أبو الطيب المتنبي وعزمي بشارة في بلاط كافور ونفس الإمارة

بقلم: غازي ابو ريا

المفكرون ألوان وأشكال، منهم من يصل المشنقة ويرفض التخلي عن فكره، ومنهم مفكرون مترزقون من فكرهم، يحضرون الأسواق ويبيعون فكرهم لصاحب الجيب السميك والكريم في نفس الوقت، أمرهم كشعراء البلاط الذين يتكسبون من مدح ملك أو أمير، أو بهجاء عدو لملك أو أمير، فالمتنبي مثلا، الشاعر العربي العظيم شعرا، وهو برأيي ورأي العرب، أعظم شعراء العربية. ومع كل هذه العظمة في الشعر، فقد كان المتنبي باحثا عن المال والزعامة، يمدح من اجل المال، ويبالغ في المديح من اجل أن يُعطى إمارة، وقد كان غروره فوق الوصف، وكانت أنانيته محركا للسانه ولشعره.

ونعود الى زماننا وإلى المفكرين بالتحديد، فهؤلاء تغلب عليهم – أقصد المفكرين العرب- مواقف شعراء العرب، ففي زمننا لم يعد الشعر قادرا على تسويق الأسياد، وكل مديح لأمير أو ملك شعرا غدا نشازا وتمقته الأذن قبل أن يسخر منه العقل. والسيد في عصرنا يحتاج إلى مفكرين يحللون مواقفه ذات العمق الفكري، ويحللون لكل من يسمعهم ويشاهدهم موقف السيد العظيم ضد السياسية الأميركية، هذا مع الصباح، أما مساء، نفس المفكر، يحلل بحماسة موقف سيده من المشاركة في العملية السياسية الأميركية. وبعض الناس يقولون، ما أعظم هذا المفكر الذي يحلل بكل هذا العمق!

ألم يبدع شاعرنا العربي الكبير المتنبي في مدح كافور الإخشيدي؟ ثم، ألم يبدع المتنبي نفسه في هجاء كافور؟ ولم يمدح المتنبي كافور لأنه وجد فيه ما يستحق المديح، ولم يهجه لأن كافور غير شيئا من سلوكه، كافور بقي كما كان، لكن المتنبي هو الذي كان ينقلب على نفسه وفقا لأنانيته وغاياته الشخصية.

وفي زمننا العربي الحاضر، وكما ذكرت، جاء المفكرون والمحللون العرب –ليس كلهم- فأخذوا مكانة الشعراء، ومن هؤلاء، مواطن فلسطيني

من شعبي، هو مفكر بلا شك، وقد حظي بلقب "المفكر العربي الكبير" من إعلام سوريا ولبنان، وقد استفاد المفكر من هذا الإعلام العربي التافه، وقد تجند هذا الإعلام لتسويق شاعره/ مفكره قبل كل انتخابات للكنيست في إسرائيل، مدح مفكرنا الكبير النظام السوري، ومدح بشار الأسد محللا مواقفه الوطنية مقطوعة النظير، كان بشار في تحليلاته كافور وكان هو المتنبي، لكن كافور سوريا لم يشبع طموحات المفكر/الشاعر، وكان على الخط الآخر أمير قطر، وقد تمتع مفكرنا العربي الكبير من سنوات توافق بين حاكم سوريا وحاكم قطر، وتمتع بحظوة من حزب الله وحركة أمل، وحسب كل التقارير فإن المفكر إياه قبض من حزب الله، كان مداحا ويغني بصوت يطرب كل القيادات السورية، وكانت قطر بأميرها الديموقراطي، الذي طرد والده واستولى على السلطة "بكل ديموقراطية"، كانت متوافقة مع سوريا وقوى المقاومة اللبنانية، وكان مفكرا يمدح الجميع من قطر إلى سوريا وانتهاء بحركة أمل وميشيل عون وحزب الله، وفجأة، تغير الطقس، فأصبحت قطر في مكان آخر، وكان على المفكر الكبير أن يقرر في أي عرس يرقص؟ فإنهما في نفس التوقيت، واستغل المفكر العربي الكبير كيف يوظف شعره/فكره لمن يفتح الجيب بسخاء، وفجأة طلق سوريا والممانعة، وحظي من كافور الإخشيدي بوظيفة مدير مركز دراسات، مع راتب شهري يُقال بأنه خمسون ألف دولار شهريا، فهل كان المتنبي سيكف عن مديح كافور لو تقاضى راتبا كهذا؟

لم يتغير كافور، لكن المتنبي هو الذي غير جلده حسب مصالحه الأنانية وليست الوطنية، لم يتغير بشار الأسد، ومفكرهم الكبير هو الذي تغير حسب بوصلة الأنانية والغرور التي نشأ عليها كطفل مدلل في الحزب الشيوعي في إسرائيل. استغل تاريخ والده المشرف، وتلقى سنوات تعليم على حساب الاحزاب الشيوعية، وحظي بمنحة دراسية شيوعية مضافة، وبصق في الصحن الذي نهل العلم منه.

ننتظر من مفكر أمير قطر تحليلا عن النظرية القطرية في نشر الديموقراطية من المحيط إلى الخليج إلا الخليج! وتحليلا ملكيا عن مجلس التعاون الخليجي الذي ضم الأردن ودعا إلى حضنه المغرب، ننتظر، ونحن الذين بحاجة إلى مفكر يفكر نيابة عنا، فنحن رعاع وشغيلة ولا نملك عقلا، ولا وقتا للتفكير، فكر لنا أيها المفكر! لماذا تحتاج قطر إلى قاعدة أميركية على أراضيها وعلى حساب شعب قطر؟

هل هناك أحزاب في قطر؟ ولو طلبت مجموعة تشكيل حزب قومي في قطر، أكان يؤذن لها؟ أم أن الشعب في قطر شبعان ولا حاجة له بالسياسة والتدخل في شؤون السياسة؟ بماذا تختلف قطر عن غيرها من الدول التي تجتاحها الثورات؟ عائلة حاكمة إلى أبدها، ثروات الشعب في جيبها، وكل شارع يُعبد مكرمة أميرية، وكل رفاهية لأي مواطن مكرمة أميرية. بماذا تختلف قطر عن غيرها كسلطة؟ لنتصور المشهد التالي، بشار الأسد يحكم قطر بكل ثرواتها الطبيعية التي ليست مكرمة أميرية، ومع عدد محدود من السكان، وأمير قطر يحكم سوريا بتعدادها السكاني وثرواتها المتواضعة، هل سيتغير حال الناس والحريات في القطرين؟

من الحماقة أن أطلب من مفكر بلاط يفكر بأجر، أن يطلق فنتازيا يعيشها ويستمتع بها، لكن، من واجبي الأخلاقي والوطني مساعدة شريحة واسعة من شعبي على النظر مجددا في عدم إعطاء أحد حق التفكير عنه، والانتباه إلى أن كل من يفكر نيابة عنك يصادر عقلك، يستسخفك، يعتبرك قاصرا، ومفكرو عربنا في عصرنا بغالبيتهم هم شعراء، نعم، شعراء مديح وهجاء، وكل فكرهم في التفكير في المكان المناسب، في الوقت المناسب، في الحساب المصرفي الذي يدر في الجيب المناسب.

وكل ما يؤلمني في الأمر هو الخيانة، فإن كنت منظرا للمانعة السورية، لماذا لم تقف إلى جانبها وتسديها النصح في الأوقات العصيبة؟ لماذا قفزت إلى الموقع الآخر الذي يطلق النار على من جلست في حضنه؟ لماذا لم تلتزم حيادا؟ لماذا تبصق في وجه من رعاك ومدك بالمال والإعلام وجعلك مفكرا؟

كن حياديا يا جنرال التفكير! احفظ ولو بعض بعض ما أعطاك النظام السوري! أنت يا مفكر أمير قطر! أنت صنيع النظام السوري، أنت الذي أتاح لك النظام السوري التوقيع باسمه على كل بطاقة فلسطيني في إسرائيل زيارة سوريا، كنت الطفل المدلل في سوريا، وفجأة، يصبح النظام السوري مجرما وعليه أن يرحل!

واصارحك، الشعب الفلسطيني في إسرائيل يريد من عزمي بشارة تفسير انحيازه إلى قطر، لماذا كل قوى الممانعة في لبنان تندم على دعمها لك؟ وأنا أسأل، كيف يا متنبي العصر الحاضر هربت من إسرائيل سرا، وكل طفل يعرف بأن من يعطي شيكا بغير رصيد، يُمنع من مغادرة البلاد؟

واخشى ان يتصل خادم الحرمين بالمفكر الكبير، ويعده بإمارة سعودية نفطها غزير، وتحتاج إلى سلطة قمع الأغلبية الشيعية، فهل كان المتنبي سيرفض هذا الإغراء؟

غازي أبو ريا