أبو جمهور يسخر من الثقافة الذهبية

الخيل هنا تبدو نصف امرأةٍ!

يحاول الشاعر الإماراتي سالم أبوجمهور الذي يسمى بشاعر السخرية المفكّرة، أن يكتشف أنماطاً جديدة في كتابته الشعرية في كل مرةٍ يقدّمها لنا، لنقرأ، نتذوق، وبكثير من الدهشة أيضاً، ما يمكنك أن تراه بعينيك وبمخيلتك في النص الشعري "معرض الفن الهارب" الصادر عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، والذي يضمّ 40 لوحةّ من الشعر، تصف كل واحدة منها مقطعاً أو قطعةً من ذلك الفن المعروض في زوايا غرفة غريبة وحميمية يروي حكايتها في البداية.

يأتي الحديث عن الغرفة ووصف هيئتها القديمة وتحولاتها على يد الفنان، من خلال مقطع سردي نثري، يمكننا اعتباره قصة قصيرة، تقوم على السرد والوصف بلغة أدبية فصيحة، بسيطة ومنمقة في الوقت نفسه. وقد قال في نهايتها:

"يقال إنّ الغرفة ذات المرحاض لم تكتف لتكون معرضاً فقط! بل شاركت المدعوين جولتهم ورحلتهم الفنية بين آفاق المعرض وتطلّعت إلى نفسها بنفسها! ورأت أنها في حالة أرقى من أحوال الكثير من مسارح الستارة والأخشاب وأفضل من تلك المعارض والدُّور التي تفتتح بالمقصّات الذهبية والعباءات الذهبية وترتادها الكثير من العقول الذهبية في أروقة الفن الذهبي وقاعات الثقافة الذهبية!

رأت تلك الغرفة حالها بيتاً ووطناً لا يحتاج لمقاييس الجغرافيا لكي يحتضن روح الفن الهاربة من غابات الذهب المتوحشة".

إذاً، نقف هذه المرة أمام حكاية تسرد بكلماتها تفاصيل الحدث كاملاً، من البداية وحتى النهاية. بدءاً من قص الشريط والترحيب مروراً ببعض التماثيل واللوحات، وصولاً إلى الوداع الأخير بعد تلك التواقيع اللاواقعية. وبقصائد مرة قصيرة ومرة طويلة.

وبكثير من السخرية يبدأ أبوجمهور في "قصّ الشريط:

أومأ زبالٌ

بالمكنسة الخشبية

افتتح المعرض!

سقطت أشرطة حمراء

ومقصّات ذهبية!

فُتِحَت ليلتنا الفنية

لا تتبع هذه السخرية التي يلاحظها القارئ عند شاعرنا، إلى كونه لا يؤمن بالفن، على العكس تماماً، فهو هنا وبين السطور يؤكد أن الفن بالنسبة له، الحقيقي والجاد منه، لا يأبه بحفلات الافتتاح المخملية، ولا يعير انتباهاً لتلك الشخصيات المرموقة التي تأتي إلى ساحات الفنون لالتقاط الصور والظهور في وسائل الإعلام. إنما هو ذلك المنبعث من روح الفنان نفسه، والذي يدعو إليه فقط، أولئك المهتمين والمولعين به.

عناصر كثيرة ومختلفة من البيئة الإماراتية تفترش صفحات النص الشعري، وكأنها لوحات مرسومة يصوّر لنا أبعادها، ويجسّد ألوانها على مقربة من مخيلتنا، مثل "النخلة" و"الخيل" و"الجمل". لنقف على مقربة من الصحراء في هذا البلد، ليس من وجهة نظرنا نحن، بل من وجهة نظره هو متقمصاً شخصية النحات والرسام.

الخيل هنا تبدو

نصف امرأةٍ!!

رجلاً ويداً!

نهداً فرداً!

والحزن بقيتها!

بعض القصائد التي كتبها سالم أبوجمهور في حكايته عن المعرض الفني، جاءت تصف حالات أو أفعال حدثت داخل الحفل، تحمل أبعاداً نقدية ساخرة في كما حدث في "مكاشفة":

يا مدعوون

في هذي الغرفةِ

ذات المرحاض المفتوح

علّقت الصور المنفية

كي يحيا الفن المذبوح

أيضاً ثمة نقد للواقع المعيش الذي يعظّم من شأن براميل النفط على حساب الحياة الثقافية، في قصيدته "البرميل"، حيث يلقي أبوجمهور من خلالها بكلماته المتفجّرة لتصيب مباشرةً القوانين والأعراف الناظمة لسياسة هذا العالم، ويقول فيها:

لم يغب البرميل النفطي عن سوق عكاظ!

صورته تبدو شاعرة

وتجيد النثر الشعري

وتجيد الشعر الموزون

أما الختام في قصيدته "الوداع" فجاء من وحي الحفل نفسه، سخرية لاذعة، إيماءات شعرية بمنتهى القوة والجرأة، نقد حقيقي لواقع سيء، وربما القليل من الأمل. إلا أن سؤالاً يواجهنا عن ذلك الصوت الآخر الذي قصده سالم أبوجمهور في النهاية:

سنعيش ونبقى معجزةً

أنتم وأنا!

لا نرسم

لا نتشكل

لا نتمثل

لا نتكوّن

إلا بالصوت الآخر!