أبو محمد السعودي أولى من الصومالي

بقلم: سامي جاسم آل خليفة

قد يبدو عنوان المقال مثيرا للغرابة والدهشة لكن حينما تعرف الحقيقة سيجد القارئ أن العنوان أصاب الحقيقة في مقتلها فقد فضحتنا إذاعة mbc عبر برنامجها الناس للناس يوم السبت 13/9/1432هـ بقصة أحد السعوديين المحتاجين الذي باع ما يملكه من عفش ليدفع أجار الشقة ليلجأ بعدها هو وأولاده الذي يتراوح عمر أصغرهم ثلاثة أشهر إلى خيمة ثم ينتهي به المطاف إلى النوم في سيارة استأجرها ولم يسدد قيمتها ليقي نفسه وأبناءه حرارة الصيف تحت أحد الكباري في مدينة جدة.

لا أدري كيف سمحت الرقابة الإعلامية في بلد مثل المملكة ينعم بخيرات الذهب الأسود أن ينشر غسيل السعوديين على الملأ في شهر رمضان الذي يعيشه السعوديون هذا العام وهم يشحذون عبر الجمعيات الخيرية ومراكز الدعوة لضحايا المجاعة في الصومال ويرغبون الناس في فعل الخير ودفع الصدقات عبر صور أطفال الصومال ودموعهم وانتفاخ بطونهم ولا أدري هل تغافل مسؤولو تلك المراكز والجمعيات عن المحتاجين في بلدهم حتى ضاقت بهم الوسيعة ولم يجدوا سبيلا غير النوم في سيارات مؤجرة وتحت الكباري في شوارع جدة وغيرها أم أن مسؤولي الجمعيات يطبقون المثل الشائع في السعودية "عنزة الفريج تعشق التيس الغريب" ولهذا وجدوا مساعدة الصومالي الغريب خيراً من مساعدة ابن البلد في مدينة جدة أم ترانا في مجتمع لا يوجد به فقير أو محتاج ولذا قررنا مساعدة الصوماليين أترك هذه التساؤلات للقائمين على برنامج الناس للناس ليستضيفوا لنا أحد الشحاذين لمجاعة الصومال ليجيب على تلك الأسئلة أو يصدر وزير الإعلام السعودي قرارا بإيقاف ذلك البرنامج الذي أساء لأبناء السعودية رضي الله عنهم ونشر غسيلهم عبر موجات إف إم في حالات مخزية جدا ترد إلى البرنامج لمجتمع ينعم بكثير من الخيرات وبكثير من الأغنياء وفي نفس الوقت يعج بحالات يدمى لها القلب. فهذا ينام تحت الكباري وهذا يريد بيع كليته وهذه تسكن وعيالها عند جارتها الأرملة وغيرها من الحالات في تكرار لصور مأساوية أقل ما يقال عنها إنها صور لمجاعة أكبر بكثير من مجاعة الصومال.

إنها مجاعة تمثل الضمائر الميتة لمجتمع اشتهر بالتدين ومساعدة الآخرين ولا أبالغ إن قلت إن مقدم البرنامج حمد ناصر أصاب المتابعين لبرنامجه بالصدمة والذهول ومنح فرصة الاستخفاف بالإنسان السعودي عبر وسائل الإعلام في سابقة خطيرة غفل عنها الإعلام السعودي الذي يدرك قبل غيره أن أبواب الخير مفتوحة عند ولاة الأمر وهذا ما أحسبه ويعرفه الإخوة في mbc الذي يجدر بهم على الأقل أن يأخذوا الصدقات من أصحاب الفضيلة الشيوخ الذين يستضيفونهم في قناتهم وهم في أكمل زينة وأجمل ملبس بدءا من البشوت الحساوية الحبكة والشماغات السويسرية الصنع والعطور الفرنسية الرائحة ودهن العود الكمبودي وانتهاء بزعفران القهوة الإيراني التي يُستقبلون بها ليحثوا المشاهدين والمستمعين على فعل الخير وتقديم الزكاة والصدقات وإني لأعلم علم اليقين أنهم يعرفون كثير من الحالات المحتاجة والمتضررة لكن عيون الشيوخ أصابها الرمد وآذانهم أصابها الوقر فلا يرون ولا يسمعون فالذات المتضخمة في نفوسهم رأت الصوماليين وتنكرت لأبناء البلد وهم على مقربة منهم .

هكذا تستحيل مفردات الحياة بما فيها من نبض وحركة إلى مجرد كلمات بائسة يتفوه بها المحتاج حتى لا يبقى منها غير هيكل لإنسان لا يجيد النفاق ولا المفاخرة وبحديث يحمل مرارة الزمن وقوته لكنه لا يجد رأفة ولا رحمة غير التذلل والتسول في هواء الموجات الإذاعية و في بلد عرف أنه من أغنى شعوب العالم بما يملكه من احتياط نفطي يعد الأكبر عالميا. ولا أعلم أي طريق أوصل هؤلاء الجثث المعدومة لتطفو على السطح السعودي وتخترق عالم الصمت لتكشف عن أشلائها في أوساط مجتمع يتفاخر ناسه بفعل الخير وبالأقوال الواردة عن ذلك في الموروث الإسلامي ويتمايزون بالنفاق الاجتماعي في المأكل والملبس والمواصلات والسكن.

ولا أخفي سراً إذا قلت إن ذلك الطريق هو الفساد الذي ينخر جوانب الحياة ويصيب المؤسسات ومسؤوليها بالعفن الاجتماعي حتى كثر القيل والقال من هزة إعلامية وفضائح مشينة يتداولها الصائمون في السعودية بعد وجبة الإفطار لم يكن برنامج الناس للناس كما أظن وضعها في حساباته معتقدا أن مداها ضمن فئوية عمل الخير ولم يدر القائمون على ذلك العمل أنها نشرت غسيلنا في ليل لا توجد به شمس تحجب الحقيقة المرة التي عشنا جزءا من مشاهدها في سيول جدة وها هي تكمل فيضاناتها عبر التسول وطلب الحاجة في الإذاعات ليظل السؤال والتصور كيف يكون لدينا فقراء ومحتاجين وفئات مسحوقة في بلد يحرك الاقتصاد العالمي بنفطه ورجالاته الأثرياء وفي منطقة خليجية يتصارع عليها أقطاب العالم وتُشد إليها رحال الساسة والاقتصاديين أترك الإجابة لوطني الحبيب.

سامي جاسم آل خليفة

sksp@maktoob.com