أدباء كبار وطفولة معذبة

الشخصيات في رواياته متناقضة في نوازعها

يبدو السؤال منطقيا عن "سر التشابه في مراحل الطفولة للأدباء الكبار الذين شكلوا علامة مضيئة في تاريخ الأدب العالمي، فسماء طفولتهم ظللتها غيوم ملبده بالتعاسة دوما". ومرت في طريق شديد الوعورة كتب على سهم اتجاهه الحرمان والبؤس والفقر واليتم المبكر.

الروائي الروسي الكبير تورجنيف عاش طفولة صعبة بسبب قسوة والدته، فقد ولد في قصر تجاوز عدد غرفه الأربعين إلا انه كان يشعر بالخوف والتعاسة منها فلا يمر يوما ألا وتجلد أحد عبيدها أو احد أولادها ولأتفه الأسباب.

وعندما كان في التاسعة من عمره حاول الهرب من قصر الجحيم هذا، لكن معلمة الخاص منعه من ذلك, لكنه لم يستطع إن يبعد ذلك القلق الذي يعيش معه وغادر مراحل الطفولة دون أن يظفر بالسعادة، وكان يؤرقه نظرات أمه الاستعلائية لمهنة الكتابة فهي تراها شيئا وضيعا لا يليق بابنها حتى بعد إن أصبح أحد أعمده الرواية الروسية الثلاثة (تولستوي – ديستوفسكي – تورجنيف) وكان يتمنى أن تقرا له سطرا واحدا من كتاباته فماتت دون إن تتحقق أمنيته!

والتعذيب لم يقتصر على الروائي تورجنيف، فقد كان جد الكاتب تشيخوف من الرقيق واستطاع إن يجمع المال ويشتري به ثمن حريته ويقول "كان جدنا يقسو في ضرب والدنا وكان والدنا يقسو في ضربنا"، وأضيف للطباع القاسية لوالده خسارته في التجارة، فتدثرت طفولته بدثار سميك من الشقاء والخوف.

وتحفظ خزائن ذاكرة ديستوفسكي قسوة والده وبخله وإدمانه على الخمر فقد كان عدوانيا في تصرفاته تجاه أبنائه والناس المحيطين به، وقد أنزل بدستوفسكي عقابا لم ينسه عندما تجرأ وشاهد من مسكنهم الملاصق للمستشفى المرضى وقد هدهم البؤس واليأس. وكان مفرطا بالقسوة تجاه المزارعين الذين يعملون في مقاطعته فلم يحتملوا ذلك فقتلوه. لذلك ترى الشخصيات في رواياته متناقضة في نوازعها فيتجاور فيها التواضع والكبرياء والخبث والطيبة وإلايمان والإلحاد.

إما الشاعر الأميركي روبرت لي فروست فقد توفي والده وهو لا يزال صغيرا فاشتغل في مصنع للأحذية وعامل في مواسم الحصاد.

وكان الفصل من الوظيفة لوالده سببا في إن يعيش الكاتب الأميركي فيتزجيرالد سكوت طفولة شقيه فلازمته عقده الفقر ولم يتم دراسته لأنه الصبي الفقير في مدارس الأثرياء، وتسللت يد الفقر لتأخذ منه حبيبته التي رفضته بسببه! لكن عندما أصبح كاتبا أميركيا المشهور قبلت الاقتران به وتركت تلك الحادثة جرحا كبيرا في نفسه فقال متألما: إن سلطان المال يذلل كل شيء حتى قلوب النساء.

ولقاء ستة شلنات يتلقاها من صاحب مدبغة عمل الكاتب الانكليزي تشارلز ديكنز بعد إن سجن والده العاجز عن دفع الديون لأصحابها فترك هذا العمل ذكريات لا تمحى من الألم والتعاسة في نفسه فمجرد مروره قرب ذلك المعمل فإن الدموع تفيض من عينيه.

والكاتب د. ه. لورنس ابن أحد عمال المناجم عاش طفولة صعبة وشاقة لم يخفف عنه تلك التعاسة سوى حنان كبير أسبغته عليه أمه فترك فيه ذلك حبا كبيرا لأمه وتعلقا، ترك آثاره السلبية على علاقاته مع الجنس الآخر.

وقد توفي والد الكاتب والناقد الفرنسي سانت بيف، وهو في بطن أمه وتكفلت برعايته أمه وعمته فنشأ في جو تحيط به الكآبة والسوداوية فزين شعره الشيب مبكرا، وقال عن نفسه لقد ذقت طعم الحزن وانأ في بطن أمي.

والكاتب المسرحي النرويجي ابسن مؤلف مسرحية "بيت الدمية" و"الأشباح" ولد لعائلة ثرية تملك قصرا كبيرا لكن إفلاس والده في التجارة جعلها تسكن كوخا" صغيرا ليعيش في شقاء وتعاسة.

والكاتب الفرنسي اندريه مارلو عاش في وضع نفسي كئيب فالعائلة أصيبت بنكسة مالية بعد أن غرقت مراكب الصيد العائدة لجده فلم يتحمل فانتحر، وبسبب ظروف قاسية مرت على والده انتحر هو الآخر فتولى مسؤولية تربيته والدته التي كانت تدير محلا صغيرا للخضار قرب ضواحي باريس.

من تلك الطفولة المفعمة بالشقاء خرج هؤلاء الأدباء فكانوا أكثر جرأة من غيرهم في التعبير عن الآلام والبؤس الذي تعانيه الإنسانية ووصفوا تلك الأوضاع بواقعيه قاسية وكان للموهبة والاندفاع العالي نحو الرقي هو مطلبهم فخلدتهم الإنسانية وأصبحوا من رموزها الكبار.