أجندة جديدة لتحريك عملية التسوية في الشرق الأوسط

بقلم: ماجد كيالي

تشهد منطقة الشرق الأوسط نوعا من النقاشات والتحركات السياسية، الدولية والإقليمية والمحلية، التي تتمحور حول امكان تغيير المشهد السياسي السائد في هذه المنطقة.
واضح بأن الولايات المتحدة هي التي تشجّع على السير في هذا الاتجاه، لتدعيم سياساتها وإخراجها من حال الاستعصاء المزمن، خصوصا لجهة التسهيل على ترتيباتها في العراق، وتحجيم النفوذ الإيراني المتصاعد في الشرق الأوسط، الذي بات ينافس بل ويتحدى وجودها التقليدي فيه، وكل ذلك في مقابل مراجعة بعض الأجندة الأميركية إزاء هذه المنطقة، لاسيما لجهة التخلي عن مطالب إدخال تغييرات على الأنظمة السائدة، من جهة، وإعادة تشغيل عجلة التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، من جهة ثانية.
أما بالنسبة لمضامين النقاشات والخيارات المطروحة، لإحداث تغييرات وتحولات سياسية في منطقة الشرق الأوسط، فهي تبدأ من البحث في امكان بلورة إعلان مبادئ جديد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على غرار إعلان المبادئ في أوسلو (سبتمبر 1993)، لتحقيق انفراج في التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية.
هكذا فثمة نقطة إجماع بين أطراف دولية وإقليمية ومحلية، مفادها أن الأوضاع الحالية تفرض عليها السير حثيثا في هذا الاتجاه. فالولايات المتحدة بحاجة لهذا الأمر كي تتمكن من بلورة إجماع عربي لمواجهة تزايد نفوذ طهران في الشرق الأوسط، وتمرير ترتيباتها في العراق، وفي عموم المنطقة. ومن جهتها فإن إسرائيل في ظل حكومة أولمرت بحاجة للسير في هكذا تسوية، للخروج من مأزق حرب لبنان (2006)، وتحويل أنظار المجتمع الإسرائيلي نحو اتجاه أخر. وهي ترى في خلافات الفلسطينيين بمثابة فرصة لها للتحكم بمسارات التسوية وحدودها، على الجبهة الفلسطينية. أما السلطة الفلسطينية فهي تنطلق في ذلك من اعتبار أن أي انفراج سياسي واقتصادي في الضفة الغربية يمكن أن يدعّم وضعها، وأن يعيد الاعتبار لمشروعها المتعلق بالتسوية مع إسرائيل. وبالنسبة للأطراف العربية فهي ترى في هكذا تسوية فرصة للحد من تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة، الذي ترى أنه يتغذى من استمرار الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وترتكز عناصر إعلان المبادئ المفترض على التوليف بين خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت بشأن الانسحاب الأحادي من الضفة، وموقف رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس، بشان ضرورة بحث قضايا الحل النهائي، ورفض الدولة ذات الحدود المؤقتة. وتنصبّ بعض الجهود الدولية والإقليمية على التحايل على هذا الخلاف، بتدوير الزوايا الحادة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، بتحويل خطة الانسحاب الأحادي إلى خطة متوافق عليها مع الفلسطينيين، في مقابل موافقة إسرائيل على إعلان خطوط عامة للتسوية، من دون أن يعني ذلك تطبيقها فورا. وبحسب (بن كاسبيت "معاريف" 26/7)، فقد وافق رئيس السلطة الفلسطينية على "الوصول إلى الصيغة النهائية، وبعد ذلك التفكير في التطبيق وتحديد جدول زمني للتنفيذ على الأرض.. مبادئ هذا الاتفاق حسب أبو مازن هي: دولة فلسطينية في حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية، وحل كل المشاكل على جدول الأعمال، بما في ذلك مشكلة اللاجئين. وبعد ذلك يجب التفكير في كيفية تطبيق الاتفاق. يحتمل أن يطول الجدول الزمني، ولكن المهم هو أن يعرف الفلسطينيون النتيجة النهائية، مسبقا".
طبعا لم يتم الحسم بشأن هذه الصيغة بعد، حيث أن أيهود اولمرت يقترح على محمود عباس أجراء مفاوضات على "اتفاق مبادئ" لإقامة دولة فلسطينية على معظم أراضي الضفة الغربية وفي قطاع غزة (90 بالمئة مع تبادل أراضي في الضفة وانسحاب من أجزاء من القدس الشرقية). ويعتقد اولمرت بأنه يجب بداية البحث في المسائل التي يكون فيها من السهل نسبيا الوصول إلى اتفاق، مثل طبيعة الدولة الفلسطينية، مؤسساتها الرسمية، النظام الاقتصادي فيها والترتيبات الجمركية بينها وبين إسرائيل. ومن هناك يتقدم الطرفان إلى بحث أكثر حساسية في المبادئ السياسية، مثل الحدود وترتيبات العبور.. وبحسب أولمرت لا مجال للبحث الآن في تفاصيل تفاصيل التسوية، لأنه من الصعب جدا الوصول إلى اتفاق في المسائل المبدئية للحدود الدائمة، القدس واللاجئين، والتي ينبغي إبقاءها حتى نهاية المفاوضات. وبرأيه من الأفضل التوصل إلى اتفاق مبادئ، والتقدم إلى الأمام لحل المسائل الصعبة" (ألوف بن "هآرتس" 25/7).
ويبدو أن الاتجاه السائد يتمثل حاليا بالتفاوض بشكل مكثف في الشهور الثلاثة القادمة، على أمل أن يصل الطرفان إلى المؤتمر الإقليمي، المزمع عقده في الخريف المقبل (ربما في الولايات المتحدة)، وقد أنجزا الاتفاق، ليحظيا عندها بغطاء عربي ودولي. وعلى الأغلب فإن هذه اللقاء، الذي دعا إليه الرئيس بوش، سيعقد بمشاركة كل من السعودية، تونس، المغرب، البحرين ودول أخرى في الخليج أيضا، بالإضافة إلى مصر والأردن. وليس معروفا حتى الآن ما إذا كانت سورية ستدعى إلى هذا المؤتمر أم لا أو ما إذا كانت ستشارك أم لا؟ لاسيما أن الرئيس الأميركي جورج بوش طالب في خطابه (أواسط يوليو الماضي) من كل الدول التي ستشارك في المؤتمر الاعتراف بوجود إسرائيل، وأن يتنكروا للعنف، وأن يتعهدوا بتأييد الاتفاقات السابقة.
وبين حل الدولتين والمؤتمر الدولي ثمة تداول في بعض الأوساط الدولية والإقليمية والإسرائيلية بشأن امكان إحياء خيار الكونفدرالية بين فلسطين والأردن، على أساس إخفاق السلطة الفلسطينية في إقامة كيانها، وتملص إسرائيل من استحقاقاتها بشأن عملية التسوية، والخلافات الفلسطينية الداخلية، خصوصا بعد سيطرة حماس على قطاع غزة. الجديد في الحديث عن هذا الموضوع هذه المرة، أن الكونفدرالية لن تقوم قبل قيام الدولة الفلسطينية. وبحسب بعض المداولات فإن الملك عبد الله الثاني سيكون رئيس الاتحاد (إلى كونه ملك الدولة الأردنية)، وستقوم حكومة كونفيدرالية وبرلمانا منتخبا، من ممثلين أردنيين وفلسطينيين. وفي هذا الترتيب ستكون قوات الأمن تحت سيطرة الحكومة الكونفيدرالية، ما يخفّف مخاوف إسرائيل. ولاشك أن مثل هذا الخيار، في حال جرى اعتماده، من شأنه تغيير الأجندة السياسية، والخارطة الجغراسية في منطقة الشرق الأوسط، كما من شأنه التأثير على المسارات التفاوضية الأخرى.
فضلا عن كل ما تقدم ثمة أيضا خطة دولية لتحريك المسار الاقتصادي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، على اعتبار أن هذا الأمر يعزز علاقات الثقة بين الجانبيين، ويسهل على السلطة الفلسطينية إدارة أوضاعها، كما من شأنه تسهيل التسوية في مسارها السياسي، فضلا عن أن هكذا مسار ربما يمهد لفتح علاقات اقتصادية بين إسرائيل والعالم العربي مستقبلا.
في هذا الإطار نشر المحلل السياسي بن كسبيت تقريرا في صحيفة "معاريف" (31/7)، تحدث فيه عن الجهود المبذولة لعقد مؤتمر لرجال الأعمال الإسرائيليين – الفلسطينيين في منتصف شهر اكتوبر القادم، في القدس، أو في الأردن (العقبة) أو مصر (شرم الشيخ)، برعاية من رئيس الحكومة الإسرائيلية أيهود اولمرت، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وأيضا مبعوث الرباعية الدولية طوني بلير. ويرمي المشروع إلى إطلاق قائمة طويلة من المبادرات الاستثمارية المشتركة الإسرائيلية – الفلسطينية بما في ذلك مصانع مشتركة ومشاريع اقتصادية ترمي إلى ازدهار الاقتصاد الفلسطيني، واستخدام المزايا النسبية التي لإسرائيل وللجانب الفلسطيني وتحويل الضفة الغربية إلى نموذج ازدهار حيال ما يجري في غزة المعزولة.
خارج النطاق الفلسطيني ثمة ضبابية، وتضارب بشأن كيفية التعاطي مع سورية، حتى الآن. أما بالنسبة للبنان فمن المقترح نقل مزارع شبعا إلى الوصاية الدولية. ما يتطلب انسحاب إسرائيل منها وتحويلها إلى أرض دولية بسيطرة قوات "يونيفيل"؛ الأمر الذي يغير من علاقات القوى في لبنان، ومع إسرائيل.
حتى الآن يتوقف مصير هذه الأجندة على مدى حسم الإدارة الأميركية لأمرها بشأن الضغط على إسرائيل، لتفعيل عملية التسوية مع الفلسطينيين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. كما يتوقف ذلك على مدى توحد موقف العرب، وتفعيلهم لدورهم في أخذ زمام المبادرة بأيديهم في منطقتهم، منطقة الشرق الأوسط.
ولاشك أن شكل الصراع في هذه المنطقة، لاسيما بين الولايات المتحدة وإيران، سيقرر في هذه الاتجاهات سلبا أو إيجابا. ماجد كيالي