أخرجوا التعليم من عباءة الدولة

بقلم: مصطفى الفيتوري
متاهة

أحد أهم مشاكل التعليم العالي –في بلادنا وفي العالم الثالث عموما- هوأنه مؤسسة تابعة للدولة تديره كما ترى وفق ما تراه مناسبا لسياساتها وخططها أحيانا وليس للتعليم.
وفي غياب المنافسة من القطاع الخاص الناجح في مجال التعليم العالي تصبح الدولة هي المقرر الوحيد لشكل الجامعة وكيفية إدارتها ومن يديرها وعدد ومجموع العلماء الذين يعملون بها والذين يتحولون إلي موظفين لا حماس لديهم ولا حوافز يؤدون عملا شأنه شأن أي عمل آخر وينتظرون ترقياتهم التي لا تستند إلي الإنجازات العلمية بل إلى التقادم الوظيفي- تماما كما ينتظرون مرتباتهم شأنهم في ذلك شان أي موظف آخر يدور في طاحونة بيروقراطية الدولة الرهيبة.
وهؤلاء العلماء -في الغالب- يشتكون من الإهمال وغياب الحوافز وضعف المرتبات وانعدام وسائل البحث العلمي وهذه كلها مواصفات البيروقراطية الرصينة! في وقت لا يجب فيه ان يكون العالم شاكيا باكيا من متطلبات تعتبر من المسلمات، وأن لا يكون البحث العلمي محل جدل أو نقاش أساسا إلا إذا مس موضوعات أخلاقية كموضوع الاستنساخ مثلا.
هذا النموذج التعليمي هو سبب البلاء الذي يلم بالتعليم العالي في أغلب الدول النامية، والدول العربية بشكل خاص، ويحول المؤسسات التعليمية فيها -وخاصة تلك المتخصصة في الدراسات العليا- إلى مجرد إدارات حكومية تعمل على إنجاز تقاريرها الإدارية مثلها مثل أي بيروقراطية أخرى تابعة للدولة.
السبب الآخر للمشكلة في رأيي هو إهمال التعليم الابتدائي خاصة من سن السادسة إلي سن الثانية عشر أي إلى انتهاء المرحلة الابتدائية التي من المفترض أن تؤسس لما يلي من مراحل بعدها. وهنا تتعامل الدولة في إدارتها للتعليم مع مناهج تعليمية قديمة تفرضها على التلاميذ، وتستخدم أدوات عقيمة تعتمد الحفظ ولا تشجع على التجربة، ولهذا تنعدم المعامل في المدارس وتغيب تماما الرحلات العلمية للأطفال وهاتان أداتان مهمتان في التعليم عبر التجربة والقياس والمقارنة وهما من أهم وسائل التعليم خاصة للأطفال.
ولذلك يندر أن نرى تلاميذ يزورن متحفا للتاريخ أو مقاما لأبطاله أو يتسلقون جبلا للنظر إلي حجارته أو يقومون بتجربة توليد الكهرباء من الليمون الحامض داخل المعمل أو يراقبون تآكل المعادن نتيجة الصدأ أو تحطم العلبة المعدنية المقفلة المحتوية على ماء ساخن عندما توضع في إناء من الماء البارد.
وهكذا يحفظ الطالب التاريخ خارج المتحف ولا يذكر رموز تاريخ بلده من أبطال وعلماء ويفهم الفرق بين الأحجار البركانية والطينية دون أن يراها ويعرف أن الكهرباء موجودة دون أن يعرف ما هي ولا كيف تحدث تماما كما يحفظ معنى الضغط الجوي دون أن يلمس آثاره الحقيقية.
وهنا أيضا الدولة مسئولة وهي تمارس مسؤوليتها بكل الطرق وكافة الأشكال والتي غالبا ما تضر العملية التعليمية. فنلاحظ في بعض الحالات أن أعداد المعلمين الاحتياط يفوق ممن لديهم جداول تدريس وأن حصص الرياضة هي تسلية وكذلك حصص الرسم والحصص المعملية.
انها دوامة لا مخرج منها بلا رؤية تعليمية تنظر إلى التعليم من "أساسه إلى رأسه" كما يقال وتُطبق بصرامة شديدة لا هوادة فيها.

ان احد أهم أسباب تصدر الولايات المتحدة مثلا لقائمة الدول التي بها جامعات مرموقة هو ان الحكومة الفيدرالية لا تتدخل في التعليم منذ ان أُنشت أول جامعة في ذلك البلد الذي يضم اليوم حوالي أربعة آلاف جامعة. وما يحدث هو أن حكومة الولاية لها كامل الاختصاص في إنشاء الجامعات مع دعم من الحكومة الفيدرالية واتفاق في الرؤى والأهداف مع قطاع الأعمال من شركات ومؤسسات أخرى بما فيها المؤسسات الخيرية وغير الربحية أيضا.
هذا النموذج أكثر تقدما حتى من النموذج البريطاني. وقد حاولت تاتشر أن تستورد الفكرة الأميركية -كما استوردت أفكارا أميركية آخري في ثمانينيات القرن الماضي– وبالفعل طبقتها في بريطانيا الا أن سوء تطبيقها أدى إلى نتائج عكسية بحيث هاجر العديد من العلماء من الجامعات البريطانية وتراجع البحث العلمي لأسباب مرتبطة مباشرة بموضوع بيروقراطية الدولة بدل ان يحدث العكس فيقل تدخل الدولة في هذا الجانب. وأدى التحالف القوي بين اتحادات العمال واتحادات الطلبة إلي انهيار المشروع نهائيا بحلول نهاية آخر حكومات تاتشر مع إطلالة بدايات عقد التسعينيات.

وساركوزي فرنسا اليوم عاقد العزم على فعل ذات الشيء في الجامعات الفرنسية التي استقوت باتحادات الطلاب –التي كانت وراء كل قلقلة سياسية ذات شأن عاشتها فرنسا- لدرجة أنها كانت سببا في انهيار حكومات واستقالة وزارات كاملة. والمشكلة الفرنسية أكثر حدة من المشكلة البريطانية ذلك أن المجتمع الفرنسي توارث ثقافة خاطئة في إدارة الجامعات تقر بحق الدولة في التدخل ولكن بما يرضي الطلاب واعضاء هيئة التدريس وهذا أمر صعب في بيئة غير متوازنة.
هذان النموذجان هما أكبر دليل على فشل محاولات التطوير طالما لم يخرج التعليم من جلباب الحكومة، والدليل على ذلك هو أن أكبر الشركات وأشهر الاختراعات خرجت من وسط الجامعات ولكن في أميركا وليس في بريطانيا أو فرنسا.
طبعا اليوم الحال تغير وأصبحت الجامعات في أوروبا وخاصة بريطانيا في مصاف بعض الجامعات الأميركية ومنذ ان نجح بلير في الوصول إلى منصب رئيس الوزراء كان موفقا في علاج أحد أهم مشكلات المجتمع البريطاني الا وهي التعليم. واستعان في هذا الصدد بالتجربة الأميركية التي تركز الاهتمام أولا على السنوات الست الأولى من التعليم للأطفال وتترك أمر الجامعات خاضعا لشروط المنافسة وبقية الامتيازات الأخرى بعيدا عن دوامة الدولة وإجراءتها التي لا تنتهي.
النموذجان الأميركي والأوروبي هما السائدان وهما جديران بالمحاكاة والدراسة وعلى أساسهما يمكن التطوير والإضافة وهو ما بدأ أن التعليم الخاص او الأهلي وكأنه يفعله للوهلة الأولى. الا ان ذلك وهم يخلب الألباب ويبدو وكأنه حقيقة! فالذي حدث هو إننا نحاكي هذين النموذجين دون توفر مقومات محاكاتهما ولا البيئة القابلة لتلك المحاكاة. ونظرة بسيطة على واقع التعليم العربي تبين حقيقة المحاكاة وكيف أنها سراب جميل واقعيا يرسم صورة وردية لرؤية غائبة.

المشرق العربي كان رائدا في مسألة مشاركة التعليم الخاص او الأهلي. ويعتبر الأردن ولبنان –ودول الخليج مؤخرا- من الدول التي خاضت تجربة مرضية إلى حد ما في هذا الشأن وفتحا المجال أمام القطاع الأهلي للمشاركة في العملية التعليمية.
ورغم قدم التجربة اللبنانية وحداثة التجربة الأردنية في فتح المجال أمام القطاع الخاص في مرحلة التعليم الجامعية وما فوق الا انهما لم ينجحا في تقديم نموذج عربي يمكن أن يُحتذي به وان يُعمم نظرا لتشابه ظروف وبيئة الدول العربية مع بعضها البعض، الأمر الذي يطرح سؤالا عن دور المؤسسات العربية المشتركة ومنها المنظمة العربية للتربية والتعليم. الا ان هاتان التجربتان نجحتا في شئ مهم إلا وهو إجبار الدولة على إعادة النظر في سياساتها تجاه التعليم.
اما في المغرب العربي فأن مشاكل التعليم العالي في دوله الخمس تكاد تكون واحدة إلا أن المغرب مثلا يعاني من مشكلة بالغة التعقيد لأنه يتبنى النموذج الفرنسي في مجتمع لا يشبه المجتمع الفرنسي في أي شيء، فاهتمام الفرنسيين بالدراسات الإنسانية مثلا أنجب فلاسفة كبار في مجتمع وهب العالم أول نظام حكم غير إقطاعي في العصر الحديث (الثورة الفرنسية وتنظيرات قادتها) وقدم للعالم أكبر وأشهر الفنانين بل وأسس للمدارس الفنية التي نعرفها اليوم في مجتمع يحتفي بالفن والثقافة.
والفنان، مثلا، يمكنه أن يكون معلما في فرنسا او أن يعمل في شركة متخصصة او ان يكون مستقلا ويعيش عيشة رغدة والكاتب والفيلسوف يمكن أن يكونوا في نفس الوضع وان يبدعوا ويتكسبوا مما يكتبوا.
اما في مجتمع يحاكي النموذج الفرنسي دون توفر شروطه ومعطياته حيث لا احد يحتفي بالفن ولا بأهله والفنان عليه أن يكون مدرسا للرسم فقط والكاتب لا يمكنه أن يعيش من كتاباته -إذا وجد من يقرأها- والفيلسوف لا توفر له نظرياته قوت يومه! وهذا احد أهم الأسباب التي تجعل ذوي المؤهلات العالية في المجتمعات التي تمارس التقليد الأجوف –بعضهم تخرج من أكبر الجامعات الفرنسية- هم أكثر أفراد المجتمع شكوى وإحساسا بأنهم محرومون ويعانون البطالة بنسبة أكبر من أي شريحة أخرى اذا ما قيست إلى عددهم. فالمؤسسة التعليمية هنا أنتجت خريجين لا يوفر لهم المجتمع ولا النشاط الاقتصادي ولا الاجتماعي أي مجال أمامهم.
وهذه الورطة تواجه أيضا خريجي الإعلام في المجتمعات التي فيها الصحف حكومية لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة والإذاعات تابعة للسلطة لا مجال فيها للمبدع اللهم إلا إذا كان فنيا فقط! فأين يذهب عشرات الخريجين من الصحفيين والمحررين والممثلين وأمثالهم في هكذا وضع؟
طبعا التعليم الخاص في وضع كهذا سيضاعف المشكلة بدل أن يسعى إلى حلها. فيمكن أن يزداد عدد كليات الطب في أي بلد إلى أضعاف ما هو عليه ولكن أين يمكن ان يعمل هؤلاء الأطباء بعد ان ينهوا دراستهم! ومع هذا فإن التعليم الخاص يوفر بديل يمكن أن يكون مفيدا الا انه ليس كله جنة. فالجامعات تفرخ كالدواجن في العواصم العربية وتتحول الشقق السكنية إلى كليات جامعية بسرعة البرق -هذا الأمر حدث أيضا في الغرب في مطلع ثمانينيات القرن الماضي إلا أن آليات السوق كانت كفيلة بتصفيته لأن البيئة والواقع الاقتصادي والاجتماعي تحرض على ذلك ومنطق السوق يحكم الأشياء قبل قوانين الدولة.
هذا كله سببه غياب الرؤية والسياسة الرشيدة. فلتسمح الدولة للمستثمرين بتكوين الجامعات ولكن الرقابة عليها يجب أن تكون ادق مما يتخيل ممن يسعون إلى الربح السريع وكأنهم يديرون دكانا لبيع البيض.
القطاع الأهلي يمكن أن يوفر الموارد المالية التي يدفع غيابها بالتعليم العالي إلى الجمود أن لم نقل إلى الوراء. ولكن المعطيات الاجتماعية مهمة هنا أيضا. فأهم أسباب قصور الجامعات الحكومية هو العزلة التامة التي تعيشها تلك الجامعات ومراكز أبحاثها. فالنشط والجاد منها لا يجد من يقرأ أبحاثه وغيره لا علاقة له بمن يمكن أن يكون مستفيدا من البحث من الشركات والمصانع ومؤسسات المجتمع الأخرى كالمؤسسات القانونية والتنموية والاقتصادية.
وعليه، فمهما بلغت استثمارات القطاع الأهلي ماليا فأنه لا يمكن أن تحل المشكلة اذا لم تتوفر ادوات الحل وأن تكون من ضمن بنية المجتمع أصلا. فمراكز الأبحاث لا يمكن ان تزدهر الا اذا كان هنالك مستهلك لأبحاثها، وقس على ذلك كل شيء آخر من صناعة الأدوية الى صناعة الصابون. أي أن الأمر يتعدى مؤسسات الدولة وبيروقراطيتها القاتلة الى ضرورة وجود مؤسسات أهلية، أي مؤسسات مدنية تكمل دور مؤسسات الدولة.
لعله من المعروف اليوم أن أسس سياسة الدولة في أغلب البلدان الأوربية والولايات المتحدة خصوصا توضع إرهاصاتها الأولى في مركز الأبحاث وفي الجامعات حيث العقول التي تناظر بين الواقع وما توصل اليه بحثهم ودراستهم.
في مراكز الأبحاث الأميركية مثلا من قبيل أميركان أنتربريز وكارنجي وهيرتج وغيرها توضع خطط الدولة والسيناروهات البديلة لتلك السياسات. ولعلنا نذكر أن اليمين الجديد في الولايات المتحدة الذي برر الحرب على العراق وقادها تكون اولا في مراكز الأبحاث حيث وضع خططه وعندما جاءت إدارة تحمل ذات رؤيته بادر إلى تنفيذ وتطبيق تلك الأفكار.

وبالرغم من هذا فان الأفق العربي به شيء من الأمل وهو انهماك القطاع الخاص في مجال التعليم. وبالرغم من العيوب التي تشوب التجربة الوليدة إلى الآن فان لها ايجابيات. هنا يكمن دور الدولة الرقابي عبر أدوات رقابية فعالة بعيدا عن الدولة نفسها أي يجب أن تكون محايدة. إن كان للتعليم أن يرتقي يجب أن يٌنظر اليه كذلك لا كمؤسسة بيروقراطية تابعة للدولة.
الا أن التعليم الأهلي لا يمكن أن يزدهر دون توفر اشتراطاته بل أنه مرشح ليتحول الي جزء من المشكلة وهدف للنقد وحتى الحرب من قبل المؤسسات التعليمية الحكومية حيث تشكك الجامعات الحكومية في جدوى وجود الجامعات الخاصة أو الأهلية.
وحين ندقق في الأمر نكتشف أن للطرفين الحق فيما يقولا، والسبب هو أن كلا منهما ينطلق من رؤية مختلفة ويسعى الى تحقيق أهداف ليست بالضرورة واحدة. الا أن السبب الرئيسي هو أن كلا المؤسستين تعملان في نفس المجتمع ووفق نفس الظروف وهذا لا يزيد الا أعداد الخريجين وأعداد الكليات.
فالجامعة الأهلية أو الخاصة تعمل ضمن نفس الوضع الذي تعمل فيه نظيرتها الحكومية. انها دوامة لا خلاص منها الا بتغيير سياسات التعليم وفق تركيبة المجتمع وليس بما يتمشى مع احتياجاته بالضرورة. فالمجتمع المفتوح مجتمع مبدع بالضرورة ويمكن له أن يخلق الفرص أمام كافة أنواع التخصصات بل ويجد لها سوقا رائجة.

مصطفى الفيتوري

رئيس قسم إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية في أكاديمية الدراسات العليا/ طرابلس- ليبيا mustafafetouri@hotmail.com