي الذي يراقب هذه الحركة ويرصد تناقضاتها ويعبر عن رأيه فيها"، على حد تعبير د. سيد البحراوي.
ومن علامات الترقيم المستخدمة في القصائد: الفاصلة، / الفاصلة المنقوطة؛ / النقطة . / علامة الاستفهام ؟ / علامة التعجب ! / النقطتان التفسيريتان : / القوسان وهما نوعان: على شكل نصفي دائرة ( ) وعلى شكل نصفي مستطيل [ ] / علامة التنصيص وهي نوعان: في بدء الكلام (( وفي نهايته )) / الشرطة ـ / علامة الحذف .. / علامة الانتهاء المؤقت ..
وقد استخدم الشاعر المعاصر كل هذه العلامات في قصائده استخداما واسع النطاق، حتى يمكن القول إن هذه العلامات تمثل "عنصرا هاما في النظام الطباعي للقصيدة، وخصوصا القصيدة الحديثة حيث تتحول من مجرد محدد لعلاقات المفردات في الجملة إلى محدد للعلاقات بين أجزاء النص ككل".
وقد استخدم الشاعر أمل دنقل علامات الترقيم ببراعة في الكثير من قصائده، ومنها استخدامه للشرطة في بداية الكلام أو في بداية المقاطع التي تعتمد على الحوار، لتمثل صوت الشخصية المتحاورة، سواء كان هذا الصوت هو صوت الشاعر ذاته، أم صوت الشخصية التي يخلقها في قصيدته، كما يتضح في قصيدته "من أوراق أبي نواس": نائما كنت جانبه وسمعت الحرس
يوقظون أبي!
ـ خارجي
ـ أنا ..!!
ـ مارق
ـ من ؟ أنا ؟
ولعلنا نلاحظ أن استخدام الشرطة على هذا النحو، يعد أفضل من كلمات مثل "قلت وقالت وقالوا" التي أثقلت كاهل القصيدة التقليدية.
***
ومن الأشكال الطباعية التي لفتت انتباه ناقدنا، الاختلافات في توزيع الأسطر على الصفحة وتنسيقها تنسيقا معينا، أو بمعنى آخر توزيع الكتل السوداء على الصفحة البيضاء، "وتلك هي التي تحدد الصورة الذهنية للقارئ حين ينظر إلى القصيدة"، وهذا الأمر قد يكون غير متاح عند تلقي القصيدة عن طريق السماع، إلا بالاجتهاد في تلوين الصوت، وهو أمر قد يحتاج إلى دربة لدى الكثير من الشعراء عند الإنشاد، ومن ذلك توزيع صلاح عبد الصبور لبعض سطوره كتابة على النحو التالي: أحس أني خائف
وأن شيئا في ضلوعي يرتجف
وأنني أصابني العي، فلا أبين
وأنني أوشك أن أبكي
وأنني،
سقطت،
في،
كمين
وثمة طريقة أخرى في كتابة القصيدة أكثر إسرافا وأشد مبالغة من غيرها، وهي كتابة القصيدة على شكل سطور كاملة، تبدأ مع بداية الصفحة، وتنتهي مع نهايتها عرضا، ومن أعلاها إلى أسفلها طولا مثل طريقة الكتابة النثرية تماما.
ويخلص الناقد في هذا الفصل من الكتاب إلى أن الشكل الطباعي الحديث، ملائم لروح القصيدة المعاصرة، بل ملائم أيضا لروح العصر، واستجابة حتمية لظهور "المطبعة" باعتبارها أحد معطيات الحضارة الحديثة التي ينسب إليها الفضل الأكبر في التثقيف ونشر المعرفة بصفة عامة.
ولعلنا نتساءل في نهاية عرضنا لكتاب الصديق الناقد علي حوم "أدوات جديدة في التعبير الشعري المعاصر ـ الشعر المصري نموذجا"، (180 صفحة) عن مدى تأثير تقنية الكمبيوتر وشبكة الإنترنت، أو التقنية الإلكترونية عموما، في خلق أدوات جديدة، وأشكال إلكترونية جديدة للقصيدة المعاصرة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية