أحداث سيدي بوزيد لا يمكن فصلها عن ضائقة إقتصادية تجتاح العالم

بقلم: البشير سعيد

إن المنجز في تونس منذ تغيير السابع من نوفمبر 1987 بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي أسس لبناء اقتصاد متين عماده مقاربة تنموية شاملة امتدت للمناطق الداخلية تحكمها مخططات إستراتجية تجعل من الجهات (أي الولايات أو قل المحافظات) أقطابا اقتصادية بها تحافظ تونس الحديثة على ريادتها الاقتصادية في قطاعات حيوية شتى، حتى تنال ثقة المستثمرين والهيئات المالية العالمية في ظرف اقتصادي دولي تشل فيه الحركة في عديد الدول والأقطار ومعه يدرك إنسان اليوم أن عديد القنوات التجارية انهارت أو على حافة الانهيار.

في هذا الظرف الدولي الدقيق يعتبر المختصون أن المقاربة الاقتصادية التونسية رصينة قوامها الاستشراف والوعي بالحركة الاقتصادية الدولية والجرأة في اتخاذ القرار.

معطى معه يعرف الاقتصاد التونسي خصوصية قوامها التحرر والتجدّد ولا مركزية المشاريع التنموية، فمنذ 1987 أدخلت تونس إصلاحات عميقة تعزيزا للقدرة التنافسية وطلبا لانخراط مدروس ناجع في مجال العولمة هدفه تجاوز ما تفرزه العولمة من تفاوت اقتصادي بين دول الشمال والجنوب بل حتى بين المناطق في القطر الواحد، أمر أدركه العقل الناقد في تونس الحديثة ليقطع مع مختلف إشكال الإقصاء والتهميش ومظاهر التفاوت الاجتماعي من اجل تنمية عادلة شاملة تأسس للتآزر بين الإفراد والجماعات من اجل مجتمع إنساني لا يعرف للصراع من اجل الرغيف سبيلا حتى لا يقتل الوازع الأخلاقي الذي يؤسس للتعاون بين بني الجنس الواحد في قرية كونية واحدة..

إن التضامن الإنساني في العصر الحديث تونسي المنشأ، وهو يشكل منزعا فكريا ومنهجا للحكم الرشيد لان المساواة بين فئات المجتمع والتوزيع العادل للثروة بين مختلف جهات الجمهورية بما يلائم كل جهة تؤسس له ثقافة التضامن التي تكفل إضفاء بعد أخلاقي على حركة التنمية التي لا تكون شاملة إلا في ظل اقتصاد اجتماعي متوازن. فلا غرو أن تكون تونس قبلة المستثمرين عربا وعجما دون مفاضلة في الاستثمارات الخارجية بين جهة وأخرى، فمجموعة ليونى الألمانية لصناعة الكوابل ومكونات صناعة السيارات اختارت أن تقيم لها مصنعا بسيدي بوزيد خلال هذا العام 2011 بما يضمن الشغل لطالبيه في وضع دولي صعب يهدد فيه شبح البطالة دول وأقطار، ولم تسلم من تداعياتها حتى الدول الأكثر تقدما في العالم المعاصر. أسلمت من شبح البطالة ايطاليا؟ ألا تعرف فرنسا أزمة للمسرّحين؟ الم تهتز اعتى الشركات في الولايات المتحدة اثر الأزمة المالية حتى أفلست وشرّدت عائلات؟

في هذا الوضع الدولي الصعب يقبل المستثمرون الأجانب على موطن الأمن والائتمان تونس الحديثة، بل على مناطقها الداخلية يقبلون، فالمشروع الألماني مثلا سيوفر حتما أكثر من ألف موطن شغل بسيدي بوزيد التي عرفت نهضة وتحولا جذريا بعد التحوّل الدستوري الديمقراطي الذي عرفته تونس سنة1987 حتى صارت قبلة لطلاب العلم وقطبا جامعيا.. ويستشرف العقل الناقد في تونس اليوم أن يكون لها ولغيرها في التنمية الشاملة موقعا بفضل القرارات الجريئة التي تتمخض عن المجالس الجهوية والمحلية، فعلى سبيل الذكر لا الحصر ضخت الدولة 15مليون دولار لفائدة المشاريع التنموية بهذه الولاية اثر انعقاد المجلس الجهوي في شهر ديسمبر 2010.

أما ولاية القصرين فقد عرفت مبادلات فرنسية، فشركة اميريس اتخذت معتمدية فريانة موقعا لنشاطها لتكون لها الريادة كأفضل شريك ومستثمر يوفر أكثر من 100 موطن شغل بما يكفل تحقيق رقم معاملات تتجاوز قيمته 6 ملايين دينار سنة 2009...نزر قليل على سبيل الذكر يؤكد سلامة الخيار الاقتصادي في تونس اليوم، التعمق فيه مطلوب من المختصين الذين ألوا على أنفسهم الصدق والموضوعية والأمانة العلمية.

ان ما يرصده اقل مجالس الولايات ميزانية للعمل التنموي في تونس اليوم، يتجاوز ميزانيات دول افريقية برمتها لان تونس الحديثة بلد صاعد بكل مقياس اقتصادي معطى لا يخفي على صاحب رأي نزيه.

بلد لم تؤثر فيه الأزمة العالمية إلا بمقدار، لان انسنة الاقتصاد من الثوابت في تونس من اجل مستقبل أفضل للإنسان.

يحكم التوجه الاقتصادي التونسي طموح جامح رغبة في الأفضل وعدم رضاء بالمنجز، لان "الكل" يؤمن بان ما تحقق هام وما تصنعه الإرادة الجماعية في المستقبل أهم وأفيد...

فلئن ارتكزت الإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها البلاد على تحفيز وتحرير المبادرة الخاصة وتحرير التجارة الخارجية والاستثمار الوطني والأجنبي، وأسست لتطوير البنية الأساسية وتدعيم اطر التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف فكفلت اقتصادا قويا متينا، فإنها تبطن بعدا حضاريا يكفل مكانة فضلى للإنسان لان المنافسة مع المحيط الدولي الحديث وما تشهده من تحوّلات مثمرة لا تناقض جوهر التضامن الذي يقرّب بين المصالح مهما تضاربت والأنفس مهما تنافرت، فتونس بلد متوسطي تقل ثرواته إلا انه راهن على الإنسان أينما كان فكسب الرهان، نجح حيث فشلت تجارب تنموية أخرى ليحافظ الاقتصاد على توازناته المالية ونسبة مديونيته وليحقق نسق نمو متصاعد تصاعدا مطردا يدفع مبادلاته التجارية للأفضل، وليستقطب الاستثمارات الأجنبية بما يكفل له احترم تعهداته المحلية والإقليمية والدولية في كل مجال رغم قلة الموارد.

إن تونس أكثر الدول الصاعدة تعويلا على قدراتها الذاتية لأنها نجحت في التأسيس لاستراتيجياتها الاقتصادية وفق ما يميز اقتصادها من خصوصية قائمة على استثمار رأس المال البشري الذي يعده العقل الناقد في العصر الحديث، أقوى سلاح يضمن مواجهة فعلية لتحديات العولمة.

إن للكفاءات والمهارات والخبرات دور في تدعيم الاقتصاد بما يكفل نسبة نمو مرتفعة واندماج أفضل في الدورة الاقتصادية العالمية، لأنهم المحرك الأساسي لبناء اقتصاد وطني قادر على المنافسة والارتقاء إلى مستوى اقتصاديات الدول الأكثر تقدما.

إن من يمتلك الكفاءة والمهارة والخبرة في الوضع الاقتصادي الراهن للدول والشعوب يكون اقدر على تمثل المستقبل ورسم ملامحه من اجل اقتصاد اجتماعي متوازن يواكب روح العصر تميزه دسامة المحتوى والقدرة على التجديد، ففي عصر التكنولوجيا لزاما أن يتميز اقتصاد الدول الصاعدة بمحتوى تكنولوجي عالي وقدرة على الابتكار والتجديد بما يتلاءم مع متطلبات العصر.

إن التقلّبات المناخية التي يشهدها العالم اليوم أسست إلى اقتصاد بيئي يكفل تطوير الأنشطة التي تساهم في حماية المحيط بما يكفل استدامة النمو، واندماج الاقتصاد في الاقتصاديات أكثر حداثة بما يضمن فرص أرحب للتجديد والابتكار من اجل تشغيلية أفضل في كل ربع من ربوع الوطن.

إن مسيرة الإصلاح في تونس الحديثة على امتداد عقدين اتسمت بالتحديث وتعبئة كل الطاقات الوطنية للتحريك الشامل لكافة القطاعات لتكون أكثر نجاعة ومرد ودية وقد جندت تونس كل طاقة وعملت كل وسيلة وآلة لإصلاح محيط الأعمال وذلك بتطوير البنية الأساسية والتجهيزات الجماعية.

إن الصعوبات التي يمر بها العالم جمّة، والظرف المناخي قاسي صعب إلا أنّه لم يثنى تونس الحديثة عن التقدم، فطفقت تعمل على تأهل النسيج الصناعي لأنّه ضامن للنهوض بالمؤسسات، كفيل بالارتقاء بقدرتها التنافسية "لأرفع الأفاق". فلا غرو أن تنخرط في برامج التأهيل لمؤسسات عدّة تعد اليوم أكثر من 4500 مؤسسة وليسجل النزيه تحسنا هاما في وضعية المؤسسات التي استوفت برنامج التأهيل، الذي أفضى إلى تحسن على مستوى رقم المعاملات ونسبة التأطير التي بلغت 19 بالمائة في حين لم تتجاوز 9 بالمائة سنة 1995 زمن إبرام الشراكة مع الإتحاد الأوروبي.

أنّه منهج التأهيل في أجل الأفضل أكد الواقع جدواه ليتجاوز عدد المؤسسات المتحصّلة على الشهادات العالمية للجود 1300 مؤسسة في حين لم يكن عددها يتجاوز 6 مؤسسات 1995.

إن الحداثة تقتضي الأخذ بناصية العلوم والمعارف والتكنولوجيات الحديثة لهذا عملت تونس على تطوير عدد المؤسسات المجهزة بالمنظومات الإعلامية الأكثر حداثة كمنظومة التصرف في الإنتاج والصيانة والتصميم بواسطة الحاسوب لتصل إلى ألفي (2000) مؤسسة بعدما كانت لا تتجاوز 50 مؤسسة سنة 1995.

أن التجديد في وسائل العمل وطرق الإنتاج أدى إلى تطور مطرد في الصادرات الصناعية لتتضاعف أربع مرّات محققة بذالك قفزة نوعية من 4.5 مليار دينارا سنة 1995 إلى 17 مليار دينارا سنة 2009 منها 25 بالمائة متأتية من الصادرات الصناعية ذات المحتوى التكنولوجي الرفيع مقابل 12 بالمائدة سنة 1995 وبهذا تكون تونس أول مصدّر صناعي للإتحاد الأوروبي من جنوب المتوسط.

إن القطاع الصناعي قطاع حيوي مفعم خيرا ما فتئ يتطور باطراد فتطوّر معه مستوى عيش الإنسان، وبدّل حياة البشر تبديلا حتى وفّر أكثر من 488 ألف موطن شغل سنة 2009 بعدما كان عدد مواطن الشغل لا يتجاوز236 ألف موطن سنة 1995.

يعرف القطاع الصناعي تطوّرا، حراكا وسعت انتشار في ربوع البلاد أسس لانتصاب مشاريع عدّة في المناطق الداخلية وهي مشاريع ذات قدرة تشغيلية عالية مكنت من توفير ما يزيد عن 33800 موطن شغل بعدما كانت في حدود 14987 موطن سنة 2004... ولا يخفى على ذي بصيرة أن ما تحقق من نتائج أسس لنجاح تونس الحديثة وأكسبها أفضل المواقع ضمن الخارطة العالمية للتجديد والتطوّر التكنولوجي حتى ضمنت لنفسها المرتبة 31 عالميا حسبما أكده التقرير السنوي لمنتدى دافوس سنة 2010، موقع من مواقع كثيرة كسبتها تونس الحديثة بجدارة في وضع دولي صعب البقاء فيه للاقتصاد الأفضل، الاقتصاد الأكثر ملائمة للتحولات العميقة التي يشهدها العالم.

البشير سعيد

الخبير الدولي في الشؤون الاقتصادية والسياسية