'أخبار الأدب'.. أمس واليوم وغداً

قلم: محمد أحمد المعصرانِي
عهد جديد

عرفتُ "أخبار الأدب" منذ صدورِها، كان هذا فِي نِهاية دراستِي فِي المرحلة الثانوية، كنتُ فِي ذلك الحين غيرَ حريصٍ على متابعة كل الأعداد، بيد أننِي منذ انتهائي من المرحلة الجامعية فِي منتصف عام 1997، أصبحتُ متابعًا لجميع أعدادها دون انقطاع، بل إن الأعداد الخاصة كنتُ أشتري منها نسختين، نظرًا لِمَا يُمثل أيُّ عدد خاص من ميزات كثيرة لا تتوافر فِي كتاب يتحدَّث عن موضوع العدد الخاص.

وفِي العدد 914 (18 من صفر1432هـ = 23/1/ 2011) كان المقال الأخير لرئيس التحرير الروائي الكبير جمال الغيطانِي بعُنوان: "رِيادَة التجرِبة"، الذي بيَّنَ فيه أهمَّ عناصر الرؤية الثقافية التِي سارت عليها "أخبارُ الأدب" فِي عهده الذي استمرَّ ثمانية عشر عامًا. ومن هذا العدد يبدأ عهدٌ جديد لِـ "أخبار الأدب"، حيث أُسندت رئاسة التحرير إلَى الأستاذ مصطفى عبدالله، صاحب الخبرة الطويلة فِي الثقافة الأدبية.

ومع العدد 915 (25 من صفر 1432هـ = 30/1/2011) تطلُّ علينا أولَى مقالات الأستاذ مصطفى عبدالله بعُنوان: "استمرار"، والذي يطرح فيها فكرةً جديدةً، وهي أن تَضُمَّ مجلَّةُ "العربِي" الكويتية تقييمًا شهريًّا لأعداد "أخبار الأدب"، وهو ما يتيحُ للقائمين عليها فُرَصًا كثيرةً لمراجعة النفس فِي كل ما يُنشر وفِي توجُّهات الجريدة. بيدَ أن هذا العدد يَحمل سِماتِ الأعداد السابقة. وقد نزل هذا العدد فِي الأسواق صباح يوم جُمعة الغضب. ومن المعروف أن الجريدة تصدر قبل موعد صدورِها بيومين.

وقد صدر العددان 914، 915 على نَهْج الأعداد السابقة، بيد أن العدد رَقْم 916 تأخَّر أسبوعًا كاملا بسبب ثورة 25 يناير، وكان من المنتظر أن يصدر هذا العدد بتاريخ (3 من ربيع الأوَّل 1432هـ = 6/ 2/ 2011)، وبِهذا تأخَّرت الجريدة عددًا من أعدادها. فصدر فِي (10 من ربيع الأوَّل 1432هـ = 13/ 2/ 2011)، وكان عدد صفحاته 24 صفحة بدلا من 36 صفحة. وكان عددًا خاصًّا عن "يوميات الغضب والثورة"، وهو عددٌ تاريخيٌّ كَتَبَ جُلَّ ما فيه محرِّرُو الجريدة، تُرى ماذا سيقول التاريخ عنا بعد خمسين سنة أو مئة سنة؟ ماذا سيقول حين يرى هذه الصُّوَرَ التِي تدُلُّ على جبروت من دبَّرَ لموقعة الجمل الجديدة؟ فِي هذا العدد مقالة مهمَّة للأستاذ محمود الوردانِي، قرأتُها أكثر من مرَّة. ومن عاداتِي حين أقرأ مقالا مهمًّا أن أُمسك القلم الأحمر وأضع أسْهُمًا أمام الفقرات المهمَّة أو التِي تُمثل إضافة تاريخية أو علمية لِي، وأحيانا أخُطُّ خطوطًا كثيرةً تحت السُّطور.

وبدءًا من هذا العدد يُكتب فِي الصفحة قبل الأخيرة: "أخبار الأدب أسَّسَها: إبراهيم سعده، وصدر العدد الأوَّل منها فِي 19/ 3/ 1993 برئاسة تحرير جمال الغيطانِي". وهي معلومة مهمَّة تدُلُّ على رِيَادَة "أخبار الأدب"، وعلى مَنْ كانوا سببًا فِي وجودِها واستمرارِها منذ هذا التاريخ إلَى أنْ تولَّى رئاسة تحريرها مصطفى عبدالله. وبالطبع فإن هناك جنودًا كثيرين أسهموا بنصيب كبير فِي استمرار هذه الجريدة حتَّى الآن، بالرغم من تغيُّر حياتِنا الاجتماعية وضغوط الحياة الصارفة عن كل شيء يتعلق بالأدب من قريب أو بعيد.

وبدءًا من هذا العدد أيضًا تبدأُ سلسلةٌ من الأعداد الخاصَّة، تستمرُّ حتَّى كتابة هذه السُّطور بعد صُدُور العدد 920 بيومين. وحقًّا إن الحياة العربية الآن تقتضي هذه الخصوصية، وفِي رأيي أن هذه الأعداد الخاصَّة أعدادٌ تاريخية، ستقرأُها الأجيالُ التاليةُ وستقِفُ عندها كثيرًا كي تنظر كيف كُنَّا على قَدْر هذا الحدثِ العظيم.

وفِي العدد 917 (17 من ربيع الأوَّل 1432هـ = 20/ 2/ 2011)، وهو من سلسلة الأعداد الخاصة التِي سبق الحديثُ عنها يَكتب رئيسُ التحرير مقالا بعُنوان: "ثَمَن الحريَّة"، ويكتب عن رحيل الفريق سعد الدين الشاذلِي، البطل الحقيقي للعبور العظيم، ويُذَكِّرُنا بطابور الأسرى اليهود الذي نقله التليفزيون المصري مساء السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، مستشهدًا بقول شاعر العربية الأكبر المتنبِّي حين قال لسيف الدولة الحمدانِي:

تَمُرُّ بِكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزِيمَةً ** وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وَثَغْرُكَ بَاسِمُ

وما أحقَّ سعدَ الدين الشاذلِي بأن يُقال له هذا البيتُ الذي أنشده المتنبِّي لسيف الدولة فِي سنة 344 هـ.

وبدءًا من هذا العدد تُنشر صُوَر محرِّري الجريدة مع مقالاتِهم، وهم جديرون بِهذا، وتُنشر أيضًا صُوَر جميع الأدباء الذين كتبوا فِي الجريدة، وهذا أمرٌ مهمٌّ للتاريخ، فربَّما لا تُنشر للكاتب صورةٌ أخرى فِي مكانٍ آخر، وتكون صورتُه فِي "أخبار الأدب" هي الصورة الوحيدة التِي نُشرت له. وكم من مرَّة اشتريتُ فيها كتابًا أو مجلَّةً قديمةً بسبب وجود صُوَر بعض أدبائنا الرَّاحلين فيها، ومِثلي فِي هذا كثيرون من القُرَّاء.

وقد حَفِلَ هذا العددُ بقصائدَ كثيرةٍ لشُعراء كثيرين لم يجتمعوا من قبلُ فِي "أخبار الأدب"، بدءًا بسعدي يوسف وانتهاءً بفؤاد طَمَان، مرورًا بالدكتورة سعاد الصباح (نثر أدبِي)، وعبدالحميد زقزوق، وأحمد سويلم، وأشرف البولاقي، ودرويش الأسيوطي، وأحمد عبدالمعطي حجازي، والدكتور حسن فتح الباب، والمتوكِّل طه، وإبراهيم داود، وعبده الزرَّاع، ومحمود الأزهري، وأحمد شلبِي، والدكتور أحمد درويش. وهذا عددٌ من الشعراء لم نعهدْه فِي عدد واحد من "أخبار الأدب"، أو فِي غيرها من الدوريَّات الأدبية، وهذا أسعدنِي كثيرًا بصفتِي مُحِبًّا للشعر.

وقد لاحظتُ أن عُنوان الشاعر لم يُكتب مع اسمه كما تعوَّدْنا من قبل، فليتَ هذا - كتابة اسم المحافظة مع اسم الشاعر - يُلتزم فِي الأعداد الجديدة من الجريدة. وقد أعجبتنِي كثيرًا قصيدة الشاعر الفلسطينِي المتوكِّل طه، وقصيدة الشاعر درويش الأسيوطي، وقد قرأتُهما أكثرَ من مرَّة.

ولاحظتُ أيضًا أن عَمُود "موعد فلقاء" لم يُذكر، وهو عَمُودٌ أدبِيٌّ مهمٌّ لا بدَّ من بقائه؛ حتَّى يتابع المعنيُّون بالثقافة الندواتِ الثقافيةَ فِي مصر. وله - مع مُرُور الزَّمَن - قيمةٌ تاريخيةٌ للمعنيِّين بتاريخ الفكر الأدبِي وتاريخِ الندوات الأدبية.

مصطفى عبدالله رئيس تحرير أخبار الأدب

وفِي العدد 918 (24 من ربيع الأوَّل 1432هـ = 27/ 2/ 2011)، الذي ضمَّ ملفًّا مهمًّا عن "الدستور.. كتاب الوطن"، نجد مقالات للدكتور يحيَى الجمل، والدكتور فيصل يونس، بالإضافة إلَى مقالات محرِّري الجريدة، ونجد قصيدة بعنوان: "نونية النصر المبين" للشاعر الدكتور محمَّد أبو دومة. وقصَّة بعُنوان: "الوقوف عند اليقين" لمحمَّد جبريل، وأظن أن الأستاذ جبريل لم يَنشر شيئا منذ سنوات طويلة فِي "أخبار الأدب". ونقرأ أيضا مقالا مهمًّا للدكتور عبدالحكيم راضي بعُنوان: "لا لسيناريو الالتفاف". والعدد حافلٌ بغير ذلك من المقالات والشِّعر والقصة.

وفِي العدد التاريخي عن "ليبيا.. مرحبا أيتها الحياة"، وهو العدد رَقْم 919 (غُرَّة ربيع الآخِر 1432هـ = 6/ 3/ 2011)، وقد كُتب عليه "عدد خاص"، وأرى أنه كان يجب أن يُكتب عليه "عدد تاريخي"، ففيه مقالات عن ليبيا نادرًا ما تجتمع معًا فِي مجلَّة أو جريدة، بدءًا من مقالة فتحي إمبابِي "باقة من الزعتر والياسمين ونسيم البحر وعطر من الحب لطبرق ودرنة وبنغازي"، وانتهاءً بالحوار الذي أجراه عبدالصبور بدر مع المُعَارِض الليبِي شكري السنكي. وفِي هذا العدد قصائد لخمسة من كبار شُعراء مصر: حلمي سالم، عبدالجواد طايل، فؤاد طَمَان، د.أحمد تيمور، د. يوسُف نوفل. ولأوَّل مرَّة أيضًا تجتمع هذه الأسماءُ الكبيرةُ فِي عدد واحد، وأنا لم أر قصيدة للدكتور أحمد تيمور فِي "أخبار الأدب" منذ سنوات طويلة، وكذلك للدكتور يوسف نوفل، فهذه أوَّل مرَّة أقرأ له قصيدة فِي "أخبار الأدب".

وفِي العدد الأخير الذي يحمل رَقْم 920 (8 من ربيع الآخِر 1432هـ = 13/ 3/ 2011)، وهو عددٌ خاصٌّ أيضًا، حَمَل عُنوان: "الشعوب العربية تعزف نشيدَ الحرية" - نُفاجأ بِمقال رئيس التحرير "موت أمّ"، وهو من المقالات النادرة التِي يتحدَّث فيها كُتَّابُها عن موت أُمَّهاتِهم فِي صحافتنا الأدبية.

وفِي العدد نفسِه تحقيقانِ مهمَّانِ عن دار الوثائق ودار الكتب المصرية للأستاذة مُنَى نور، ثم قراءة ليبية للعدد 919 الذي خُصِّصَ عن "ليبيا"، وقد كَتَبَ هذه القراءةَ الكاتب الليبِي ناصر الزنتانِي. وهذه فكرة جيِّدة، فقراءةُ أحد القُرَّاء لكل عدد من "أخبار الأدب" قراءةً ناقدةً تُبَصِّرُ القائمين على الجريدة، وتَدُلُّهُم على مدى نجاحِهم أو إخفاقِهم، وحبَّذا لو استمرَّ هذا الأمرُ خاصةً فِي هذه المرحلة التِي تولَّى فيها رئاسةَ التحرير الأستاذ مصطفى عبدالله، "وهو المحرِّر الثقافِي المخضرم"، كما يقول عنه الأستاذ جمال الغيطانِي فِي مقالته الختاميَّة والتِي حملتْ عُنوان: "رِيَادَة التجرِبة". والعدد مليءٌ بكثيرٍ من موادِّ الأدب والنقد الرفيعة.

هذه قراءةٌ سريعة للأعداد الأخيرة من "أخبار الأدب"، تلك الجريدة التِي تقفُ فريدةً فِي حياتنا الأدبية والثقافية، لا تضارعُها جريدةٌ أو مجلَّةٌ أدبيةٌ أخرى، وذلك بسبب كونِها إصدارًا أسبوعيًّا، يُغطي أخبارَ الأدب فِي مصر والعالم العربِي، وينهضُ أيضًا بتغطية أخبار الأدب فِي جميع قارَّات العالَم.

ومن المعروف أنَّ "أخبار الأدب" تُولِي عنايةً كبيرةً بالأدب المهجريِّ المعاصر. وكمَا تُعنَى بنشر نصوص أدبية لأدباء مصر وأدباء العرب، تُعنَى أيضًا بنشر نصوص أدبية لأدباء من كافة أنحاء العالم، فنحن نقرأ فِيها نصوصًا مترجمةً لأدباء من اليابان والصين، كما نقرأ فيها نصوصًا لأدباء من أميركا اللاتينية، وبالطبع فإنَّها تنشرُ نصوصًا كثيرة لأدباء من كافة الدول الأوربية، وتحرِصُ على الترجمة من النص الأصليِّ الذي كُتب به العملُ الأدبِي.

وإذا كُنَّا بصَدَد الحديث عن مستقبل "أخبار الأدب" فإننا نجد من واجبنا الإشارةَ إلَى الاستمرار فِي الاعتناء بالإبداعات الواعدة للشباب، والنقدِ الهادف البنَّاء، والتوازُن بين الإبداعات الأدبية المنشورة من شعر وقصَّة ونثر أدبِي ونقد وأدب أطفال، وغيرِ ذلك من الأنواع الأدبية.

هنيئا لقُرَّاء "أخبار الأدب" بِهذه الأعداد التاريخية التِي تدُلُّ على أن القائمين على هذه الجريدة على مستوى الأحداث العظيمة التِي تشهدُها البلادُ العربية، هذه الأحداث التِي تغيِّرُ أنظمةَ بلادِها الحاكمةَ الظالمةَ لشعوبِها الصابرةِ الثائرة.

ورجاءٌ مهمٌّ إلَى الأستاذ مصطفى عبدالله: أرجو العناية البالغة بتصحيح كل ما يُنشر فِي الجريدة حتَّى لا يقع أيُّ خطأ مطبعي، وقد ذكرتُ هذا للأستاذ عزت القمحاوي فِي مكتبه فِي أحد أيام شهر يولية 2006، وذلك بعد نشرِه قصيدةً لِي فِي العدد 678 (13 من جُمَادَى الآخِرة 1427هـ = 9/ 7/ 2006)، وقد جاء بِها بعضُ الأخطاء المطبعية التِي كسرت الوزنَ وغيَّرَت المعنَى. ولم تنجُ قصائدي التِي نُشرت بعد هذا التاريخ من الأخطاء المطبعية إلا حين أرسلتُها على البريد الإلكترونِي للجريدة. مع خالص أمنياتِي لكم بالتوفيق والإبداع الدائم.

محمد أحمد المعصرانِي ـ القاهرة