أبعاد المؤامرة على الرئيس عرفات في ظل الحصار

بقلم: عبد الرحمن الترك

لم يعد يخفى على أحد في الساحة الفلسطينية، أن الرئيس عرفات بات مستهدفاً من الإسرائيليين والأمريكيين على حدّ سواء، ومن بعض الطامعين الكامنين المدعومين من أعداء الله في الأرض، المتربصين المتحفزين للانقضاض ، في الوقت الذي تصدر لهم الأوامر من أسيادهم بهذا الشأن.
ولعل خيوط المؤامرة كان قد بدأ الإسرائيليون بحبكها، حين تيقنوا في مفاوضات كامب ديفد التي سبقت هذه الانتفاضة، أنّ الرئيس عرفات لا يمكن أن يسلّم لهم بما يريدون في قضايا الحل النهائي ، ومنذ تلك اللحظة راحت الدوائر الإسرائيلية الأمريكية تسعى للتخلص منه سياسياً بتصعيد العدوان على الشعب الفلسطيني ، من خلال تشديد الحصار وارتكاب المجازر الوحشية وتدمير البنية التحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية ، ومهاجمة مقر الرئاسة بالتدمير والتخريب والحصار لفترات متفاوتة لمنع تواصله مع الناس ، توطئة للمؤامرة الكبرى .
إنها الحرب القذرة على الحلم الفلسطيني ، من خلال المحاولات المحمومة التي تستهدف النيل من الرمز التاريخي الذي مثل هذا الحلم لعقود من الكفاح المتواصل للشعب الفلسطيني ، وجاء هذا الحصار الأخير لمقر الرئيس ، والذي بدأ به جيش شارون مساء يوم الخميس الموافق التاسع عشر من أيلول 2002 ، ليكون بمثابة الخطوة التي تمثل الضربة السياسية القاضية للرئيس الفلسطيني وفق المخطط الشاروني الأمريكي ، هذا المخطط المؤامرة على الشعب الفلسطيني ، والذي نستبعد منه احتمال التصفية الجسدية للرئيس ، لما سيترتب على ذلك من زلزال قد يؤدي إلى تهاوي عروش في المنطقة العربية ، ولكننا نعتقد جازمين أن الهدف الأساسي من هذا الحصار هذه المرة ،هو تمرير كرزاي فلسطين ، الإحتمال الذي يستبعده الجميع ، وينظّر ضده تحديداً المرشحين لهذا الدور ، لأن هذا الكرزاي الفلسطيني سيمرر في فلسطين ، تحت شعارات الديمقراطية والإصلاح ومليء الفراغ القيادي والسياسي بضرورة تعيين رئيس وزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة القادمة التي كان يفترض أن يشكلها الرئيس عرفات ، ونظن أن كل هذا سوف يجري والرئيس تحت الحصار الخانق والضغط النفسي الرهيب، وسوف يطلب من الرئيس في حصاره المصادقة على كل ذلك،لأن هذا المخطط لن يكتب له النجاح إلاّ إذا مهر بتوقيع الرئيس ، فهل يعقل أن يوقّع الرئيس شهادة إقصاءه السياسي عن دائرة القرار المصيري للشعب الفلسطيني؟
نحن لا نضرب في الرمل ونفتقد المعرفة في التنجيم، لكننا نقرأ جيداً ونستكشف بروح الحرص ونستشعر الخطر المحدق قبل وقوعه ، مثلما استشعرته تماماً جماهير الشعب الفلسطيني التي خرجت إلى الشوارع في الداخل والخارج ، في استفتاء على قيادة الرئيس رغم الحصار ومنع التجول ، وارتقى إلى العلى الشهداء دفاعا عن قائدهم ورمز نضالهم الوطني.
إنّ تعيين رئيساً للوزراء وتكليف أي كان بتشكيل الوزارة القادمة ، حتى ولو كان هذا التكليف بموافقة الرئيس نفسه وهو تحت الحصار ، لا يمكن أن يكون عملاً مشروعاً ، بل هو باطل من الأساس ولا يمكن فهمه إلاّ في سياق الإبتزاز المرفوض وطنياً وشعبياً ، لذلك نعتقد أن القوى الوطنية والإسلامية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالوقوف إلى جانب الرئيس والتناغم مع نبض الشارع الفلسطيني بهذا الصدد ، فإذا كان الرئيس عرفات قد رفض التعاطي مع الإملاءات الخارجية في سحق المقاومة، وقتل المجاهدين والمناضلين أو ملاحقتهم ، ورفض الرضوخ والإستسلام والمساومة على ثوابت شعبه السياسية ، وهو يسدد فاتورة رفضه في هذا الحصار ، فإنّ رئيس الوزراء العتيد المطلوب أمريكياً وإسرائيلياً سيقوم بهذا الدور الذي رفضه الرئيس عرفات .
وإذا كان البعض في المجلس التشريعي ، أو غيره من المؤسسات الفلسطينية والفتحاوية مع فكرة التعيين لرئيس وزراء ، انطلاقاً من الحرص على استمرار عملية الإصلاح وتجذيرا للديمقراطية ، فإنّ ذلك لا يكون في ظلال الدبابات الإسرائيلية والحصار ، والأجدى بهؤلاء أن يناضلوا من أجل كنس الاحتلال وتخليص الشعب الذي انتخبهم من المعاناة والحصار ، بدلاً من إقحام الناس في معمعان التزاحم على المناصب والوزارات والشعب في كرب عظيم. عبد الرحمن الترك
عضو المجلس الوطني الفلسطيني