أحمد السمرة .. وقصائده الإسلامية المعاصرة

ثلاث دوائر

أحمد السمرة أحد رموز الشعر السكندري، ولد في الإسكندرية في السابع عشر من مارس 1913، وتوفي ودفن بها في الثامن عشر من ديسمبر 1991، بعد أن ترك لمكتبة الشعر العديد من الأعمال الشعرية والغنائية ومنها: ديوان شعر "أنسام وأنغام"، وديوان شعر "قصائد إسلامية"، ومسرحيتان شعريتان: "ساق من ذهب"، و"رِئبال"، فضلاً عن العشرات من الأغنيات لمشاهير المطرين والمطربات.

ويتميز السمرة في تجربته الشعرية بالإضافة إلى كتابه "الطريق إلى الشعر"، بمعاصرة قصائده الإسلامية التي لم تقف عند حدود المناجاة الإلهية أو الإشادة بتعاليم الإسلام وشخوصه. كما لم تقتصر على المضمون الصوفي أو الوجد الديني، ولم تكن غايتها الجمال والجلال كسمات للقصيدة الدينية، بل امتدت لتشمل بجانب كل ذلك معاصرة حية ومعايشة صادقة معبرة لقضايا وأفكار الواقع المتجدد في الزمان والمكان؛ فكان شاعراً مضيفاً للقصيدة الإسلامية وما يضمن لها بقاءها وتجددها وما يجعل قارئها يجد فيها ـ دائماً ـ ما يريد.

وتدور القصيدة الإسلامية عند أحمد السمرة في دوائر ثلاث:

* دائرة الوجدان الذاتي المتأمل في كون الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ والمسبح بآلائه والمؤمن بفضائله وشمائله، كهذه الأبيات:

أنا بالله وحده وإليه

عبده ملكه وصنع يديه

هو ربي هدايتي ويقيني

ومعيني إذا افتقدت معيني

سامع للرجاء في كل حين

وكريم اعتمدت عليه

وأيضا:

يا عزيز النـــدى ورب العنـاية ** إن لي من رضـــاك أكرم غاية

أبعد النفس عن طريق الغواية ** يا عبيري إن غاب عني العبير

وأيضا:

وديار إسلامي التي أصبو إليها ** أنقى الديـــــار عطيرة الأكمام

لي في رؤاها عزة من "أحمد" ** ووشـــــــــائج علوية الأرحام

وأرى بهــا اسم الله أسمى منبر ** والحــــق فيها قبلتي وإمامي

أهــــدي إلى نهج الحياة رفادة ** سمحــــــاء من بر ومن إنعام

المسلمون بـها شموس نورت ** بالذكر إفهام المدى المترامي

وشأنه في ذلك شأن ابن الفارض ومحمد إقبال وأحمد شوقي ومن قبلهم حسان بن ثابت وابن زهير.

* وإذا انتقلنا إلى دائرة الوجدان الجماعي الذي يعانق قضايا مجتمعه وصوره الحياتية، فيعايشها ويعبِّر عنها ويضع لها الحلول والمخارج التي تنبع من قيم الإسلام الغرَّاء، كما في هذه الأبيات التي تقدم لنا الشيخ بائع الكبريت في صورة تجعلنا نشعر بمعاناته وكده اليومي وتوصينا بأن نكفله بالطريقة التي وضع حدودها وأرسى مبادئها، الدين الإسلامي.

من أجل قرشين كان الضيق معتركهْ ** والخلق من حوله قد أرهقوا الحركةْ

في رحلة بعثار الجد لائذة ** بين الهوان وخطو الذل مشتركةْ

يسترزق اليوم والأنظار تركله ** صياد قوت مرير العيش ما سبكهْ

إلى قوله في القصيدة ذاتها:

يا جيرة العدل بالإسلام نكفله ** كي يستريح فذل العيش قد دركه

هيا معا نكفل الإنسان ننشل من ** ذاق الشقاء فجور الدهر من عركه

وهو بهذا يذكرنا بما جاء في قصيدة الشاعر الهندي طاغور "سارق الليل" عندما تعاطف حتى مع السارق الذي هو جزء من المجتمع.

* أما الدائرة الأخيرة فهي الوجدان الإنساني الذي أصبح لا يتحدد بحدود الذات أو المجتمع فحسب بل يمتد إلى التعبير عن الإنسان في كل مكان على وجه البسيطة، وقد استطاع الشاعر أحمد السمرة، التعبير عن ذلك تعبيراً صادقاً فيما جاء في قصيدة "العامل" التي صوّر فيها ما للعامل من عطاء وأفضال، ثم عبّر عن الظلم الواقع عليه ومدى الاغتراب الذي يعيشه:

كم بنى للناس أبراجا تحاشاها السحاب

كم تحدى الموت موصولا بأهوال العذاب

خير يا رب أي خير محضره

باصطناع الرفق بالوعد الموشى خدروه

ثم صاغوا من جنى كفيه غلا قيدوه

طوعوه للهوى الفردي مرسى

صوروه في نهى الإقطاع ترسا

فانطوى المسكين مغلوب المنى رهن اغتراب

وقد اشتملت هذه الدوائر الثلاث التي تدور فيها قصيدة أحمد السمرة الإسلامية على أغراض عديدة منها القديم السلفي، كما في المناجاة الإلهية والتأكيد على القيم والتعاليم الدينية والافتخار بالمعارك التي انتصر فيها الإسلام على خصومه، ومنها المعاصر المواكب لأحداث الواقع سواءً كان اقتصادياً أو سياسياً، فقد تعرّض في قصيدته "الفندق الجديد" لتبديد وطنه لثرواته وعدم اكتراثه بكنوزه وقيمة عملته المالية في الوقت الذي يُسر ويسعد بالسنتيم والدولار وهي عملات أجنبية:

وطني أنا ينبــــــوع ثروته ** أس الغنى في كنزه البشري

وطني إذا مـا عقني سنــدا ** ماذا يؤمل من جــنى ثمري

وطني يبدد صـعب عملته ** ويبش للسنـــــتيم والدلـــــر

وقد تفاعل مع أحداث الحرب الأهلية في لبنان؛ فعبّر عنها وأسقطها على واقع الوطن العربي المفكك وبرّر لذلك في قصيدته "يتخاطبون بغير ضاد":

متاعيس التفسخ في اضـطراد ** وأين القـــــــــدح يا نار الزناد

وأين الحزم في هدم الأعادي ** وهم يتخاطبون بغير ضــــــــاد

فنراه في هذا قد واكب أحمد شوقي عندما تعرض لقضية الخلاف بين الأقطار العربية في قصيدة "إلام الخلف بينكم إلام ** وهذي الضجة الكبرى علامَ".

ومن هذا يتضح لنا ما للقصيدة الإسلامية عند أحمد السمرة من سمات معاصرة من المجتمع ومضامين حية شعرية صادقة معبرة صيغت في لغة عربية سليمة سهلة ولم تخرج عن قواعد وأصول الأوزان الخليلية الأصلية، فكانت إضافة محمودة من الشاعر إلى ديوان الشعر العربي.