أحلام المواطَنَة تتآكل

بالتأكيد سوف ننتهي من معاركنا وصراعاتنا ولكن ماذا بعد؟

يتساءل المواطن الصالح وهو يتنقل من حرب الى اخرى، حتى صدق فيه قول الشاعر الراحل الكبير يوسف الصائغ

"تعِبتُ من الجريِ خلفَ المواكب

سلاحي على منكبيّ وابحثُ عن سبب لأحارب"

عبثية الحروب وعبثية الانخراط فيها صارت علامة من علامات السريالية الحياتية العربية

الصراعات لا تنتهي والأحلام المؤجلة لا تنتهي.

ليس هناك ابسط من الحق في المواطنة بما يعنيه من عقد اجتماعي يكفل للانسان حياة متوازنة وآمنه، لكنّه ويا للمفارقة اصعب الاهداف واغلاها.

وصلت الامور ببعض الساسة العرب انهم يرددون بلا ادنى تردد: "جوّع كلبك يتبعك" بما تعنيه من افقار واذلال.

اقتلاع المواطنة من جذورها والخشية من اتخاذها وسيلة او غطاء لحياة محترمة صار ظاهرة في مقابل مواطن مذعور في لا وعيه لا يعلم الى اين تسير قافلة الحياة به.

في ظل هذا وعندما تضيق المسارات بالمواطن الصالح سوف يلجأ لما هو سائد من حلول ومنها الاحتماء بالعرق والطائفة.

يحصل ذلك في العراق مثلا، اذا وقع تصادم بسيط اثناء السير بينك وبين سيارة اخرى فتوقّع ان يتطور الامر الى مجلس عشائري تتم فيه مقاضاتك فيه وفق الاعراف العشائرية.

الطبيب الذي اخطأ في التشخيص ولم تنجح العملية التي اجراها للمريض من الممكن ان يقاضى عشائريا.

المدير الذي من صلاحياته نقل هذا الموظف او ذاك الى موقع عمل آخر من الممكن ان يقاضى عشائريا.

تنزوي قيمة المواطنة وينسحب القانون او قد يطبّق ولكن انتقائيا.

في ظل هذه الانشغالات فأين هي تلك الاحلام الموؤدة في وطن افتراضي ينزع عن نفسه سطوة الدكتاتورية والاستبداد؟

حصل ذلك مع احلام الليبيين ما بعد حكم القذافي في فتح صفحة جديدة لمستقبل تسود فيه روح المواطنة والعدالة الاجتماعية والمساواة واذا البلاد تمزّقها حروب الطوائف والقبائل والجماعات.

الدكتاتورية العاجزة عن صنع مستقبل وتحقيق تلك الاحلام المؤجلة هي نفسها صورة السلطة العاجزة عن بسط القانون والنظام مع فارق في الشكليات.

بل ان هناك من يذهب الى ما هو ابعد من ذلك في نعي الدولة والقانون والمؤسسات في كثير من المرابع في العالم العربي ان شعوبا بعينها تستحق انظمة الاستبداد لان انفلات الامور وكلّ يحكم نفسه بنفسه قد قاد الى فوضى عارمة.

لو تعمّقنا في الظاهرة الى ما هو ابعد فأن القصة لا تتعلق بأحلام واماني وخيالات بل بحقائق علي الارض تتعلق بشكل هذه الأوطان التي صارت تفقد تماسكها الترابي وتشكل الجغرافيا والعرق عامل تحدّ جديد غير مألوف ولا مسبوق.

واذا عدنا الى الحالة العراقية فأن الامر يتعلق بنوع من الحرب النفسية المتواصلة التي يتعرض لها الجميع في تلك البلاد على انها بلاد غير مؤهلة للأستمرار على وفق شكلها الجغرافي وتركيبتها السكّانية وان التجزئة والتمزيق والأنفصال والأقلمة او سمّها ما شئت هي قاب قوسين او ادنى لينتج عن ذلك تشظّ حاملا معه صراعاته المستدامة.

وحقّا ناقشنا في مقالة سابقة هذا العنوان الطريف: تنمية مستدامة ام صراعات مستدامة؟

هما خياران برسم المواطن الحالم بحقوق المواطنة السعيدة.

لعلّ الاشكالية هنا هي اكبر من حدود تلك الفرضية التبسيطية التي خلاصتها "سنرجع يوما" وستكون حياتنا افضل مما هي عليه الآن لكن ما تم زرعه سيتمّ جنيُه، تلك حقيقة مؤكّدة ولا نقاش فيها وما تمّ زرعه حتى الان لا ينبئ بأن "المواطن الصالح" سوف تنتظره امان واحلام سعيدة ان لم يكن تحدّيات جديدة وهو المصطلح الذي ظل النظام العربي مولعا باستخدامه حتى الساعة رغم ان دكتاتوريات وزعامات سقطت دونه الا ان مصطلح التحديات ما زال مفضّلا وهو الغول الذي ما انفك يلتهم احلام المواطن المؤجّلة تباعا.