أحمد الريسوني واستسهال التحريم والتحليل في الأمور السياسية

كتب الدكتور أحمد الريسوني، الرئيس الأسبق لحركة التوحيد والإصلاح المغربية، وعضو الاتحاد العام لعلماء المسلمين، يقول بأن القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، المعروف اختصارا بـ"داعش"، حرام شرعا، وقال أيضا إن "الحرب القائمة ضدهم هي أيضا حرام في حرام، وليست حربا من الإسلام والمسلمين في شيء، بل الإسلام والمسلمون هم ضحايا لهذه الحرب ولطرفيها معا". وقد توسع الدكتور الريسوني في كلامه غاية التوسع، ووصل إلى ملاحظة رتب عليها استنتاجا؛ الملاحظة هي أن "الضباط والجنود المغاربة المقاتلين إلى جانب الحلفاء ضد تنظيم داعش إنما هم يقاتلون لأجل الإمارات العربية المتحدة، والإمارات تقاتل لأجل الولايات المتحدة، وهذه تقاتل لأجل إسرائيل، وإسرائيل تقاتل لأجل العدوان والشيطان"، والاستنتاج هو أن هؤلاء إنما "يحاربون لفائدة الشيطان بدون وسائط".

ومع احترامنا لرأي الأستاذ الريسوني، فإنه من الحق إبداء بضع ملاحظات يقتضيها المقام، خصوصا وأن كلامه حُمل على وجه الفتوى من قبل البعض، وهو بعيد. إن القول بتحريم قتال تنظيم "داعش"، هكذا على الجملة، قول مردود لعدة أسباب. السبب الأول صادر على لسان الأستاذ الريسوني نفسه، عندما قال إن "تنظيم الدولة الإسلامية كله، من ألِفه إلى يائه، غير جائز شرعا"، مضيفا: "داعش من لحظة وجوده إلى لحظة فنائه حرام في حرام، وكل ما يصدر عنه حرام". وبكل صراحة، إما أن اللغة العربية خانت الأستاذ الريسوني، أو أن هناك نوعا من الاندفاع السياسي غلب عليه، وأراد تسجيل موقف، وإيعازه إلى الإسلام، والإسلام منه بريء. فكيف يمكن أن يكون الشيء محرما ويكون إلغاؤه محرما هو الآخر؟ لو افترضنا أن علة تحريم تنظيم "داعش"هنا هي الفتنة، أو القتل، أو تكفير الناس، فهل يجوز تحريم محاربة الفتنة، أو القتل، أو تكفير الناس؟ وكيف جمع الدكتور الريسوني حكما واحدا، وهو التحريم، في وعاء واحد، على شيئين متناقضين، أحدهما يلغي الآخر؟ أم أنه أراد الوقوف في المنطقة الرمادية، دون اتخاذ موقف صريح، بإصدار حكم التحريم على التنظيم ومقاتليه في الوقت نفسه، علما بأنه موقف لا يقدم ولا يؤخر، لأنه "لا موقف"؟

ما يفهم من كلام السيد الريسوني أن تحريم قتال "داعش" هنا هو تحريم سياسي، لا تحريم شرعي، ولدينا من أصناف التحريم السياسي النماذج الكُثر التي يضيق بها الرصد. لنأخذ مثالين إثنين: في عام 1991 "أفتى" الإسلاميون بحرمة قتال نظام صدام حسين بعد غزوه للكويت، بمبرر أن التحالف الدولي آنذاك هو تحالف مكون من "الصليبيين"، ووقفوا بذلك ضد بلدان الخليج، التي كانت في صف التحالف، ومنها الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية. وقد كان الدكتور الريسوني من أصحاب هذا الموقف، بل دافع عنه وقتذاك دفاعا مستميتا، لكنه في الأخير، وبعد مرور أزيد من عشرين سنة، أصبح له موقف آخر من نظام صدام حسين، بعد أن صار صدام وجماعته ونظامه ماضيا ولى، لا يضر ولا ينفع. والسبب أن النظام الإقليمي العربي والخليجي تغير تغيرا كاملا منذ ذلك التاريخ.

ولدينا مثال ثان، قريب جدا منا. فقبل ثلاث سنوات عقد في القاهرة مؤتمر كبير، تحت رعاية جماعة الإخوان المسلمين التي كانت في السلطة في مصر، ضم عددا من الإسلاميين والسلفيين، وصدرت عن ذلك اللقاء "فتوى" تجيز قتال نظام بشار الأسد في سوريا، وبناء عليها دعوة شباب "الأمة" إلى الجهاد في سوريا، لكن بعد أن انحرف القتال عن المخطط المرسوم له بدأ الكثيرون من هؤلاء الذين حضروا لقاء القاهرة يتبرمون منه، وبعضهم يعض على يده من سوء ما خطت يده.

الغاية من ذلك القول بأن استسهلال التحريم والتحليل في مثل هذه الأمور السياسية هو ما أوقعنا اليوم في هذه المصائب باسم الدين، إذ لا يقولن أحد إن آفة التطرف الديني وحدها هي استسهال الفتاوى الدينية لتسويغ القتل والذبح وسفك الدماء؛ فطالما أن هناك خارج ذلك الصف من يبيح لنفسه استسهال الفتوى، فلا يمكن "التضييق" على الآخرين ومصادرة "حقهم" في إطلاق الفتاوى، ما دام الأمر أصبح عملا مشاعا في زماننا مثل الماء والكلأ؟

أما الترتيب الذي بنى عليه الدكتور الريسوني "حكمه"، في قوله بأن "الضباط والجنود المغاربة المقاتلين إلى جانب الحلفاء ضد تنظيم داعش إنما هم يقاتلون لأجل الإمارات العربية المتحدة، والإمارات تقاتل لأجل الولايات المتحدة، وهذه تقاتل لأجل إسرائيل، وإسرائيل تقاتل لأجل العدوان والشيطان"، فلا نعرف من أين جاء بهذا الترتيب. ليست الإمارات العربية وحدها هي التي تريد قتال داعش، بل جميع بلدان منطقة الخليج والعالم العربي، بما في ذلك تركيا نفسها، بعد أن بدأت الأحداث تأخذ منعرجا آخر لم يكن في الحساب، كما هي العادة دائما في حروب الميليشيات غير النظامية، لأن تنظيم "داعش"، بما هو عنوان القتال تحت راية السنة، أخذ في منح المشروعية للنزعات الطائفية والعرقية الأخرى في المنطقة، ومن ضمنها النزعة القومية الكردية. وإذا كانت من دولة لديها مصلحة أكبر في قتال التنظيم، فهي المملكة السعودية لا الإمارات، لأن المرجعية السلفية الوهابية توجد في الأولى لا في الثانية، ومن شأن استمرار تنظيم "داعش" قائما أن يؤثر على تلك المرجعية، لناحية إخراج أتباعها عن صمتهم ودفعهم إلى اتخاذ موقف سياسي مما يجري، تماما مثلما حصل إبان حرب تحرير الكويت، لأن التطرف يغذي التطرف ويجتذبه إليه.

الدكتور الريسوني نسي، أو تجاهل عن عمد، الحديث عن الدول التي كانت وراء إنشاء وتمويل تنظيم"داعش"، ومنها قطر وتركيا؛ ولو قرأ الدكتور الريسوني أي كتاب وجده في طريقه عن التاريخ السياسي للشرق الأوسط لفهم أنه لا يوجد بلد في المنطقة يمكن أن يدخل في حرب صغيرة من دون التنسيق مع واشنطن، فكيف بلعبة استراتيجية ضخمة يوجد فيها لاعبون كبار، بالمعنى الصريح للكلمة، أمثال إيران وسوريا، قادت إلى خلق تنظيم مثل"داعش"، أسقط الحدود بين بلدين عتيدين في المنطقة، ويهدد بأن يغير خارطة الإقليم إلى الأبد؟

يعرف الدكتور أحمد الريسوني بأنه "فقيه مقاصدي"، لكن المشكلة أن فقه المقاصد يخونه في العديد من المناسبات، خاصة عندما يتورط في مواقف سياسية دفاعا عن قناعات من حقه أن يملكها، لكن من واجبه ـ كفقيه "مقاصدي" ـ أن يبعد الدين عن تلك المواقف، تلافيا لتشويه مقصد التدين عند الآخرين، إذ من ليس من المقاصد أن يدافع الفقيه ـ أيا كان ـ عن جماعة أو طائفة أو حزب أو نظام معين، وإلا سقط في المحظور، وهو التعصب، والتعصب عدو الفقيه، لأن التعصب يعمي عن رؤية الحق، ومن عمي عن رؤية الحق فلا فقه لديه. ومن المؤسف أن بعض الفقهاء المنتمين إلى التيارات السياسية الدينية يتحدثون كثيرا عن "فقه المصلحة"، من داخل انتمائهم الحزبي، وهي مفارقة كبيرة في واقعنا الديني المعاصر، لأن مفهوم المصلحة في الفقه الإسلامي يرتبط بمصالح المجموع، لا بمصلحة طائفة أو حزب.