أحمد سوسة يوثق لتاريخ الري والمياه في العراق

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
لذكرك يا نسيم أحب عندي ** من الشهد المصفى والنسيم

منذ أن كنت طالبا في قسم التاريخ بكلية التربية – جامعة بغداد مطلع الستينيات من القرن الماضي، وكتب ودراسات ومقالات الدكتور احمد سوسة في متناول أيدينا، وازدادت معرفتي به بعد أن عرفت ابنته الدكتورة الراحلة عالية احمد سوسة أستاذة في قسم التاريخ بكلية الآداب في منتصف السبعينيات.

وعند شروعي في كتابة رسالتي للماجستير عن ولاية الموصل ظهرت حاجتي إلى كتابه الذي يدور حول "نظام الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية" وقد أعده سنة 1933، ولم يكن متوفرا في مكتبات بغداد فبحثت عنه واستطعت الحصول عليه من خارج العراق وهو بالانكليزية.

أحمد سوسة هو نسيم سوسة من عائلة عراقية يهودية عريقة سكنت الحلة، وقد أشهر إسلامه في القاهرة وأمام محكمة مصر الابتدائية الشرعية بتاريخ 22 شعبان سنة 1355 هـ الموافق لليوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1936 وسمي أحمدا. وقد أقامت له جمعية الهداية الإسلامية بالقاهرة حفلة تكريمية حضرها رئيس الجمعية الشيخ محمد الخضر حسين والدكتور محمد الهاشمي عضو البعثة العلمية العراقية والأستاذ محمد حلمي بك وكيل التفتيش الإداري، وعدد من شبان الجمعية وشباب من الجامعة المصرية (جامعة القاهرة فيما بعد). وعلى اثر ذلك تولت المطبعة السلفية في القاهرة لصاحبها الشيخ محب الدين الخطيب نشر كتاب ألفه بعنوان "في طريقي إلى الإسلام" في جزأين، طبع الجزء الثاني في مطبعة الغري بالنجف الاشرف. وقد أتحفه العلامة الشيخ كاظم الـ كاشف الغطاء بقصيدة جاء في مطلعها:

حلفت برب مكة والمصلى ** وبالبيت المقدس والخطيم

لذكرك يا نسيم أحب عندي ** من الشهد المصفى والنسيم

ولد في مدينة الحلة سنة 1900 وأكمل دراساته الابتدائية والمتوسطة فيها ثم سافر إلى لبنان ودخل الجامعة الأميركية في بيروت، وهناك التقى عددا من الطلبة العراقيين أمثال فاضل الجمالي ومتى عقراوي وأكرم فتحي جليميران ويوسف زينل وخدوري خدوري ومحيي الدين يوسف، وأسس معهم في 21 مايو/آيار سنة 1924 "جمعية الطلاب العراقيين"، وكان لها نشاط ثقافي.

وبعد أن أكمل الإعدادية سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية يوم 8 يوليو/تموز سنة 1925 لمواصلة دراسته في كلية تكساس الزراعية الميكانيكية، وبين 1925 و1930 تنقل بين عدة جامعات وحصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية مع اختصاص في هندسة الري من جامعة كلورادو بالولايات المتحدة الأميركية سنة 1928 ومن جامعة جورج واشنطن نال شهادة الماجستير في فبراير/شباط 1929 ثم حصل على الدكتوراه في تخصص الأنظمة الدولية الخاصة بالأنهر المشتركة بين الدول بدرجة شرف من جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور سنة 1930.

وقد قال إن الذي دفعه إلى دراسة هذا التخصص هو وجود مشاكل للعراق في قضايا المياه المشتركة مع تركيا وإيرن.

عاد سوسة إلى وطنه العراق وعين مهندساً في دائرة الري العراقية سنة 1930، ثم تقلب في وظائف فنية في عديدة حتى عين سنة 1946 معاوناً لرئيس هيئة عليا شكلت آنذاك لدراسة مشاريع الري الكبرى.

وفي سنة 1947 عين مديراً عاماً للمساحة ثم مديراً عاماً في ديوان وزارة الزراعة سنة 1954، ثم أعيد مديراً عاماً للمساحة، وبقي في هذا المنصب حتى سنة 1957. وعند تأسيس مجلس الإعمار سنة 1951 عين مساعدا شخصيا في الأمور الفنية لنائب رئيس مجلس الأعمار فضلا عن وظيفته الأصلية. كما عين عضوا في "المجمع العلمي العراقي" عند تأسيسه سنة 1946 وبقي كذلك حتى وفاته.

أسهم في تأسيس "جمعية المهندسين العرقيين" سنة 1938 ولخبرته الطويلة في قضايا الري فقد أرسلته الحكومة العراقية إلى المملكة العربية السعودية لدراسة بعض مشاريعها الإروائية في منطقة الخرج بين سنتي 1939 و1940 .

ألف قرابة 50 كتابا وأعد أطالس فنية وكتب تقارير عن الري والفيضانات وله عشرات الدراسات والبحوث والمقالات دارت حول موضوعات الري والجغرافية والتاريخ والهندسة والزراعة.

وقد أصدرت ابنته الدكتورة عالية أحمد سوسة في سنة 1986 الجزء الأول من مذكرات والدها الشخصية بعنوان "حياتي في نصف قرن" وتولت دائرة الشؤون الثقافية العامة ببغداد، وهي تابعة لوزارة الثقافة نشر المذكرات لأهميتها. وفي هذه المذكرات وقف صاحبها عند أسرة ال سوسة وقال بأن أصولها من جنوبي اليمن، وجاءت العراق وانتقلت إلى الحلة. وتحدث عن نشأته ودراسته في العراق وبيروت وأميركا ووضع في نهاية مذكراته ثلاثة ملاحق وهي عبارة عن بحوث كتبها في سنوات متفرقة الأول بعنوان: "دراسة مقارنة بين الإسلام والمسيحية " كتبه في سنة 1929 أثناء دراسته في جامعة شيكاغو، والثاني بعنوان: "فلسطين بين العرب والصهاينة" نشره في جريدة الأحرار (اللبنانية) سنة 1930 والثالث بعنوان "القضية الصهيونية والروح العربية" كتبه سنة 1936 ونشرته مجلة الرابطة العربية في بيروت.

وقالت الدكتورة عالية احمد سوسة في تقديمها لمذكرات والدها إن والدها قضى العقد الأخير من حياته متفرغا للبحث والتأليف، وهو في السن الثمانين من عمره حتى وافته المنية مساء السادس من فبراير/شباط سنة 1982.

كرم الدكتور أحمد سوسة في حياته مرات عديدة وحصل على أوسمة وشارات وجوائز تقديرا لعمله في حقل التأريخ للري في العراق عبر العصور، ولعل من أبرز تكريماته نيله وسام الرافدين من الدرجة الثانية 1953 وتكريم وزارة الثقافة العراقية له لخدماته المتميزة للثقافة العربية المعاصرة. وعلى الصعيد العربي نال وسام الملك عبدالعزيز بن سعود 1939 عن تنفيذه مشروع ري الخرج في نجد، ووسام الكفاءة الفكرية من ملك المغرب عن كتابه "الشريف الادريسي في الجغرافية العربية". كما فاز كتابه "فيضانات بغداد في التاريخ" بجائزة الكويت لأحسن كتاب صدر سنة 1963 فضلا عن جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1975.

كان شعار أحمد سوسة الذي عمل تحته قبيل وفاته قول توماس جيفرسون: "إن الحياة تبدأ في الشيخوخة، فالإنسان عندئذ يشعر بقدرة عجيبة على الاستمرار في العمل، وفي الحياة وكأنه ما زال شابا ".

ويضيف موضحا أهمية وضع "المذكرات الشخصية": "ليس في حياة المرء، بعد بلوغه سن الشيخوخة، متعة تبعث الحيوية والنشاط في نفسه حين يستعرض مسيرة الأحداث التي مرت به طوال السنين التي طواها من عمره. وهو على ظهر سفينة الحياة، يمخر عباب مشاكلها ومسؤولياتها، وقد حملته بالمزيد من العبر والتجارب".

أما عن اهتمامه بالتاريخ مع أنه مهندس ري فيقول: "إن هندسة الري والزراعة مرتبطتان بالأحداث التاريخية وبخاصة الأحداث التاريخية القديمة المتعلقة بحضارة وادي الرافدين وكيفية نشوئها وتطورها عبر العصو"، ويضيف إلى ذلك قوله: "إن الزراعة التي تعتمد على الري والحضارة صنوان لا يفترقان، فحيثما وجدت الحضارة وظهر التمدن ازدهرت معهما الزراعة التي تعتمد على الري، وحيثما وجد نظام الري ازدهرت معه الحضارة والماء مصدر الحياة. والعراق بوفرة أنهاره ومياهه وأراضيه الخصبة كان لعنصر الماء دخل في بناء كيانه الحضاري القديم وازدهار مدنيته المشهورة".

وهكذا هو الحال مع مصر ووادي النيل حيث ظهرت في العراق ومصر أقدم وأرقى حضارتين معروفتين في تاريخ العالم. وكان للعرب في مجال العقل الهندسي جولات وصولات والهندسة عندهم كانت نظريات تصف خواص الأشكال والأجسام وإثبات ذلك ببراهين.

وعن سر اهتمامه بالري والمياه يقول إنه سلك منذ تخرجه وحصوله على الدكتوراه مسلكا علميا بحتا، وكانت هوايته أثناء ممارسة مهنته مهندسا للري ثم مديرا عاما تتبع آثار الجداول التي أنشأها العراقيون القدماء ومطالعة المصادر التي تبحث في تاريخ الري، وهذا ما حمله على دراسة التاريخ القديم الذي يبحث كيفية نشوء وتطور الحضارات القديمة ومنها حضارة وادي الرافدين. وهكذا تهيأت الفرصة له عندما عين مهندسا للري سنة 1930 ليجوب العراق من شماله إلى جنوبه للوقوف على مكنونات هذا التراث العظيم.

ويتذكر الدكتور أحمد سوسة أيام معرفته بالمهندس البريطاني ويليم ويلكوكس (1852-1932) الذي استقدمته السلطات العثمانية إلى العراق سنة 1911 أيام كان العراق خاضعا لها لدراسة ما يمكن إنجازه من مشاريع للري، وقال إنه شاهد ويلكوكس عندما كان منهمكا في تنفيذ سدة الهندية 1913 وعمره آنذاك لم يتجاوز الـ 12 سنة، وقد أعجب بهمته ونشاطه، وإلى ويلكوكس يرجع الفضل في تخطيط معظم مواقع مشاريع الري في العراق الحديث.

ومن الطريف أن يكون الدكتور سوسة مهتما بالآثار، وهو يتنسم عبق التاريخ في مدينته الحلة مركز محافظة بابل العاصمة العراقية القديمة والى شيء من هذا القبيل يشير سوسة ليقول إن ولعه بالآثار والتاريخ كان له أثر كبير في تكوين شخصيته الثقافية.

ومما ساعده في توثيق مجريات حياته احتفاظه بما أسماه "مفكرة" كان يدون فيها أحداث السنين الأولى من دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت وبعض احداث دراسته في الولايات المتحدة الأميركية قبل أكثر من نصف قرن. كما أنه يحتفظ بمجموعة من الرسائل المتبادلة بينه وبين أصدقائه وتلك – بحق – من مصادر الكتابة التاريخية.