أدب الهوية بين الإسلام والإعلام

بقلم: محمد الحمَّار
إما نأخذ الاثنين أو نترك الاثنين

غريب أمر بعض الصحافة، والتي جلّها ورقية وكثير منها الكترونية. فهي لا تفرّق بين الدين والتديّن، بين الهيكل العظمي والكساء الجسدي، بين النظرية الشمولية للإسلام والتجربة الإنسانية له. والأغرب منه أنها لا تأبى أن تنفتح على من يميّز ما لا تميزه هي فتمنح الكاتب حقه في التعبير عن التجربة الإسلامية من خلال أدبيات ترمي إلى البحث عن صيغ للهوية ومنه عن تشكلٍ ما للشخصية العربية الإسلامية.
إن المتصفح للجرائد العربية اليومية والأسبوعية سيلاحظ بسهولة أنها تخصص ركنا أو صفحة كاملة لشؤون الإسلام تشرف عليها شخصية من ذوي الاختصاص في علوم الدين والوعظ والإرشاد. وهذا أمر طبيعي.
لكن الذي ليس طبيعيا هو أن الوعظ والإرشاد لم يعد كافيا لتلبية حاجيات القارئ المسلم. وبالتالي فالذي ليس طبيعيا أيضا هو حرمان القارئ المتطلع إلى غدٍ أفضل من النص الأدبي أو المقال الاجتماعي أو التقرير الذي يعالج وضعية من الواقع بعيون الشخصية العربية المسلمة المتكاملة والمنشودة وهي التي يكون الرافد الديني فيها، إلى جانب الرافد اللغوي، من أهم الركائز.
فإذا كانت علوم الدين اختصاصا فهل التديّن اختصاصا كذلك؟ طبعا هو ليس كذلك. لذا فالاختصاص في مجال ترجمة الإسلام من خلال المشهد المعيشي ليس بالاختصاص الديني وإنما هو اختصاص أدبي وبالتالي ليس من حق الصحيفة أن تحجبه عن القارئ المتعطش إلى الحقيقة بدعوى أنّ للدين خبراء هم الوحيدون المُخَولون للتعبير عنه.
وفي تجربتي الخاصة كنت في الأول لا أخشى على نصوصي المكتوبة في ذلك اللون الأدبي أن تعترض سبيلها رقابة بأية دعوى من الدعاوى، لأني استبدلتُ اللون باللون من أجل الاقتراب أكثر من القارئ وبتلبية بعض حاجياته الملحّة، لكن ما راعني إلاّ أن تأكدتُ شيئا فشيئا من أنّ الرغيف يُحمى من الجهتين، وأنّ الأسلوب الذي استحدثتُه من أجل دمج العنصر الديني في الشخصية المتحركة في القصة أو الواقعة هو الآخر غير مرغوب فيه من طرف الإعلام الورقي وجمع من الإعلام الالكتروني المرتاب. ومع ذلك فإنّ أعمالي منشورة والحمد لله في كثير من المواقع التي عرفتْ قبل غيرها من أين تؤكل شاة الحرية المسئولة.
لكن الذي يحز في نفسي كمُجرّب للفكر والأدب يتلخص في السؤال عن مصير المواطن العربي إزاء حقين اثنين: هل ليس للمواطن العربي وللقارئ العربي وللطالب العربي وللمتديّن العربي ولغير المتدين العربي ممن ليسوا موصولين بمشباك الإنترنت أن يطلعوا على ما يطلع عليه نظائرهم ممن هم متصلون بالشبكة ليلا نهارا؟ وهل ليس لهؤلاء وأولئك كلهم الحق في الإطلاع على صورةٍ ما للشخصية النموذجية وللهوية متجسدة في وضعية اجتماعية أو في موقف إنساني أو في غيرهما من صور الحياة؟
إنّ ممارسة التعتيم على أشكال التعبير الأدبي التي أريدَ لها أن تستبطن العنصر الديني عوضا عن استبعاده عنوة باسم الخشية من التعصب الديني لن يقضي على هذا الأخير. بل الانفتاح على مثل هذه المحاولات هو الضامن لتعديل السلوك لدى المتدينين، فالإسلام مثل اللغة (العربية)، إذا فتحت أمامه زوايا وأركان وأروقة وشوارع المشهد الحياتي، ترعرع وينع وازدهر وقوي باتجاه الحضارة، وإن خذلته وحصرته وجمّدته خذلك وحصرك وجمّدك.
على أية حال، وبكلام آخر، فإنّ ممارسة التعتيم عل انبلاج فكر ديني إنساني على تلك الشاكلة التي يتبعها جانب من الإعلام الورقي والالكتروني تعدّ ممارسة للتعتيم على التعبير اللغوي في الآن ذاته. فالهوية اللغوية للمجتمع العربي الإسلامي مرتبطة ارتباطا عضويا بالهوية الدينية. إما نأخذ الاثنين أو نترك الاثنين. فكيف يتسنى للكاتب أن يعبّر عن الأولى من دون تطعيمها بما هو ضروري من روافد الهوية الإسلامية؟
في الختام أقول إنّ التمادي في مصادرة الرأي المسئول والحرّ الذي ينطوي عليه الإنتاج المكتوب لا يخدم مصالح الأمة عموما ولا يفيد في حل قضاياها العديدة والمتشعبة، إنما يزيدها تعقيدا ويعطلها تعطيلا. وليست المقاربة السياسية هي التي ستكون قادرة على إنجاز التسهيل والتبسيط والتسريح لأنّ هذا من صلاحيات المقاربة الفلسفية والأدبية والتواصلية. محمد الحمّار ـ تونس