أتركوا لنا الأردن

يتنقل الفيروس الثوري سيء الصيت من بلد الى آخر فيصيب بعدواه شعوبا عربية لا تفرق بين الإصلاح والتهديم لبنية الدولة. نعم كنا نرغب في التغيير ولكن يؤلمنا أن أنظمة كان يمكن أن تسير في طريق الإصلاح وتجنب شعوبها الويلات وكذلك نفسها من السقوط والإنهيار المذل كما حصل لمبارك وبن علي والقذافي وعلي عبدالله صالح.

لكن شيئا مما تمنيناه لم يحصل فمضت الأمور الى الصدام وانتهت بالانهيار وشبه التيه حين تلقف من لم يشترك في تلك الثورات بل ربما كان من المحابين للنظام الكرة وجرى بها حتى وصل الهدف وصاح بأعلى الصوت (كووووووول) وهتف معه المريدون والطامحون والمتملقون.

لا ينسى العراقيون إن الأردن كان الوجهة الأولى للهاربين من جمهورية الخوف العراقية فإما أن يغادروا أو أن يظلوا محاولين التأقلم والعيش في هذا البلد الذي يعاني على الدوام من ضائقة الإقتصاد وضغط العدو الصهيوني ومن جوار مرتبك ومضطرب من الشمال والشرق، ومن الغرب الحافل بالإشتباك بين فلسطيني الضفة والقطاع والجيش الغاصب للأرض. ولطالما كان الملك الراحل الحسين بن طلال يحاول أن يتلاقى مع الجميع من الرؤساء والزعماء والملوك في الشرق والغرب لينهض بإقتصاد بلاده المنهك حتى تحولت الأردن بفعله وهي تجاور دولا نفطية الى قبلة لأبناء تلك الدول الغنية جدا من الفقراء والمنبوذين سياسيا وإقتصاديا.

سار الملك عبدالله بن الحسين على ذات الطريق وكان يدرك على ما يبدو إن التحولات الكبرى لن تترك الأردن في حاله مع صعود نجم الإسلاميين في عواصم عربية ووجود بؤر إضطراب قريبة من بلده ومع ضعف الإقتصاد وتذرع الكثيرين بهذا الضعف ليرفعوا سقف المطالب كل يوم. لذلك حاول ان يتحرك لإصلاح النظام السياسي واستجاب لمطالب عدة لا يرغب العديد من الرافضين للإجراءات الحكومية أن يتقبلوها لدوافع بعضها مفهوم والآخر منها مخروم لا يستحق النظر فيه مع أنهم يدركون أن القضية برمتها مرتبطة بطبيعة إقتصاد وطني لا يعتمد الموارد وليس من خزين نفطي ولا مائي ولا ثروات أرضية ولا ولاو ولا..... حتى صار السؤال الآن، ما الذي يريده هؤلاء المحتجون؟ بالتأكيد فإن هنالك مطالب معقولة ومحترمة وتستحق النظر والدراسة والتلبية لكن بالمقابل فإن دولة مثل الإردن تعاني وتتحمل تحتاج من شعبها الصبر والمساعدة لتستمر.

كنت في عمان مطلع العام وقد سبق أن زرتها لسبع مرات في مواسم وأجواء مختلفة ووجدت آلاف الليبيين الذين يبحثون عن الأمان والعلاج والتغيير والراحة، عدا عن آلاف العراقيين والسوريين والمصريين واللبنانيين، مثلما يوجد الآلاف من السياح الأجانب والعرب الذين بدأوا بتغيير وجهتهم الى المملكة الصغيرة بعد إعصار الثورات العربية الذي يريد له البعض أن يحرق الأردن وينهي وجودها المفيد لنا.

ملاحظة أخيرة: نجاح العائلة الهاشمية في إدارة شؤون بلد لا يمتلك موارد يعد مثالا يحتذى به في بيئة مضطربة تشهد ضغطا يوميا ومتصاعدا ومفتوحا على كل الإحتمالات ولا وضوح فيه لصورة الغد الذي ننتظره مرغمين. إتركوا الاردن لنا لعلنا أن نجد من يأوينا إذا ضاقت السبل.

هادي جلو مرعي