أبعد كل طائفيتنا، نلوم إسرائيل على يهوديتها؟

بثت قناة العربية مساء السبت 26-10-2013 لقاء مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، تحدث فيه عن امور مختلفة، تشغل البيت الفلسطيني ومستقبل عملية السلام، التي لااحد يدري متى ترسو سفنها التائهة في بحر المفاوضات الهائج، على مرفأ آمن، ينهي هذه المعضلة، التي تعد الأم الشرعية للمئات من المشاكل التي توالدت عنها في المنطقة.

كان من ضمن ما قاله الرئيس عباس، في معرض رده على احد الاسئلة، يتعلق بمسالة الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل التي يشترطها اليمين الاسرائيلي مدخلا للسلام القادم! وقد كان رد الرجل منطقيا، او هكذا قراته، عندما قال، ان الكثير من الدول غيّرت اسماءها، ومنها ليبيا وايران.. يقصد تغيير القذافي اسم ليبيا السابق الى "الجماهيرية"، او تغيير من جاءوا بعده هذا الاسم الى اسم جديد، لعله الجمهورية، اما ايران فامرها معروف، اذ استبدلت اسمها من "الامبراطورية" الى "الجمهورية الاسلامية". وقد اعترفت الامم المتحدة بالاسمينِ، او تعاملت معهما، لان ذلك من الشؤون الداخلية للدول. وايضا نتذكر ان دولة الكونغو، الافريقية كان اسمها زائير في زمن موبوتو سيسي سيسكو، وهكذا غيرها الكثير من الدول.

وفي كل الاحوال يبقى هذا الامر شانا داخليا، لا علاقة للاخرين به، فلماذا تريد اسرائيل من الفلسطينيين الاعتراف بها وباسمها الجديد (دولة يهودية) مع ان هذا الامر لا يعني الفلسطينيين، والكلام هنا للرئيس محمود عباس، او هكذا كانت اجابته التي اعجبتني، لانها معقولة جدا، وكذلك استدراكه الذي جاء في سياق الاجابة، حين قال، هذا ليس من شأننا... هم يريدون منا ان نعترف بذلك، ونحن لا نعترف.

للاسف نقول، ان الذنب ليس ذنب نتنياهو وامثاله، فكثيرون منا اليوم لم يعودوا يلومون اسرائيل على ثقافتها المريضة هذه، بعد ان نجحت وبامتياز في اشاعتها بيننا، وبطريقة ماكرة وذكية للغاية، وخلقت مناخا ثقافيا، يحاكي الواقع السياسي الذي تريد فرضه على المنطقة بمساعدة الدول الرجعية، واؤكد على عبارة الرجعية، لانه ليس كل من بنى عمارة او ركب سيارة حديثة بات متحضرا، نقول بمساعدة الدول الرجعية التي لا تمتلك رؤية سياسية واضحة وبعيدة، او تنطوي على قدر من الفهم الصحيح لما يدور في العالم، وهذه الانظمة التي عملت على اشاعة ثقافة التعصب الديني والطائفي في المنطقة وادخلتها في هذا النفق، من خلال ضخ الاموال الهائلة، لاجل هذا المشروع التخريبي، هي المسؤولة بقدر كبير عن هذه النتائج.

لقد كانت اسرائيل تتحرج من الاعلان عن كونها دولة دينية، على الرغم من انها قامت على هذا الاساس، كما يعرف الجميع، لان الثقافة السياسية السائدة قبل الخراب الاصولي الذي اجتاح المنطقة، كانت راقية، اما اشتراكية تقدمية، او رأسمالية ليبرالية، وظلت اسرائيل تحاول درء "التهمة" الدينية عنها بالحديث عن كونها دولة ديمقراطية، وغيرها من الطروحات التي اتاحت لها بمساعدة اميركا، طبعا، ان تتخلص من القرار الاممي الذي يعد الصهيونية التي انشأت اسرائيل، او مهدت الطريق لقيامها، "حركة عنصرية"، وهي من اولى ثمار حرب العام 1991 على العراق، التي توالت فيما بعد لتنتج اتفاقية اوسلو وغيرها من الاتفاقيات مع العرب، من دون ان يتقدم السلام خطوة واحدة حقيقية الى الامام.

لنكن شجعانا ونقول، علينا ان لا نلوم اسرائيل على طلبها منا الاعتراف بها "دولة يهودية"، لاننا انفسنا صرنا نقسم بعضنا على اسس دينية وطائفية، بعد ان هاجر معظم المسيحيين وغيرهم من ابناء الديانات القديمة في هذه المنطقة، لانهم باتوا "رعايا" غير مرغوب فيهم في بلاد المسلمين! ثم صار البعض يعمل على تنقية المناطق طائفيا، ولا ندري ماذا يخبئ لنا المستقبل بعدان اصبحت رقابنا بايدي الجهلة والمأجورين، الكبار منهم والصغار على حد سواء!