أخطر عقائد القرن

بقلم: د. جمال الحسيني أبو فرحة

يؤمن كل من اليهود والمسيحيين والمسلمين بعقيدة المسيح المنتظر إلا أن مسيح اليهود في عقيدتهم لم يولد بعد، أما مسيح المسيحيين والمسلمين فهو المسيح عيسى عليه السلام.
وهناك اختلافات كثيرة في صفات ذلك المنتظر الجسدية والنفسية والخلقية، وفي الدور الذي سيؤديه على الأرض، ليس بين أهل الأديان الثلاثة فقط ولكن بين أبناء كل دين كذلك، حتى ذهب بعض المسلمين والمسيحيين إلى القول بعدم نزوله عليه السلام ماديًا، وأولوا نزوله بغلبة روحه وروح تعاليمه في آخر الزمان من انتشار المحبة والتسامح والسلام – وإن كان في ذلك إيماءة إلى أن الإسلام لا يحتوي على تلك الروح وهو ما نأباه ونعجب من وقوع بعض علمائنا فيه- .
وعلى كل فليس في كل ما سبق خطورة كبرى ولكن الخطورة تتأتى من بعض الطوائف المسيحية المنتشرة في الغرب، والتي تدعمها إسرائيل وتروج لها بأشكال عديدة، حيث تؤمن بهذه العقيدة جاعلة للمسيح عليه السلام صفات لم تكن قط له من القسوة والغلظة ومحبة الدمار، زاعمة كذلك أنه عليه السلام إنما سينزل على اليهود فهم قومه، وسيحارب بهم العالم حربًا نووية من مكان في فلسطين يدعى "هرمجدّون" (أي : جبل مجدّون) يفنى فيها ثلثا البشر، ويعود العالم على إثرها إلى حالة بدائية كما كانت الحال بعد الطوفان واندثار مدنية ما قبل الطوفان.
وبعد المعركة يكبل الشيطان ويتوج المسيح ملكًا على العالم، ويبدأ الحكم الألفي للمسيح وفيه يعيش اليهود بعد اعترافهم بالمسيح في أورشليم حياة كاملة بلا ألم أو ضيق أو شر مدة ألف سنة هم وكل المسيحيين الذين آووهم أثناء شتاتهم الأخير وساعدوهم ووقفوا بجانب إقامة دولتهم في فلسطين لتكون محطة لابد منها لنزول المسيح عليه السلام.
وبناء على ذلك يؤمن هؤلاء بأن الله لا يريدهم أن يعملوا من أجل السلام وإنما يريد منهم الإعداد لهذه الحرب.
وبناء على ذلك أيضًا يؤمن هؤلاء بأن الوقوف في طريق قيام إسرائيل وتوسعها ولو حتى بنقضها هو وقوف في طريق إرادة الله التي قدرت جمع بني إسرائيل في فلسطين قبل نزول المسيح؛ وانطلاقًا من هذه العقيدة نجد على سبيل المثال:
- أن أمريكا تجعل نصيب إسرائيل من مساعداتها أكثر من نصيب بعض ولاياتها والتي هي في حجم إسرائيل.
- وأن فرنسا بلد الحرية والديمقراطية المزعومة يوافق برلمانها بأغلبية 58% على قانون "جيسو فابيوس" الذي يعطي لليهود حقوقًا فوق سائر البشر حتى الفرنسيين أنفسهم؛ حيث ينص على حرية الفكر والبحث والنقد في تاريخ كافة الأمم وفي كافة العقائد حتى وإن أنكر الباحث وجود الله تعالى . أما إن تعلق البحث بالنقد لأي من الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل – مهما كانت الأدلة – فيعاقب الباحث بالسجن والغرامة؛ ومن هنا جرت المحاكمة الشهيرة للمفكر الفرنسي "جارودي" لمخالفته لهذا القانون الذي وصفه وزير العدل آنذاك، والرئيس الفرنسي " جاك شيراك " – عمدة باريس وقتئذ – بأنه وصمة عار على جبين فرنسا؛ هذا قليل من كثير لا يتسع المقام إلا للتمثيل له. ونحن نقول لهؤلاء: إن المسيح عليه السلام لم يكن ولن يكون ذلك الفظ المدمر قط ؛ فهذا مسيح لا يعرفه الكتاب المقدس الذي تؤمنون به؛ إن المسيح الذي يعرفه الكتاب المقدس مسيح رحمة وسلام، إنه المسيح الذي يقول يوحنا على لسانه: "سلامًا أترك لكم سلامي أعطيكم" يوحنا 14: 27 .. والذي يقول متى على لسانه : "أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم........لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم" متى : 5: 44-48 .
ونقول لهم كذلك : إن اليهود قد رفضهم الله ولعنهم للأبد ولا يمكن أن ينزل المسيح على هؤلاء الملاعين؛ يقول الرب عن بني إسرائيل وفي كتابهم الذي يؤمنون به "هأنذا أنساكم نسيانًا وأرفضكم من أمام وجهي .....وأجعل عليكم عارًا أبديًا وخزيًا أبديًا لا ينسى" إرميا : 23: 39: 40 .. وهو ما يؤكده المسيح عليه السلام بقوله لبني إسرائيل: "إن ملكوت الله سينزع منكم ويعطى لأمة تثمر ثمره" متى : 21: 43 .
وأما قول أصحاب هذه العقيدة بأن الوقوف في طريق إقامة إسرائيل هو وقوف أمام إرادة الله فهو منطق مخادع؛ يخلط بين إرادته تعالى وأمره؛ والنبوءة بالشر لا تعني تحريم مقاومة وقوعه، ولا تدعو للاستسلام له وتشجيعه في أي عقل وفي أي دين؛ فعلمنا بأننا بشر والموت قدرنا، لا يعني تحريم مقاومتنا للموت بالتداوي وتجنب المخاطر وكافة السبل.
أضف إلى ذلك أن ما يقال عنه إنه "مقاومة للقدر" هو في الحقيقة جزء من القدر فكل ما يبرز إلى الوجود قد سبق به القدر، ولا يجوز أن نسمي جزءًا من القدر "قدرًا" وجزءًا "مقاومة القدر" فالقدر لا يقاوم " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" الأعراف : 34 . . وسيحاسب الإنسان على عمله خيرًا كان أو شرًا، ولن يقبل الله احتجاج محتج بالقدر.

د. جمال الحسيني أبو فرحة أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة طيبة بالمدينة المنورة
gamalabufarha@yahoo.com