أحمد شوقي يصوّت لفائدة 'أمير الشّعراء' الجديد

تونس ـ من ناجية بوبكر
من أجل امتلاك أحقية الحضور

على إثر جلسة انتظمت مؤخّرا بصالون "الأربعاء الأدبيّ" بتونس المدينة حول "ثقافة المرحلة ومتغيّراتها"، عرّج متدخّلون على ما اعتبروه "تسويقا للوجه الإبداعيّ الرّاهن"، في إشارة إلى المبادرات الخليجيّة الأخيرة الّتي خصّت جيلا واعدا من الشّعراء العرب، ببرامج تحفيزيّة، هامّة، بدءا من "أمير الشّعراء"، إلى "شاعر المليون" وانتهاء ببعث "أكاديميّة الشّعر العربيّ".
من جهته، وحول هذه الحوافز في ظلّ نظام ثقافيّ جديد، أفادنا الشّاعر يوسف رزوقة، بوصفه أمينا عامّا لحركة شعراء العالم، ممثّل العالم العربي، أنّ ما يحدث في الخليج العربيّ لفائدة الشّعر باعتباره فنّ العربيّة الأول، شيء لافت، لا يمكن، بأيّ حال، الاستهانة به أو التّقليل من جدواه، إن عاجلا أو على المدى البعيد.
ولعلّه يجدر بنا أن نتوقّف، ونحن نشهد هذا الحراك الثّقافيّ غير المسبوق تعضده رؤية استثمارية غير ربحيّة، في حقل غير بتروليّ بالمرّة، تخشاه سائر رؤوس الأموال في العالم، أن نتوقّف، بعمق، إزاء هذا الفعل الخليجيّ الرّاهن والذي يراهن، نيابة عن دول عربيّة أخرى لها في الواقع أولويّات أخرى شائكة، على رأسمال الوجدان العربيّ وهو الأساس في رأينا، باعتباره الخميرة الأساسيّة الأولى لتشكيل ملامح إنسان قادم ذي هويّة متجذرة في تربتها، قائمة على الإحساس المبكّر والسّليم بكلّ ما هو محيط بحيث تنهض، بناء عليه، إن بشكل أو بآخر، أيّة بنية تحتيّة، يقتضيها منطق التساوق مع البنية الفوقية وينشدها أيّ بناء آخر، في أيّ حقل آخر. على خطى أحمد شوقي وبخصوص الموقف الاستنكاريّ لكبار النقّاد والشعراء المصريين إزاء التّكريس الإعلاميّ، عبر الفضائيّات العربيّة لفئة من شعرائنا الشّباب والذي ينتهي بتتويج أحدهم بلقب "أمير الشّعراء"، يقول رزوقة "يبدو لي هذا الجدل، على نبل مقصده وصدق نبرته، غير منصف وقد يكون جانب جوهر الموضوع، على خلفيّة أنّ مثل هذا التّكريس الإعلاميّ، وإن بدا استعراضيا إلى حدّ ما، هو من مطالبنا القديمة كشعراء، كي يحظى الّشاعر في عصره بالاهتمام اللاّزم على غرار نجوم الفنّ والكرة وعارضات الأزياء حتى لا يطاله غمط أو تهميش وحتّى يشعر على الأقلّ بأنّه ذو أهمّيّة في بورصة القيم المضافة.
وها نحن نراه يتحقّق بالملموس، على أرض الواقع، مع نظرائنا من شعراء المرحلة، من الشباب، أليس هذا في حدّ ذاته منعرجا ثوريّا لفائدة الشّعر وأهله، حتّى وإن لم يشمل كبار الشعراء من المتقدمين في التجربة؟ بل حتّى النقطة التي يبدو أنها كانت مثار الاستنكار، يضيف رزوقة، هي الأخرى قابلة للنّقاش وأعني بها لقب "أمير الشّعراء"، ما الضّير في أن يطلق هذا اللّقب رمزيّا على شاعر شاب يبدو واعدا ومقتدرا وله مواصفات شاعر كبير؟
إنّ لقبا كهذا، ما أطلق، حسب تقديري، إلاّ من باب التبرّك بأيّ موهبة شعريّة جادّة باعتبارها ضميرا مستترا تقديره أمير شعراء على خطى أحمد شوقي، أمير الشعراء سابقا، فلماذا نستكثر على شاعر قادم لقبا كهذا؟ ثمّ ألا يبدو تداول هذا اللقب، الآن وهنا وعلى هذا النحو التّسويقيّ والتشويقيّ المثير، بالمعنى النبيل للكلمة، إحياء لذكرى شاعر كبير كأحمد شوقي؟
ويضيف يوسف رزوقة "تحضرني في هذا السّياق حادثة استطرفتها رغم ظاهرها الذي قد يبدو فيه شيء من الإجحاف إزاء شخصي، كنت رفقة أصدقاء لي، عند تمثال ابن خلدون، وسط تونس العاصمة، عندما مرّ المترو بالقرب منّا ومن إحدى نوافذه، أطلّ أحد الرّكّاب ليناديني بأعلى صوته: يا أبا القاسم الشّابي! (على خلفيّة أنّه تعرّف إليّ من خلال ظهوري الأسبوعيّ، ولسنوات، في برنامج تلفزيوني "الخطوة الأولى" كمستشار أدبيّ للمواهب الشّعريّة) وهو إذ ناداني باسم شاعر مشهور لديه، يعني أنّه نسي الاسم، اسمي، وأنّه في الآن نفسه أراد أن يبرهن لي ولمن حوله أنني شاعر، من العائلة الشعرية التي ينتمي إليها أبو القاسم الشّابي، وهذا في حدّ ذاته اعتراف من الآخر بالشّاعر الذي قد يكونه واحد منّا بصوته الخاصّ والذي قد يرمز إليه، عند النداء، باسم آخر، وهذا مبعث حياة في الواقع، للشاعرين معا، أعني الغائب منهما وقد حضر اسمه والحاضر أيضا، وقد غاب اسمه، أليسا هما في النهاية، توأمين في بيت القصيد؟
"فالشعراء ينحدرون من قرية واحدة وإن ولدوا في شوارع مختلفة من العالم" على حدّ تعبير يفغيني يوفتشنكو.
وبخصوص إشكاليّة اللّقب (لقب أمير الشعراء)، يتساءل رزوقة: ألا نكرّس، ونحن نريد أن يظلّ هذا اللّقب حكرا على أحمد شوقي، كاريزما الشاعر الذي يرفض عادة مثل هذا اللقب التصنيميّ، المسقط، إيمانا من هذا الشاعر نفسه بمبدأ التعايش مع القيم الأخرى، قطعا مع دابر الشخصنة والتحزب الضيق للأنا الواحدة؟
ثمّ يطرح سؤالا آخر: لماذا ننتظر حتّى يكبر هؤلاء الشّعراء من الشّباب؟ أليس الشّاعر الحقيقيّ هو من يولد كبيرا؟ شخصيا، أدأب على معاملتهم باعتبارهم شعراء كبارا ولا غبار على ما يبدعون وبالتالي، فهم ليسوا في حاجة إلى وصاية من أحد أو إلى"مؤسّسات علميّة"، إن وجدت، لتأطيرهم كمتبارين، فهم، بطبعهم، ثائرون على كلّ ما هو هيكلة مؤسّسية، قد تكون قامعة للنّهر المتدفق فيهم، بل أذهب أبعد من هذا لأسأل: لماذا يؤطّرون أصلا إذا كان المقام مقام امتحان وقانون اللّعبة فيه فرز من هو جدير بالتّتويج من ضمن آخرين أقلّ جدارة؟
لقد تابعت، من على أرض محايدة، فحوى هذا الريبورتاج الّذي تناقلته وكالات الأنباء العربيّة، ولعلّ ما لاقى في نفسي هوى، مع تقديري لمختلف الآراء الأخرى، تصريح للدكتور أسامة عبد المالك علوان، وفحواه أنّ برنامج "أمير الشعراء" قد نجح في خلق حالة شعريّة ثقافية تتفوق على مجرد منح لقب الشاعر، ولعلّ ما يخدم بعض أهداف هذا البرنامج، هذه النافذة التي فتحت للجماهير العربية للتفاعل الإيجابيّ والإسهام في تقرير النتائج وهو ما يتقاطع والنظريات النقدية الحديثة التي تترك للمتلقي فراغا في النص الشعري.
ويدعو رزوقة بالمناسبة إلى فتح الباب على مصراعيه أمام الشعراء القادمين من أجل امتلاك أحقّية الحضور عربيّا وتقرير مصيرهم الشّعريّ، على مدى أوسع وعلى النحو الذي تقول به متغيّرات المرحلة لعلّهم يغنمون من الشعر ما به يقطعون مع الفقر ومشتقاته.
ليختم "بعبارة أخرى، أنا أرى أنّ أحمد شوقي، برّد اللّه ثراه، مع كلّ أمير شعراء جديد، قد يعتلي عرش القصيدة القادمة ليمنحنا، إلى جانب الموروث الشّعريّ المضيء، بهجة التعاطي مع مهجة شعرية، جديدة، لها نكهة أخرى هي نكهة عصرها". أكاديمية الذّاكرة الشّعريّة وحول "أكاديميّة الشعر العربيّ" التي تمّ بعثها، قال الأمين العامّ لحركة شعراء العالم: لقد عوّدتنا هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث على مثل هذه المبادرات الذكيّة وكلّها مشاريع غير مسبوقة، تصبّ في إطار استشرافيّ، تنمويّ يهدف إلى إرساء ثقافة المكان مع ضمان انفتاحها على ثقافات الجوار والعالم.
ولعلّه من هنا، نضجت، لدى أهل الذّكر، فكرة أكاديمية للشعر العربيّ كفضاء معرفيّ، مستقبليّ، يعنى بالإبداع الشّعريّ وما هو في حكمه، وفق مناهج علميّة، مقنّنة ليصبو في الآن نفسه، نأمل ذلك، إلى الإفادة من مختلف المدارس والتجارب الشّعريّة في العالم وفي شتّى اللّغات، قولا بتلاقح القرائح وإعلاء لأهمّيّة هذا الرّحاب العلميّ الطّموح.
كلّ ما نأمله في هذا السّياق، يقترح رزوقة، ألا يغفل السّاهرون على حظوظها، قرار وضع هذا الفضاء الأكاديميّ موضع رهان لضمان أهمّ شرط من شروط نجاحه ومصداقيّة منهاجه الدّراسيّ، في إشارة إلى استراتيجيّة انتداب الإطار التّدريسيّ المؤطّر والكفء والكفيل بجعل هذه الأكاديميّة خليّة نحل فاعلة، إبداعا وإشعاعا وإقناعا، تحكمها رؤية تحديثيّة وتأصيليّة في آن، ذلك أنّ شعرنا العربيّ في حاجة ماسّة إلى مثل هذا الاحتضان الأكاديميّ، من أجل تشذيب ما قد يكون طرأ عليه، عبر العصور المتعاقبة، من شوائب وعسف، كي يسهم، من ثمّ، بدوره الوظيفيّ والجماليّ في ما هو منذور له، الآن وغدا.
ويفتح محدّثنا قوسين ليضيف: لفرنسا، على سبيل المثال، مشروع "تهريب الذّاكرة"، من خلال تظاهرة "ربيع الشّعراء" الّتي يحتفي بها، كلّ سنة، في عموم أنحاء البلاد، والغرض منها، استدعاء رموز شعريّة قديمة وتسليط الضّوء عليها حتّى لا تسقط من ثقوب الذّاكرة ويطويها النّسيان، ولعّل أكاديميّة للشّعر العربيّ كهذه سيكون لها فضل إعادة "ذاكرتنا الشّعريّة" إلى سالف عنفوانها بتجنيبها عوامل التّصحّر والتّلاشي، من خلال جمع المعطى الشّعريّ الشّائع والمغمور، الشّعبيّ والفصيح وتوثيقه وتخزينه عبر وسائط مكتبيّة وافتراضيّة، شتّى، على نحو يحقّق للجمهور المستهدف مصالحة نموذجيّة، مع "ديوان العرب".
ويأمل رزوقة أن يحرّك فضاء كهذا سواكن الشعر العربيّ عبر برمجة عديد الندوات وعقد المؤتمرات العلميّة ذات الصّلة والتّظاهرات الأدبيّة سواء أكانت شعريّة أو نقديّة، إلى جانب حلقات بحث ومناقشة، تأكيدا لتواصل علمي منشود بين أهل الذّكر من المبدعين وسائر الباحثين من ذوي الاختصاص. ناجية بوبكر ـ تونس