أبا خالد، رحلت واقفا ولم تركع

جفت الكلمات في حلقي وتبخرت الأفكار من رأسي حين بلغني نبأ رحيل ذلك الوطني المعطاء والغيور على مصلحة الوطن على الرغم من قناعتي أن الموت حق لا مفر منه، فقد كان الرجل كبيرا ولم يكن متكبرا، ودودا متسامحا غير متعصب، أحب الناس حتى أولئك الذين يختلفون معه، لم يحمل في قلبه غلا أو حقدا على أحد لأنه كان يؤمن بوحدة الوطن والشعب والقصية وأنه لا مجال للتناحر في مرحلة التحرر الوطني، ولعل ما حدث في غزة مؤخرا كان مؤلما بالنسبة له ولنا جميعا ولكل الحريصين على وحدة الدم الفلسطيني وحرمته، فقد جاء ما حدث في غزة خارج السياق وخارج المنطق وضد كل ما هو مقبول ومعقول.
كان الدكتور حيدر عبد الشافي أبا وأخا وصديقا لنا، يرعى طموحاتنا ونشاطاتنا ويفتح لنا قلبه، فتح لنا أبواب جمعية الهلال الأحمر حين لم نجد من يرعانا في بداية عهدنا بالكتابة، كانت طموحاتنا أكبر من كل إمكانياتنا ففتح لنا قلبه وفكره وعقله وأتاح لنا فرصة اللقاء تحت مظلة جمعية الهلال الأحمر، صرنا نجتمع كل أسبوعين مرة لمناقشة ما نكتبه من قصص أو محاولات أدبية ومسرحية، بل إنه أبدى استعداد الجمعية لتغطية نفقات طباعة بعض الأعمال الأدبية فكان أن اقترحت عليه طباعة أول ديوان للشاعر توفيق الحاج على أن يتم تسديد النفقات من ريع الديوان حتى تستمر طباعة الأعمال الأدبية للكتاب الشباب، كما شجعتنا على فتح فصول لمحو الأمية في قطاع غزة بالتعاون مع جامعة بير زيت التي قدمت لنا كتب تعليم الأميين، كان لي شرف الإشراف على مركز محو الأمية في خان يونس، ولكنا وجهنا بحملة شرسة من الاحتلال وأعوانه، وما زلت أشعر بالسعادة الغامرة ين أرى أحد الكبار رجلا كان أو سيدة ممن محونا أميتهم وأخرجناهم من ظلماتها.
وعلى الدرب نفسه وجدنا المهندس إبراهيم الدقاق في الملتقى الفكري العربي ألذي أفرز دائرة للكتاب في الملتقى الفكري في القدس لتكون مظلة قانونية نعمل تحتها حتى لا نقع تحت طائلة قوانين الاحتلال، كان حادينا في مسيرتنا الناقد محمد البطراوي حتى استطعنا في النهاية أن نؤسس أول اتحاد للكتاب الفلسطينيين الذي كان لي شرف عضوية أول هيئة إدارية فيه عن قطاع غزة ولعدة دورات إلى أن استطاع الاتحاد النهوض بمهمة تجميع الكتاب وتشجيع نشاطاتهم، لكن الفضل يرد دائما إلى أصحاب الفضل وأنت في طليعتهم يا أبا خالد.
أبا خالد
من حقي، بل من واجبي أن أعتز بعلاقتي الإنسانية بك، فقد كنت أبا وأخا وصديقا ومعلما، كنت كل أولئك جميعا حين أسبغت علينا من عطفك ورعايتك أكثر مما نحتاج إليه، أذكر زيارتك لي في بيتي المتواضع في معسكر خان يونس بعد خروجي من السجن سنة 1979م حيث اعتقلت بسبب كتاباتي في جريدة الفجر المقدسية، فقد منحتني زيارتك أنت والأستاذ فريد أبو وردة مزيدا من الثقة والتشجيع على مواصلة السير في دروب الكتابة وتسخير الكلمة لخدمة قضايا الوطن والمواطن، وقد فزت أثناء وجودي في السجن بجائزة الفلكلور الشعبي التي لم أستلمها حتى الآن عن زجلية غناها بعض الشبان الذين كنا ندربهم تحت رعاية الهلال الأحمر.
أذكر يوم إحراق مكتبة الهلال الأحمر بغزة سنة 1978م، يومها تعاليت على الجرح ولم تصدر منك ولو كلمة واحدة قد يفهم منها أنها تحمل بعض الإساءة إلى أي إنسان، وواصلت درب العطاء، لم تتأثر ولم تتعثر فقد كنت كبيرا وما زلت، كنت أكبر من كل الصغائر والكبائر، كما أذكر يوم اجتماع الجمعية العمومية للهلال الأحمر حين قامت مجموعات من المتعصبين بتخريب الاجتماع والاعتداء على بعض الحاضرين، كنت شامخا كالجبال واثقا بأنك على الطريق الصحيح، طريق خدمة الفقراء والمظلومين من أبناء هذا الشعب ليستمر المشوار دون أن تلتفت إلى الوراء ودون أن تتراجع عن قناعتك قيد أنملة مما زاد من مساحة ثقة الجماهير بك.
لقد شجعتنا يا أبا خالد على العطاء ورعيت غرس العطاء والعمل التطوعي في نفوسنا، ولم تنس تقدير من ساروا على درب العمل التطوعي فبادرت إلى تكريم رواد العمل التطوعي، وكم سعدت بعد هذا العمر الطويل وأن أتسلم شهادة التقدير منك باعتباري رائدا من رواد العمل التطوعي في قطاع غزة عن محافظة خان يونس، كانت هذه الشهادة أثمن من كل الأموال التي يمكن أن يطمع البعض في الحصول عليها، ومع التقدم في العمر ظلت غرسة العمل التطوعي التي غرستها فينا تنمو وتترعرع في نفوسنا.
آه يا أبا خالد
أذكر أنني زرتك في مبنى الجمعية القديم قرب مخيم الشاطئ قبل مؤتمر مدريد بيومين، تناقشنا يومها في مؤتمر السلام وكانت قناعتنا ألا نشارك في هذا المؤتمر، ولكنك بعد حصولك على ضمانات بأن تكون قضية اللاجئين وقضية القدس أولى الأولويات على جدول أعمال المؤتمر، لم أستوعب الموقف يومها على الرغم من قناعتي المطلقة بأنك تقدم العام على الخاص وتقدم مصلحة الشعب على كل المصالح الأحرى فردية كانت أو حزبية، صمدت ولم تتنازل، ظللت شامخا كالجبال، لم تفرط ولم تتهاون، وعندما اكتشفت وجود قنوات تفاوضية سرية في أوسلو قدمت استقالتك من رئاسة وفد مدريد، وكان ما كان من توقيع اتفاق أوسلو الهزيل الذي اهتم بمناقشة القضايا الثانوية وأبقى كل القضايا الأساسية معلقة ومؤجلة حتى تتم مناقشتها في مفاوضات الحل النهائي التي لا تلوح في الأفق على الرغم من الدعوة الأمريكية إلى انعقاد مؤتمر الخريف، رحلت وكأنك لا ترغب في رؤية ما قد يتمخض عنه المؤتر القادم وكأن مجرد التفكير في عقده قد نكأ جرحا قديما لم يندمل بعد.
كنت ابن شعبك وما زلت، تقدم مصلحة هذا الشعب على كل المصالح الشخصية، كنت مبادرا لكل فعل خيِّر، فقد دعينا إلى الاعتصام ضد حالة الانفلات الأمني أمام بيتك في غزة، هذا الانفلات الذي لم يكن عفويا بل كان مبرمجا يهدف إلى تكريس حالة الفوضى حتى نفقد البوصلة ونضل الطريق.
أغبطك يا أبا خالد فقد عشت عظيما ورحلت عظيما، علمت أبناءك العطاء ومنحتهم الثقة والقدرة على تحدي الصعاب والمخاطر، لم تهتم بالحصول على الامتيازات الفردية فقدمت استقالتك من عضوية المجلس التشريعي حين وجدت أن هذه العضوية لا تلبي الحد الأدنى من طموحاتك لخدمة الشعب كل الشعب، ولكنك يا أبا خالد تركتنا في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى وجودك بيننا في ظل المخاطر التي تتهدد مصيرنا ومستقبلنا بعدما حدث في غزة، فقد آلمك وآلمنا ما حدث، آلمنا صراع الأخوة وانشطار الوطن إلى شطرين وهدر الدم الفلسطيني في الاتجاه الخطأ على الرغم من تشدق الجميع بمقولة " الدم الفلسطيني خط أحمر " لقد خسرنا دعم أصدقائنا وأخوتنا حين غاب العقل وفقدنا البوصلة.
رحمك الله يا أبا خالد وأسكنك فسيح جناته وأثابك أفضل الثواب لما قمت به في حياتك لخدمة أبناء شعبك ووطنك. د. محمد أيوب